بدأوا شعراء وانتهوا صحافيين وروائيين: تاركو الشعر يقرأونه في الوحدة ويكتبونه في السر
ناظم السيدبدأوا شعراء وانتهوا صحافيين وروائيين: تاركو الشعر يقرأونه في الوحدة ويكتبونه في السربيروت ـ القدس العربي إذا كان الناس جميعاً في مرحلة الطفولة رسّامين، فإنهم جميعاً شعراء في مرحلة المراهقة. علي الأقل، يبدأ أي كاتب حياته الإبداعية شاعراً. البعض ينجح. البعض يفشل. البعض يتجاوز. البعض يتوسّع. البعض يتعدد. ومن النجاح والفشل والتجاوز والتوسّع والتعدد، يأتي الروائي والصحافي والمفكر والفيلسوف وسواهم. الشعر ـ إذاً ـ عتبة الكتابة. إنه الفن الأسهل والأقرب والفوري والعاطفي الذي يشترك فيه كل المبتدئين. المراهق (أو الشاب) يجد في الشعر فناً مباشراً للتعبير عن ميله اللغوي ومشاعره إزاء الذات والآخرين والعالم. في البداية تكون الكلمات ذلك الصوت الإضافي التي تعبر عن انفعالاتنا. لكن بعد وقت تغدو الكلمات طريقة للاكتشاف وأسلوباً. هنا تصبح الكتابة تورّطاً نهائياً. هؤلاء المتورطون هم الشعراء. لكنّ الحديث هنا سيقتصر علي الشعراء القدماء في أشخاص جدد. بمعني أوضح، هذا تحقيق عن الشعراء الذين تركوا الشعر الي ميادين أخري كالرواية والصحافة والنشر.الغالبية الكبري من الروائيين جاؤوا الي الكتابة من الشعر: فولكنر، هوغو، غونتر غراس، بول أوستر، ساراماغو، ألفريده يلنيك، بيتر هاندكه، نديم غورسيل، أنطونيو غالا، طه حسين، عبد السلام العجيلي، سالم حمّيش وكثيرين. هؤلاء نشروا أشعارهم في كتب (باستثناء طه حسين الذي نشر شعراً في صحف ومجلات عدة) قبل أن ينتقلوا الي اختصاصات أخري كالرواية والنقد والفكر وغير ذلك. وهناك من جمع بين الصنعتين باحتراف مثل جبران خليل جبران وأمين نخلة وبعض من ذكرت سابقاً. نيتشه أيضاً كان شاعراً تماماً كهوشي منه وماوتسي تونغ وغيرهما من رجال الثورات والسياسة. هذا بحث آخر. لكنَّ الروائيين الذين جاؤوا من الشعر ظلوا يحملون هذا الوقار الخفي أو المعلن للشعر وهم يبتعدون عنه. وربما كان ابتعادهم عن الشعر نوعاً عالياً من الوقار. هاندكه الذي بدأ شاعراً يقول في مقابلة أجرتها معه جمانة حداد: الشعر هو لحظة ألم، وعندي من تلك الكثير، ولكن عليَّ أن أنتظر. أن أنتظر المزيد من الجروح. أعني جروح الفرح أيضاً. ثمة أمور تنقصني لكي أكتب الشعر. لكي أستحق أن أكتب الشعر. أن يدوسني الزمن أكثر مثلاً. يجب أن نتضع أمام الشعر . أوستر أيضاً ولد مرتين كاتباً، بحسب تعبيره، شاعراً ثم روائياً. ولادتان يفصل بينهما عقد من الزمن وأكثر. لقد ترك صاحب ثلاثية نيويورك الشعر نهائياً هو الذي بدأ حياته الكتابية بالنثر والشعر. تفرّغ للشعر طوال شبابه قبل أن يهجره الي الرواية. ومنذ ذلك الزمن (1978) لم ينشر أوستر الشعر رغم أنه لا يزال يكتب أشعاراً مضحكة ومسلية في المناسبات العائلية، علي غرار أعياد الميلاد