السياسات الأمريكية الاسرائيلية ومواقف الدول العربية
د. يوسف نور عوض السياسات الأمريكية الاسرائيلية ومواقف الدول العربية دعنا نتوقف عند بعض الاحداث والمواقف السياسية التي نستخلص منها صورة عامة لما آلت اليه الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط. وأول ما نتوقف عنده قرار اسرائيل المفاجئ بدفع عشرات الملايين للسلطة الفلسطينية من أموالها المحتجزة عندها وهو قرار يوحي في ـ ظاهره ـ وكأن انفراجا قد حدث في علاقات الطرفين وذلك ما لم يحدث لأنه لوكان هناك انفراج لقررت اسرائيل الافراج عن أكثر من خمسمئة مليون دولار تحتجزها دون وجه حق وقامت بدفعها الي من يستحقونها، وفي الوقت نفسه الذي قررت فيه اسرائيل دفع هذا المبلغ المحدود قررت الولايات المتحدة دفع مبلغ مئة وستين مليون دولار من أجل تدريب قوات الأمن الفلسطينية.ويبدو في هذا السياق أن الهدف الرئيسي من دفع هذه الأموال هو تأجيج الصراع بين الرئاسة الفلسطينية وحركة حماس بوضع موارد في يد الرئاسة من أجل مقاومة نفوذ حماس ولا يمكن أن يفهم هذا الوضع الا في اطار استراتيجية كاملة تتبعها الولايات المتحدة واسرائيل في منطقة الشرق الأوسط من خلال مفهومي الشرق الأوسط الكبير والشرق الأوسط الجديد.واذا تجاوزنا هذا التطور وتوقفنا عند الزيارة التي قامت بها وزيرة الخارجية الأمريكية أخيرا في منطقة الشرق الأوسط تبين أن الهدف الأساسي لتلك الزيارة لم يكن تحريك الملف الاسرائيلي الفلسطيني كما حاولت أن توحي بذلك الادارة الأمريكية ـ كمخرج من أزمة الرئيس جورج بوش ـ بل كان الهدف في واقع الأمر هو حشد تأييد الدول العربية السنية من أجل المواجهة مع ايران وهو فخ جديد ستقع فيه بعض الدول العربية التي علي الرغم من بعض الخلافات المذهبية بينها وبين ايران فلا يتوقع أن تقوم ايران باعتداء نووي أو حتي تقليدي عليها، وهذا ما يثير الشكوك حول المغامرة الأمريكية في العراق في وقت ما زال فيه سؤال يلح وهو لماذا قامت الولايات المتحدة بمغامرتها ضد العراق وهي تعلم أن العراق لا يملك قدرات نووية ولم يكن له جيش يدافع به عن نفسه. الاجابة المنطقية الوحيدة هي أن الولايات المتحدة كانت تريد تأجيج الصراع بين المذهبية الشيعية والمذهبية السنية لأنه لا يعقل أن تكون الحكومة الأمريكية قد دعمت النخب الشيعية في العراق فقط من أجل تولي السلطة وتغيير نظام صدام حسين كما لا يعقل أن تكون الولايات المتحدة جاهلة بولاء السلطة الحاكمة في العراق لايران وانها لن تقوم بأي عمل ضدها، وذلك ما يجعلنا أمام احتمال واحد هو أن الحكومة الأمريكية كانت تدرك أن تولي حكومة شيعية في بغداد سيؤجج الصراع المذهبي الذي ستجد بعض الدول العربية نفسها متورطة فيه بما يوجد حالة ارباك في منطقة الشرق الأوسط يمكن أن تستفيد منها اسرائيل في تمرير سياساتها واستراتيجيتها في المنطقة.ونلاحظ في الوقت الحاضر أن دولتين أخريين اتخذتا مواقف تقترب من مواقف الولايات المتحدة ضد خصومها الأولي مصر التي طبقت حظرا علي أموال قادة الجماعات الاسلامية وهو موقف مستعار من أسلوب الحظر الذي تتبعه الولايات المتحدة ضد خصومها ولا يمكن أن يكون مثل هذا الحظر أو التشديد علي جماعة الأخوان المسلمين في مصلحة النظام لان الضغط يولد الانفجار ولا شك أن التشديد علي هذه الجماعة سيؤدي بها الي أن تنتهج أساليب أكثر صرامة مما هو معهود عنها وبالتالي سيخلق حالة ارباك في داخل المجتمع المصري تؤدي الي فوضي تضيف الي ما هو حادث في العراق. وقد شجعت الولايات المتحدة ليبيا علي انتهاج سياسة جديدة في ما يتعلق بنظام الوظائف اذ أعلنت ليبيا أنها ستتخلص من نحو أربعمئة ألف عامل وموظف في الخدمة العامة وتبين في آخر الأمر أن هذه السياسة ستكون موجهة بالدرجة الأولي نحو المهاجرين وخاصة من الدول الأفريقية ما يعني ايجاد قطيعة بين ليبيا والدول الأفريقية تنعكس في نهاية الأمر علي علاقات الدول العربية مجتمعة مع الدول الأفريقية وهو نفس الوضع الذي يعاني منه السودان في الوقت الحاضر، خاصة بعد أن خسر للمرة الثانية مسألة رئاسة دول الاتحاد كما تقتضيه العادة عندما تنظم دولة مؤتمر القمة علي أراضيها، ولكن في العام الماضي رفضت دول الاتحاد قبول السودان رئيسا للقمة وذهبت الرئاسة الي دولة الكونغو علي أمل أن تؤول الرئاسة الي السودان بعد دورة أديس أبابا ولكن مرة أخري فشل السودان في الحصول علي الرئاسة التي ذهبت الي غانا، وقد اعتذرت الدول الأفريقية بأن الخلاف حول دارفور هو السبب الرئيسي في عدم ذهاب الرئاسة الي السودان، وعلي الرغم من ذلك فقد رأت الحكومة السودانية الوضع طبيعيا ولم تنتقد اقتراح رئيس جنوب أفريقيا ثابو مبيكي الذي أقترح أن تذهب الرئاسة الي دولة غانا علي الرغم من أن الرئيس مبيكي عضو في لجنة الحكماء التي تشارك فيها نيجيريا والسنغال والتي كان رأيها منذ البداية ألا تذهب الرئاسة الي السودان، ولم يتوقف المسؤولون عند كل ذلك بل توقفوا فقط عند أن الرئاسة لم تذهب الي تنزانيا التي تدعمها الدول الغربية حسب وجهة نظرهم.