مقارنة ظالمة
حكم البابامقارنة ظالمةعلي الصفحة الأولي من جريدة النهار البيروتية يوم الثلاثاء الماضي خبران متجاوران، ما يجعلهما ملفتين ويحملان معني ويثيران تساؤلاً بالنسبة لي هو تجاورهما، الأول عن الاستشهادي الفلسطيني الذي فجر نفسه في أحد مخابز مدينة إيلات، فقُتل بعد أن اصطحب معه إلي العالم الآخر اسرائليين، والثاني عن شاب لبناني يدرس في فرنسا شغل عدداً من الصحف العالمية الأسبوع الماضي باكتشافه لما قد يكون دواء شافياً لمرض السرطان، أثبتت التجارب التي أجراها علي الفئران قدرته علي إزالة تسعين بالمئة من الأورام السرطانية في أجسادها، وينتظر أن يكون فتحاً علمياً في حال نجحت تجاربه علي الانسان.لا أريد أن أستخدم أياً من الخبرين لإدانة الثاني، ولا أريد أن أقلل من شأن أي من الشابين لحساب الآخر، وأنا منذ البداية أقر بأن مقارنتهما ببعضهما ظالمة ـ ولكن تجاورهما يجبرني عليها ـ فلا يخطر لي أن أعرّض بالفعل الذي قام به الشاب الفلسطيني، الذي يعيش المذبحة حية ويري الدم ساخناً، ولايشاهدها مثلنا عبر شاشة تلفزيون تحوّل الموت إلي نوع من الفرجة الحيادية في غرفة مكيفة، والذي لابد وأنه شاهد بعينيه أحد أقاربه أو بعضهم يموتون علي أيدي الجنود الاسرائيليين أو بقصف طائراتهم، وعاني ما لا يمكن تصوره، حتي استطاع اقناع نفسه بتفجير جسده وإفناء حياته، فمهما كانت الدرجة التي بلغها ايمانه، ومهما كان سحر عبارات مثل التضحية بالنفس والشهادة في سبيل الوطن أو الله أو اطلب الموت توهب لك الحياة، لا يمكن لأي معتقد في العالم أن يقنع شاباً في عمره بقتل نفسه سواء كان الدافع وطنياً أو دينياً، إذا لم يصل للحالة التي يجد نفسه فيها أمام حياة مقفلة ومستقبل مظلم وأفق مسدود، لايستطيع أن يفتح فيه ثغرة إلاّ بتفجير نفسه.. ولكني أريد أن أتحدث عن الظرف الذي جعل من الشاب الأول لا يعثر علي وسيلة لابراز مواهبه والتعبير عن نفسه سوي الموت، والظرف الذي أتاح للشاب الآخر ابراز قدراته والتعبير عن نفسه عبر محاولة منح أمل بالحياة لآلاف المرضي المهددين بالموت.بالتأكيد لا ينتمي الشاب الفلسطيني إلي ثقافة الموت كما يحب هواة السلام وصف الفعل الاستشهادي الذي قام به، فلو قدّر له أن يعيش في مجتمع آخر، يستيقظ فيه علي رنين المنبه لا علي أصوات قذائف الطائرات، وأن يكون لديه الوقت لتأمل لوحة أو لسماع معزوفة أو لإجراء تجربة في مختبر، بدلاً من قضاء معظم عمره في البحث عن مكان يختبئ فيه وعائلته من القصف، أو عن طريقة تجعله يحصل علي مايكفيه من طعام، أو في تجاوز حاجز اسرائيلي بدون أن يهان، لما قرر هذا الشاب أن يقطع هذه المسافة الطويلة من بيته ليفجر نفسه، ولاختار حياة أخري وعملاً آخر ومصيراً مختلفاً، وما كان ليفكر مطلقاً بالموت باعتباره الحل الوحيد المتاح لشعبه، أو أمامه هو علي الأقل!مشكلة الاستشهادي الفلسطيني هي مشكلة جيل شاب عربي بكامله، جيل يعاني من فقدان الأمل وغياب الرؤيا وتراكم المشكلات، بل ربما تكون رؤية شباب فلسطين الأكثر وضوحاً بينه، فعدوه واضح لايختلف فيه اثنان، وهدفه معروف ومتفق عليه، والأمر الوحيد المختلف عليه في فلسطين هو في طريقة محاربة العدو، وأسلوب تحقيق الهدف، في حين يعيش جيل الشباب في العالم العربي اليوم ضياعاً واختلافاً علي العدو والهدف والأسلوب، فيفجر البعض أنفسهم في حسينية، ويفخخ آخرون أنفسهم وسط مسجد، ويختار البعض الثالث طرقاً متنوعة للانتحار. أمام خبري جريدة النهار المتجاورين أجد نفسي في مأزق حقيقي، لو طلب مني إصدار حكم قيمة أو اختيار صيغة تفضيل بين فعلي صاحبيهما، فقلبي ينحاز للفعل الاستشهادي الذي قام به الشاب الفلسطيني، وعقلي يسألني هل استبدال شعار الموت من أجل فلسطين بشعار الحياة من أجل فلسطين هو خيانة؟ وهل استبدال فكرة مشروع الشهيد التي تتحكم بكل مولود فلسطيني بمشروع عالم أو مشروع شاعر هو استسلام؟!9