مثلاً . بدوره نديم غورسيل الذي كتب الشعر صغيراً في محاولة لتقليد الوالد، ثم انصرف كلياً الي الرواية، عاد وأصدر مجموعة شعرية إيروتيكية. كما كتب دراسات عن الشعر التركي. لكن غورسيل ـ كما يقول في حوار مع جمانة حداد أيضاً والذي نشر ضمن كتاب صحبة لصوص النار ـ يضمّن رواياته مناخات شعرية : تلك هي طريقتي في كتابة القصائد: أحاصرها وأغزوها في رواياتي . ولا يكتفي صاحب صيف طويل في اسطنبول بهذا التضمين/ الإخلاص للشعر فحسب، وإنما يعترف بتوقه الي هذا الفن أكثر من أي وقت مضي، إذ أشعر بأن الكتابة باتت عندي عملاً أكثر منها مشروعاً . كذلك الطاهر بن جلون الذي يقرأ الشعر في لحظات الوحدة القاتلة والحزن الشديد. الشعر يعينني علي العيش، يمكّنني من الصمود. إنه يفتح ذراعيه ويتلقاني . بالنسبة الي الروائي، الشعر ليس مهنة، إنه حالة، ونعمة نادراً ما تحلّ. الشعر لا يُدعي، لا يُنادي، لا يُكتب علي الطلب. إنه يأتي من تلقاء عنفه وجنونه وصفائه. يجتاحنا. تولد فجأة في داخلنا حاجة ملحّة وطارئة الي كتابته. لا يسعنا الرفض. وأحياناً كثيرة يمتنع عن القدوم مهما توسلناه. لهذا ثمة عدد قليل جداً من الشعراء الكبار. أما الرواية فلا تتبع هذه الشروط. الرواية تحكي قصة، قصة يمكننا أن نخترع فيها أن نهلوس أن نتخذ قرارات أن نحيد عن الدرب. مع الشعر لا قرارات… نعيش في عالم لا يفسح مكاناً سوي للسلعة، والشعر هو المفهوم المضاد للسلعة بامتياز. إنه خلاصة المجانية .ربما كانت الاستشهادات كثيرة هنا. لكنها ليست نافلة طالما أنها تصدر عن روائيين عالميين يقولون آراءهم في الشعر هم الذين نشروه كتباً أو قصائد متفرقة في بداياتهم الأدبية. إنها شهادات وليست استشهادات. شهادات قد تقودنا الي سؤال آخر: هل يختبئ في كل روائي شاعرٌ منطوٍ، قديم، أخرس، مقموع وموقر؟ سؤال سيجيب عنه الروائيون والصحافيون أنفسهم الذين شملهم هذا التحقيق. هؤلاء بدأوا شعراء قبل أن تأخذهم الكتابة الي مطارح أخري: رشيد الضعيف ومحمد أبي سمرا الي الرواية، رياض نجيب الريس ورفيق خوري الي الصحافة.حاسة الغرورعندما نشر رياض نجيب الريس مجموعته الشعرية الأولي بعنوان موت الآخرين في المؤسسة الوطنية للطباعة والنشر عام 1962، صدّرها بمقدمة لصديقه جبرا إبراهيم جبرا تحت عنوان زحزحة الباب العملاق ، مقدمة تمت عنونتها بكلمة دراسة . بدا جبرا مرحباً، محتفلاً، مبشّراً بشاعر شاب وافد الي الشعر، وتحديداً الشعر الجديد بحسب الكاتب نفسه. لهذا رافق ترحيبه ما يشبه التهديد للمتزمتين. ورغم هذه الحماسة يستدرك جبرا بالقول ولكنني لن أقلق، إن لم يقل رياض شعراً بعد هذا، ولكنه سيقوله مدراراً ولا ريب، فقد فتح الباب الصدئ سنتمتراً آخر علي رياح الغد . وهذا ما فعله رياض الريس فقد توقّف عن نشر الشعر. ربما لم يتوقف الرجل عمداً. فقد أصدر مجموعة شعرية أخري عام 1975 بعنوان