واذا نظرنا الي كل تلك السياسات وجدنا أنها تستهدف أمرين أساسيين، الأول هو احداث فوضي وارباك في مختلف البيئات العربية والثاني عزل الدول العربية وجعلها تظهر بمظهر الكيانات الضعيفة التي لا تملك شيئا من أمرها، وهي كذلك بسبب غياب نظام الدولة في العالم العربي، ذلك أن الدول العربية تخضع في معظمها الي نظم نخبوية أو عشائرية لا تفكر كثيرا في وجود الدولة أو مصيرها وانما تفكر فقط في الكيفية التي تمارس بها الحكم وتكتسب القوة من أجل تحقيق هذا الهدف، يحدث هذا في فلسطين التي يبدو أن زعماءها نسوا تماما أنهم يعيشون في أرض غير محررة وأصبح الهدف الأساسي عندهم هو تقديم التنازلات من أجل الحصول علي الفتات وممارسة العيش اليومي وهو ضروري ولكن يجب أن يتم في اطار وضع شامل للتحرير وحل هذه القضية بأسلوب عادل، وما ينطبق علي فلسطين ينطبق علي العراق الذي بعد فترة طويلة من الحكم القومي والشعارات البعثية التي ظن الناس أن المجتمع العراقي تحول بعدها تحولا أساسيا يرجع المجتمع العراقي مرة أخري ليظهر وجهه المذهبي وكأن الزمن لم يتحرك في هذا البلد وكأن المعتقد هو الذي يتحكم بشكل كامل في حياة الناس، وتحاول السلطات الأمريكية أن تجعل الوضع في السودان شبيها بما هو في العراق ولبنان وذلك من خلال تأجيج الصراع بين الشماليين والجنوبيين من منطلقات عنصرية، ويبدو الوضع مثيرا للرثاء خاصة عندما تصور السلطات الغربية الوضع السياسي في السودان وكأنه صراع بين قبائل نزحت لتوها من الجزيرة العربية والسكان الأفارقة دون أن تتنبه الي أن عرب السودان هم في حقيقتهم مزيج بين العرب النازحين من الجزيرة العربية والسكان الأصليين للبلاد.واذا توقفنا لنقرأ هذا الوضع برمته قراءة صحيحة فلا نستطيع أن نتهم الأمريكيين بشكل كامل بأنهم يجهلون واقع المنطقة العربية لان الأمريكيين ومن خلفهم الاسرائيليون يتصرفون من خلال واقع ماثل أمامهم يتسم بالتشرذم والضعف ويحفز الأعداء علي رفع سقف مطالبهم وربما يكون ذلك أيضا خطأ استراتيجيا من جانب اسرائيل والولايات المتحدة التي كان من الممكن أن تنتهزا هذا الوضع لتحقيق الهدف النهائي لهما ولكنهما لا تفعلان ذلك انطلاقا من نظرية العقل الغربي الذي يصعد مطالبه حين يلمح بوادر الضعف في الشعوب، وذلك ما يعيدنا الي أن نتساءل أين تكون المسؤولية؟ هل هي في الضمير الغربي أم في النظام السياسي العربي أم في الشعوب العربية التي تعيش في حالة ثبات مميت غير قادرة علي التحرك؟ والاجابة عندي هي أن المسؤولية تقع علي الشعوب العربية أولا وأخيرا ذلك أن الغرب لن يغير سياساته في واقع سياسي لا يتغير كما أن الحكومات العربية ليس لديها الاستعداد لكي تغير واقعها ولا مصلحة لها في ذلك ولكن لماذا يكون ذلك شأن الشعوب العربية المستسلمة التي لا تتحرك لمواجهة حكامها، لماذا يكون ذلك شأن الشعب المصري الذي هو أكبر الشعوب العربية والذي يتميز بطاقات فكرية وسياسية كبيرة ومع ذلك هو لا يستطيع أن ينظم مظاهرة احتجاجية ضد حكومته وليست مصر هي الوحيدة في هذا الواقع ذلك أن معظم الدول العربية لم تدخل من الناحية السياسية الي العصر الحديث. فالدولة غائبة اقتصاديا وقانونيا والمواطن لا يشعر انه ينتمي الي الدولة وهو بالتالي لا يستطيع أن ينظم علاقة موضوعية يحكمها لقانون معها، وفي ظل هذا الواقع يتصرف الشعب والحكومة كأنهما جزيرتان منعزلتان، وفي هذا الواقع السياسي تضيع مصالح الأمة والمستفيد الوحيد هم الذين يتآمرون عليها من القوي الخارجية التي تأتي في مقدمها اسرائيل والولايات المتحدة اللتان ترفضان الاعتراف بقتل أكثر من نصف مليون عراقي أو تحمل المسؤولية عن أخطائهما بينما تحملان المسؤولية لما تسميه الارهاب الاسلامي. كاتب من السودان9