ليس لحربنا قصة تحكي
عناية جابرليس لحربنا قصة تحكي حل بي خدر اعرفه جيدا، اثر اليومين الماضيين الداميين اللذين شهدهما البلد. اشتباكات محيط الجامعة العربية، ومار الياس والبسطة والطريق الجديدة وسواها من الزواريب الفرعية، تمثلت لي اننا نعبر الحاضر بأعين معصوبة، وقصاري ما نفعله، اننا نعيد احياء الماضي بانتظار ان تُحّل العصابة، فندرك ما عشناه ونفهم معناه.حلّ بي خدر هو نفسه الذي كان يحل بي، في الحرب الأهلية اللبنانية. كان الرعب الذي تسببه لي القذائف المتساقطة علي المدينة، يرتبط بصوت علي شاكلة خشخشة خفيفة تصلني اولا، ممهدة للانفجار الكبير المدوي. هكذا الخربشات الصغيرة ما زالت ترعبني، كتمهيد اولي للرعب الحقيقي. لما كان يبدأ القصف، كنت سرعان ما انعس وأغفو، يحميني نومي واثق بقدرته علي تجاوز الموت. نومي ابان القصف ساعدني، جرفني قليلا الي أسفل، الي ما تحت القذائف وتحت الأذي. ما زلت لغاية الآن، حين يدهمني صوت ضاج، يتخدر جسمي وذهني بشكل غريب، واذ احدس انفجارا ما، أسقط في النوم وفي ألفة وضعية الغياب، لأنجو. لم يكن النوم اثناء القصف، توسلاً لحياة اطول او كنقيض للموت، بل رغبة الي ألم أقل، وضجة أقل، وذل أقل، وحركة احتجاج وان سوريالية، ضد العنف، والنأي بجسدي الذي حطمه الإنفعال، عن طبيعته المادية وكيانه المحدود، عله في غيابه يندمج بالأبعاد كافة، ويغدو لا نهائيا.ارتبكت في اليومين الداميين الماضيين، من مثول الحرب ثانية، لأنها شاهدة علي سقوطي، خوفي وتعرقي ونومي. بهت لون جلدي وغصت بخجلي من الفظاعات الماضية والدائرة حاليا، وعاودني النعاس، فرحت احلم بقوة المدن المطمئنة، بصداقتها، وبالتواطؤ الأكيد بيني وبين اهليها، وبالتبادل المشترك لفضائل السلام.للحرب اللبنانية ملامح صارخة منحتها شخصية فردية عن باقي الحروب، بحيث تبدو وحدها، جريمة كاملة غير قابلة للتأويل. الكتابة في الحرب صعبة. ليس لحربنا قصة تحكي. كانت تحدث فقط، وكانت موجودة دائما. محاولتي التحدث عنها هي محاولة للامساك بانعكاساتها عليّ، في اشكال لا تحمل مفهوما زمنيا.لم أقدر، وما زلت غير قادرة علي تبرير مطلق حرب. انني اكثر فخرا بالحياة، وما رأيناه من موت هو العبث المقتطع من حيواتنا. مع ذلك هاهي الدواليب المحترقة. مع ذلك الكره، الحقد، الصراخ الطائفي، كثير من اللبنانيين تسكنهم ابدا فكرة الشر وقد ابتلي البلد بهم. ثمة اتحاد في ارادتهم علي الأذي والكره والقسوة، وعنصر الترابط بينهم هو الجشع، جشع مموه بالغضب وطلب العدالة وحجة كهذه لا تفضي الي ممارسة اخلاقية، بل هو الشر والضراوة.في اليومين الدمويين الماضيين، لم اتذكر الحرب فقط، انها ذكريات لذكريات الذكريات. الرغبة الي النوم في الوضع الجنيني نفسه، والوحدة الكاملة ثانية. اكتب وحدتي اقل من حقيقتها. كل لحظة في عمر هذا البلد صالحة لاعطائنا درسا في القسوة. في كتاب المخلوقات الوهمية لبورخيس، ثمة تعريف عن البانشي التي تقترب كثيرا برأيي من احساسي بالحرب: البانشي ليست هيئة بقدر ما هي أنّة تنشر صقيع الفزع، تنذر من وراء نوافذ الناس، بموت فرد من افراد العائلة. تنتمي البانشي الي جنس الجنيات، انينها يسمي العويل .من ضرورات الكتابة الذاتية ـ كما افعل الان ـ العثور علي لحظات مؤثرة. ما تفعله فينا الحرب في لبنان، هو جعل حياتنا سلسلة من اللحظات المؤثرة تصلح لنوع الكتابة التي ذكرت. مع ذلك، انتهينا جميعا هنا الي اعتبار الحرب ـ رغم انوفنا ـ نمط عيش، واسلوباً في الحياة من اساليب اخري نبرع بها جميعها. اسلوب في الحياة وليس هو المأساة كلها، اذ ان تكون في الحرب، فهذا يعني ايضا بعض الامتيازات عن الكثير من الشعوب الآمنة. شخصيا أدين للحرب ـ علي الرغم من انني اقضي معظمها نائمة ـ ببعض الفضائل. أدين لها بمعرفتي لنفسي، وبعض الآخرين، كما ادين لها ببهجة الانصراف كليا الي عالم الكتب، ونوع الموسيقي الثمين، وبعدد كبير من مشاعر الفزع الانساني قربتني من الطبيعة، والاطفال والمرضي والحيوانات. في الحرب ايضا، تعلمت مصادقة الشوارع الخالية، واللوذ برعبي الي الشمس، وقياس الحنان الذي اكنه للعالم، بجاذبية وسائلي.نقلت مكتبي من امام الشرفة، وبعدّت سريري الي جانب الحائط، فبدا الترتيب الجديد موائما لعودة الحرب. منحتني لمسة تحريك اثاث غرفتي بعض الحيوية والامان، ولا بأس الان من النوم قدر ما يريد التقاتل والمتقاتلون، مولية وجهي شطر الحائط، فهذا يناسبني تماما.0