البحث عن توفيق صايغ . لكن الكتاب احترق في المطبعة بعدما صدر عنه خبر يتيم في النهار. لم يعاود الشاعر نشر الكتاب. لقد اندلعت الحرب الأهلية في لبنان. حزم الرجل أمتعته وسافر الي لندن. الحقيقة أن الريس لم يُعرف كأحد شعراء مجلة شعر الحداثية التي أسسها يوسف الخال. حتي إن الخال رغم صداقته بالريس لم ينشر له كتابه الأول ضمن إصدارات شعر . ومع ذلك فقد عُقدت جلسة خاصة لمناقشة الكتاب ضمن الجلسات التي كان يعقدها أعضاء المجلة وأصدقاؤهم ليلة كل خميس. مع ذلك أيضاً كتب عن الريس أدباء وشعراء روّاد أمثال يوسف الخال نفسه، غسان كنفاني، أنسي الحاج، أدونيس، علي الجندي، شوقي أبي شقرا، حليم بركات، رفيق خوري وعصام محفوظ. مقالات اقتطف منها الشاعر مقاطع وثبّتها في نهاية كتابه البحث عن توفيق صايغ الموؤود، والذي أراني النسخة الوحيدة المتبقية منه. ولم يقبل بإعارتي الكتاب لتصويره إلا بعد وعود وتعهدات. حتي كتاب رياض الريس موت الآخرين ضمَّ إضافة الي الإهداءات للشعراء، شهادات ثلاثاً في الشاعر لكل من جبرا إبراهيم جبرا، علي الجندي وحليم بركات، رغم أنه الكتاب الأول. لهذا بدت نوعاً من الشهادات المسبّقة ليس علي القارئ فحسب، وإنما علي الشاعر. لكن بالنسبة الي الشاعر نفسه الأمر مختلف: اكتشفت مع الممارسة أنني لا أملك مواصفات الشاعر وعلي رأسها أن يكون لديك كمية كبيرة من الغرور والاعتداد بالنفس كحاسة تتفوق علي بقية الحواس. مأخذي الدائم علي الشعراء هو الغرور الذي يمارسونه من دون أي أساس يبرر هذا الغرور. أفهم أن يكون شاعر مثل محمود درويش الذي لديه 30 سنة (يقصد في الشعر) و30 كتاباً، مغروراً، وكذلك أدونيس ونزار قباني . أسأله عن تقييمه لكتابيه. يجيب: تسألني عن كتابين صدرا قبل 40 سنة. هذا سؤال غير وارد. لقد نشرتهما عندما كان عندي غرور كما يفعل الشعراء أمثالكم اليوم. نشرتهما ولم أتاجر بالشعر . ويستطرد الريس معلّقاً علي تركه الشعر كتابة ونشراً: لا أؤمن بقدسية الشعر الذي لا يتميز بطوباوية أو رسولية معينة. الشعر عملية جمالية يتلذذ بها القارئ أو يقدّرها . هذا هو رياض حين يريد الإجابة بطريقته الطريفة وابتسامته التي تغلّف وجهه وتدور علي أطرافه كتيار كهربائي. وأذكر حين أخبرته قبل سنتين أنني عثرت بالصدفة علي كتابه موت الآخرين قال ممازحاً: مين أخو الشرمو… يلي عطاك ياه . وعليه، فإن السبب الرئيسي الذي دفع برياض نجيب الريس الي هجر الشعر هو مزاولته الصحافة. وأي صحافة؟ إنها الصحافة السياسية والتغطيات الميدانية في زمن كان يمتلئ بالثورات. وإذا لم أكن مخطئاً، هو أول صحافي عربي يغطي حرب فييتنام: الصحافة أكلتني. أكلت لغتي. أصبحت هوسي. حياتي كلها صحافة . لكن أيضاً للرجل أسباب أخري: كتبت شعراً حين كنت في حومة شعراء أمثال الخال، جبرا، قباني، أبي شقرا، السياب، الحاج، أدونيس، توفيق صايغ، خليل حاوي وغيرهم. بعد الحرب (1975) تغرّبت وفقدت الصلة بالشعر. صحيح أنني كنت من قبل أشتغل في الصحافة وأسافر كثيراً لكن حياتي كانت مع الشعراء وليس مع السياسيين أو الصحافيين. كان الشعر هواية والصحافة رزقنا. نزار قباني ومحمود درويش لم يعملا في الصحافة (أسس محمود درويش مجلة الكرمل ). حتي أنسي الحاج لم تستنفده الصحافة (ترأس هيئة التحرير في صحيفة النهار عشرات السنوات) . أسأله عن أجيال أخري من الشعراء عايشهم الريس وصادقهم ونشر لهم في دار النشر الشهيرة التي يملكها أو في مجلتيه الناقد و النقاد وأعطي آخرين جائزته التي كان يمنحها باسم جائزة يوسف الخال للشعر . يرد الريس: يمكن أنا اليوم كاره للشعراء، لأنني اعتدت علي صحبة نوع معين من الشعراء. عندما دخلت في مغامرة الشعراء الشباب أمثال يحيي جابر ويوسف بزي وحسين درويش، كنت قادماً من مدرسة شعرية. كنت أطمح الي خلق عائلة شعرية بدل العائلة القديمة التي فقدتها. فشلت أم نجحت هذا أمر آخر… أمر شبيه بإنجاب ابن عاق. في الماضي كنت أستمتع بصحبة الشعراء وأقلَّ استمتاعاً بقراءة الشعر.اليوم أستمتع بقراءة الشعر ولا أستمتع بصحبة الشعراء… الشعر بات حملة علاقات عامة. لم يعد هناك شعر يتحمل النقد. كفاءة الشاعر في قدرته علي إقامة علاقات عامة. الشعر يرتفع يهبط بحسب علاقات الشاعر هنا وهناك كأدونيس علي سبيل المثال . يحمل رياض الريس بيده كتابه الأزرق السماوي البحث عن توفيق صايغ الذي تحوّل الي البحث عن الكتاب نفسه بعدما احترق في المطبعة (هذه دعابة أفترض أنها محببة عنده). يقول لي: أنا أول من أصدر كتاباً له شكل فني . بالفعل كان الكتاب أنيقاً، مميزاً من حيث الشكل والإخراج والرسومات. هنا يدخل الرسام حسن إدلبي الذي يصمم جميع أغلفة الكتب الصادرة في شركة رياض الريس للكتب والنشر . يسمع كلامنا عن الكتاب. يرفعه ويقول فوراً: الاسم زغير . يرد رياض بسرعة: أنا متواضع .هل ما زلت تكتب الشعر؟ أسأله. أجل، لكني أوقفت النشر . يجيب. سر آخر يكشفه رياض الريس: لدي قصائد كتلك التي نشرتها في مجلة شعر باسم وجه الموت الآخر وقصائد أخري أفكر في نشرها بعنوان خواطر قديمة . تراودني فكرة جنونية من وقت الي آخر: أن أصدر شيئاً شبيهاً بالشعر. نصاً إبداعياً مثلاً. إذا جهاد الزين (آثرت تركه للأخير بوصفه النموذج المضاد. أي الصحافي العريق القادم الي الشعر) نشر بعد الخمسين فلماذا لا أفعل أنا؟ لا أريد أن أمارس رجوع الشيخ الي صباه لأنني لم أعد قادراً علي تهييج القارئ بالطريقة التي فعلها الشيخ النفزاوي في كتابه الروض العاطر ، ومع ذلك أفكر في النشر. ليس اليوم لكن غداً ربما. أحتاج الي دفعة من الجنون لأفعل ذلك . هنا تنتهي الدردشة مع شاعر لم يعد يذكره أحد كشاعر، وإن كان صحافياً بارزاً وناشراً شهيراً ومنشّطاً ثقافياً ملأ بيروت ذات يوم حين كانت خارجة من حرب قاسية نهاية الثمانينات. شاعر يعتبر أن تاريخ مجلة شعر شُوّه وتم تزويره .مديح الصحافي رثاء الشاعرصحافي آخر بارز انتهي صيته كشاعر. قليلون الذين يعرفون أن رفيق خوري، رئيس تحرير صحيفة الأنوار وكاتب افتتاحيتها، كان ذات يوم شاعراً. ربما أبناء جيله يعرفونه كشاعر. أما الأجيال الأخري فتعرفه كاتباً سياسياً بامتياز، قارئاً جيداً للأحداث، محللاً بسعة أفق، نزيهاً ومعتدلاً. الواقع أن رفيق خوري نشر ديوانين، الأول عن دار العلم للملايين عام 1960 بعنوان الزنبق والدم ، والأخير عن دار الطليعة بعنوان غابة الحجارة . وأكثر من ذلك، كتب نحو عشرين اسكتشاً غنائياً عن المغنين العرب قام بتلحينها الأخوان رحباني، ومنها موشح أرجعي يا ألف ليلة الذي غنته فيروز. لكنَّ شهرة الصحافي ووقاره لا يعوّضان صفة الشاعر التي افتقدها خوري مع ابتعاده عن الشعر وتراكم مقالاته اليومية في أرشيفه الخاص: أشعر بالحزن. كأن امتداحي كصحافي لامع هو رثاء لشخص ميت في أعماقي هو من يكتب الشعر ومن كانت له أحلام كبيرة… أنظر الي التجربة بحنين وبشيء من الندم، وأتمني لو اخترت طريقاً آخر . أخذتك الصحافة السياسية الي لغتها العقلانية. أقول له. يكمل: حين أقرأ اليوم قصائد نظمتها قبل سنين أتصور أني أقرأ لرجل آخر تبدلت لغته بتأثير العقلانية السياسية ولم تعد جامحة الخيال . وعليه، يعترف خوري أن الصحافة أخذته من القصيدة لأن كتابة عمود يومي في السياسة مسألة جدية جداً ولا تقبل المشاركة في النشر مع أي نتاج آخر . أسأله إذا كان وصف شاعر سابق يعزّيه، فيرد: ليس هناك شاعر سابق. ولا أعرف إن كنت في الأصل أستحق لقب الشاعر بحسب تعريف إليوت. كل ما أعرفه أنني أستطيع كتابة الشعر . لا يزال رفيق خوري يكتب الشعر سراً لكنه لا ينشره: لدي مجموعات شعرية أفكر في نشرها. وفي كل موسم يحرّضني أصدقائي علي ذلك، غير أن الوقت يمر وليس فيه مكان إلا للذهاب في مهنة قاسية هي الصحافة . وهل ما زلت تقرأ الشعر؟ أسأله سؤالاً أخيراً. يرد: نعم لكن ليس كثيراً. أحياناً أشعر بأني لا أفهم ما أقرأ، أو كأن معظم القصائد لعدد كبير من الشعراء هي قصيدة واحدة لشاعر واحد .رشيد الضعيف روائي معروف بإحدي عشرة رواية كتبها. بعضها صار مسرحية وبعضها فيلماً سينمائياً. تُرجم الي لغات عديدة. كتب الحرب والجنس. الروائي الذي يثير ضجيجاً وكلاماً كثيراً في المقاهي عند كل رواية يصدرها، بدأ حياته الإبداعية شاعراً. نشر ديوانه الأول عام 1979 بعنوان حين حلَّ السيف علي الصيف . ثم تبعه بديوانين آخرين: لا شيء يفوق الوصف (1980) و أي ثلج يهبط بسلام (1993). كتاب شعري أخير قطع سلسلة رواياته التي بدأها عام 1983 برواية المستبد . لم ينتقل الضعيف الي الشعر بقرار بل بمزاج . ما زال يقرأ الشعر حتي اليوم أحياناً . وأحياناً أيضاً يشعر بمتعة . لكنه يستمد طاقة كتابية من هذه الأحايين: هناك كتابات شعرية جميلة وممتعة. وأبوح لك بسر. هذه الكتابات الشعرية نوافذ جديدة أستعملها في رواياتي . بوح يذكّر بإلياس خوري الذي يحفظ الكثير من الشعر ويعرف نقده أكثر من الشعراء. حتي روايته الأخيرة كأنها نائمة الصادرة قبل اسابيع حوت العديد من أبيات الشعر التي تتوزّع العصور الجاهلي والأموي والعباسي والنهضة وصولاً الي بدايات القرن العشرين. وكذلك مواطنه حسن داوود الذي يحفظ الشعر ويستمتع في قراءته، حتي انه يتغني في لفظه كما يفعل حين يقرأ غيباً أنشودة المطر للسيّاب. وداوود لديه من الصداقات مع الشعراء أكثر مما لديه مع الروائيين. وفي السبعينات كان أحد الذين شكلوا صيتاً في الجامعة اللبنانية مع شعراء أمثال بول شاوول ومحمد العبدالله وشوقي بزيع وحمزة عبود وآخرين. في كل حال، لم يعد رشيد يكتب الشعر حتي سراً: لكنني أحب أن أتابع ما بدأته في الكتب الثلاثة التي نشرتها. أحب أن أصوغ تجارب عميقة بعبارات مكثّفة وبسيطة ومقتصدة . أقول له: الرواية فن الثرثرة كما كان يعرّفها أندريه جيد. فن الرحابة يجيب رشيد الضعيف ثم يكمل لكَ هذه السهول وتلك المسافات وما عليك إلا أن تجتازها. أحسب بمعني ما أن الشعر قيد. في كل حال، بخلاف ما يقوله أغلب الناس عن أن أثر العرب هو الشعر، أؤمن بخلاف ذلك. ما أعطاه العرب في النثر يفوق ما أعطوه في الشعر أهمية من حيث القيمة الأدبية والإنسانية مثل ألف ليلة وليلة والجاحظ وابن قتيبة وأبي الفرج الأصفهاني وابن الأثير والمسعودي والصوفيين. هناك مقاطع عند المسعودي مدهشة. طريقة هؤلاء جميعاً في سوق الأخبار مدهشة. الأثر الذي تركه العرب بالشعر غير عادل وفيه إجحاف كبير . أسأله: هل تحب قصائدك؟ يرد فوراً: طبعاً، أحبها كثيراً. في كل حال، لا تزال تدهش من يقرأها. ما رأيك في هذا التواضع؟ . يسألني بدوره. أقول: تبدو متواضعاً أكثر في الرواية. عندها ينتقل الي الجدية: مديحي الآن لما كتبته شعراً هو أولاً علي سبيل المزاح. ثانياً، بما أني لم أعد أكتبه فلم أعد في مجال المنافسة. ثالثاً، بالفعل أحب ما كتبته من شعر . وطلب مني أن أضع كلمة شعر بين مزدوجين ثم نهضنا تاركين خلفنا مقهي كافيه دي باريس في شارع الحمراء.الخمسون والضعفلم ينشر محمد أبي سمرا قصائده في كتاب، لكنه نشرها في صحف ومجلات. كما صدرت له قصيدة ضمن كتاب كل الجهات الجنوب عن المجلس الثقافي للبنان الجنوبي . ضم الكتاب وقتها نجوم تلك المرحلة في الشعر أمثال محمد علي شمس الدين، شوقي بزيع، إلياس لحود، إضافة الي محمد علي فرحات وأحمد فرحات وسواهم. امتهن أبي سمرا العمل الروائي الذي بدأه برواية بولين وأطيافها . ولا تزال روايته الرجل السابق التي أعيد طبعها أخيراً في دار النهار تثير إعجاب الكثيرين. الروائي الذي لا يعرف ما هو الشاعر وما هو الشعر ، يعترف بأن تلك الكتابات الشعرية الأولي كانت اختباراً فعلياً لإدراك العالم وإمكانات التعبير اللغوي. فترة الكتابة الأولي كانت أشبه بالتفتيش عن محل في هذا العالم. كأنني لم أكن موجوداً قبل الكتابة التي تعادل وجوداً شخصياً ما. وهذا الشيء أعتقد أنه ما زال مستمراً الي اليوم. الكتابة محاولة وعي للعالم والنفس والبشر ومصائر الناس، بينما في الشعر لدي شعور أن هذه الأهداف غير متاحة. الشعر قائم علي فكرة الصدمة المباشرة .أسأل محمد أبي سمرا عن سبب انتقاله من الشعر الي الرواية فيقول: كتابة الشعر في تلك الفترة مصير في الكتابة عموماً. أظن أن المراهقات الكتابية العربية تبدأ بالشعر لأنه أسهل في التناول ويجيب علي مشاعر مباشرة وآنية وسريعة الي هذا الحد. كأنه لم يكن إلا الشعر أمام أي شخص يميل الي الكتابة والتدوين. الآن أشعر أنني أعطي دوراً لحياتي في كتابة كانت مقدمة أساسية لتوليد فردية ما. من ناحية ثانية لا أجد انقلاباً أو قطيعة بين كتابة الشعر في تلك الفترة وبين كتابة الرواية الآن. النصوص الشعرية التي كتبتها سابقاً كانت خاضعة لمزاج عام موجود في الكتابة، ثم راحت تتحول أو تأخذ أشكالاً أخري بناء علي تحولات تحدث في المزاج العام في الثقافة. مثلاً، أذكر أن كتابة الشعر عندي كانت نوعاً من الابتعاد عن نوع معين من الشعر كان موجوداً في تلك الفترة. ثم تكويني كقارئ ليس مركّباً شعرياً. لا أعرف الشعر العربي التقليدي معرفة فعلية. هواية الكتابة عندي لم تأتِ من تركيب ثقافي أو إرث ثقافي بل من اصطدام بالوقائع في الحياة الشخصية. الحقيقة أن الرواية لم تبدأ لدي بناء علي خيار ناجز ومفكر فيه .كيف ينظر أبي سمرا الي تجربته كشاعر؟ أنظر إلي ما كتبت من قصائد علي أنها شبه مذكرات لمرحلة في حياتي. مذكرات مكتوبة بطريقة فنية وتحويرية. لدي شعور أن الشعر عالمه أضيق من النثر، أضيق ليس بمعني القيمة، وإنما بمعني المساحة التي يطالها العالم الروائي . وهل ما زلت تكتب الشعر؟ أسأله. يقول: يخطر لي أحياناً. أكتب جملة أو جملتين فلا أجد لهما معني. فقدت فكرة تكثيف العالم بعبارة حارة وصادمة. لا أعرف إذا كان هذا هو الشعر. أفترض ذلك. حين أكتب جملة أو مشهداً أو حادثة أعاني عدم القدرة علي حصرها. تنفتح أمامي مسارب بلا حدود، فأعمل علي استدعاء هذه المسارب. مثلاً، حين أقول: ذهب الي العمل، أروح أفكر: كيف ذهب؟ ماذا كان يلبس؟ ماذا كان ينوي؟ أصنع نظاماً لأي فكرة. لهذا تكثر علامات الوقف والجمل الاعتراضية لدي. هذه الصعوبة هي نتيجة وعي باحتمالات لا تُحصي في أي لحظة. الشعر لغوي أكثر من الرواية. الكلمات في الشعر هي مادة القصيدة. في الرواية قد تنسي هذه الكلمات لتلاحق نسيجاً آخر للعالم .ضيف هذا التحقيق الأخير هو جهاد الزين. صحافي مشهور وكاتب سياسي ممتلئ الجملة. يشغل اليوم رئيس تحرير صفحة قضايا في صحيفة النهار . وهي من أبرز صفحات القضايا والرأي ليس في لبنان فحسب وإنما في العالم العربي. وهو الي ذلك ينحدر من عائلة علم وأدب وصحافة. لهذا لم يكن الشعر غريباً علي الرجل الذي أفاق علي كتابين نشرهما بعد الخمسين: قصيدة أسطمبول (2002) و الذكريات ضفادع الذي صدر قبل أسبوع في دار الجديد . عن قرار النشر هذا يقول جهاد الزين: باختصار، وأنا أعني ما أقول، لقد ضعفت بعد الخمسين. هذا هو التوصيف الذي أعطيه لقراري بنشر نتاجات قصائد كتبتها من حصيلة ثلاثين عاماً. لذلك قد أكون وافداً الي السوق الشعرية التي لا أعترف بالكثير من عرضها وطلبها القائمين. ولكنني أعتبر دائماً ـ إذا شئت أن تحشرني ـ أنني أمارس ما يسميه الأمريكيون عمل النهار (Day job). أما ليلي عندما أكون وحيداً فأقضيه في معظم الأحيان منذ طفولتي في قراءة وكتابة الشعر. وفي معزل عن مدي نجاح أو عدم نجاح ما أرتكبه شعرياً فأنا الأصلي هنا، وقطعاً ليس في أي مكان آخر حتي لو كنت مكرّساً في صورة أو أخري في هذا المجال الآخر .وعن التوفيق بين العالمين، الصحافي والشعري، واللغتين الصحافية السياسية والشعرية، يعلّق الزين أن كل كتابة مبدعة من الفيزياء الي السياسة الي الاقتصاد هي شعر. اللحظة الإبداعية هي شعر في أي مجال. وهذا ما كتبته في مقالات سياسية. أنا أطرب علي سبيل المثال عندما ينقل تقرير في غاية الخطورة والدموية، مثل تقرير بيكرـ هاملتون في السياسة الأميركية، جملة بالغة الدلالة (وهو تقرير كما تعلم جاد جداً وقد يعبّر عن السياسة الأميركية تجاه المنطقة الي سنوات) أنَّ تنظيم القاعدة هو الآن في العراق امتياز استثماري مثل الماكدونالد . عندما أقرأ أمراً كهذا أعتبر أنها لحظة أدبية في النص. وأرجو أن تضع كلمة أدبية بين قوسين لأردَّ عني كيد اليساريين المعادين لأميركا الذين لم يبقَ من يساريتهم سوي هذا العداء المشروع في جزء منه عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، وغير مشروع عندما يصبح كابوساً ثقافياً .جهاد الزين الذي يكتب ويمزّق علي الدوام قصائد لم يبح بها إلا قبل سنوات لا يشعر أنه في حاجة الي النشر في المجال الشعري . لكن الرجل نفسه يقول: يمكن أن أشعل حرباً لو شعرت أن مقالاً سياسياً سيتأخر 24 ساعة. وأعني هنا أنني أشعل هذه الحرب عادة مع نفسي. كانت عندي قوة عدم الحاجة الي النشر. وصدّقني يا أخي ناظم أنني أعني هذه الكلمة. يبدو بهذا المعني أنني ضعفت، وقد يكون هذا أفضل لي أياً تكن التجربة. الآن ما بقي من قوتي السابقة أنني أهتم بالنشر لكن لا أهتم بالترويج إذا جاز لي التمييز . هنا انتهي تصريح الزين الذي لم يكن راغباً في الكلام منذ الأساس معتبراً أن الأمر ورطة . ما قاله أولئك الروائيون وهؤلاء الصحافيون عن الشعر لخّصه غاستون باشلار في كتابه جماليات المكان بعبارة واحدة: قد تكون انفعالاتنا هي الشعر الذي نسيناه . هكذا لا يعود الشعر فناً فحسب. إنه مسألة أنطولوجية أو وجودية. 0