توأما الوجودية اللدودان
خيري منصورتوأما الوجودية اللدودانان يصدر الآن بالعربية كتاب عن الثنائي الذي شغل الدنيا في منتصف القرن العشرين وهما سارتر وكامو فهذا أمر له دلالتان، الأولي هي تسديد مديونية ثقافية لتيار فكري تعرض في الماضي الي التسطيح، والتقمص الساذج، والثانية قطع هذه المتوالية الرمادية من سلسلة الكتب التي تراوح في دائرة الثالوث المقرر علي العالم، وهو العولمة، والطاقة، والإرهاب.واعترف شخصيا بأنني فرحت بصدور هذا الكتاب عن سلسلة عالم المعرفة ليس فقط علي حساب أنانية أو نوستالجيا شخصية، بل لأن ما عرفه معظم القراء العرب عن الوجودية في ذروة سطوتها علي المناخ الثقافي في العالم كان أقرب الي الاختزالات السياحية، وأحيانا الي امتطاء موجة تبرر الانعتاق من ثقافة محافظة، وأنماط حياة شبه رعوية، إذ سرعان ما أصبحت الوجودية المرادف الغربي للعدمية وفلسفة العبث رغم أنها علي النقيض من هذا، فهي حسب اطروحات أهم رموزها تعميق للمسؤولية، وتحميل الأفراد عبء قراراتهم، وذلك ما اختصره سارتر ذات دفاع عن الفلسفة المفتري عليها من خلال المثال الذي أورده عن أحد تلاميذه، الذي طلب منه النصح، وهو وحيد أمه الأرملة، فإن لبي النداء الوطني وذهب إلي الثكنة العسكرية يكون قد تخلي عن أمه، وتركها وحيدة في مجلس الشيخوخة والحرمان، وان اختار البقاء الي جوارها يكون قد خذل وطنه.ولكي يجسد سارتر فلسفته قدر تعلق أحد أبعادها بالمسؤولية والاختيار الحر، طلب من تلميذه أن يذهب للنوم، فإن استيقظ وارتدي ثيابه وذهب الي المعسكر فهو يحب فرنسا أكثر من أمه وان بقي نائما في الغرفة المجاورة لغرفة أمه، فهو بالضرورة يحبها أكثر من وطنه.وتشاء المصادفة أن أقرأ هذا الكتاب لمؤلفه رونالد ارونسون ومترجمه الي العربية شوقي جلال في القاهرة وفي المدينة التي اهتديت فيها لأول مرة إلي سارتر وكامو وسائر السلالة الوجودية، سواء كانوا من المسيحيين المؤمنين أمثال غابرييل مارسيل وسورين كيركغورد أو من الطرف الآخر الذي كان سارتر وبوفوار من أبرز رموزه.في تلك الأيام، شهدت الصحف العربية وبالتحديد في القاهرة وبيروت سجالات ساخنة بين قوميين وماركسيين ووجوديين، وأذكر أن واحدا من تلك السجالات دار بين الناقد محمود أمين العالم اليساري، وعبدالمنعم الحفني مترجم العديد من كتب سارتر وأحد المتحمسين للوجودية، لكن المفارقة هي أن القوميين العرب هم الذين كانوا أكثر انجذابا الي الفلسفة الوجودية التي تصدي لها اليساريون خشية من اجراف الشباب عن بؤرة الاهتمام الوطني وحروب الاستقلال.كان البير كامو الأقرب الي روح الشعر أكثر اجتذابا لنا من سارتر، الذي بدت لنا لغته متقشفة، وقاسية وأميل إلي التجريد ومجرد عقد مقاربة أولية بين روايتي الغريب لكامو والغثيان لسارتر قد توضح لمن لم يعيشوا تلك الأيام وسجالاتها الفارق الجمالي والرؤيوي في التعامل مع الكائنات وشروط إقامتها علي هذا الكوكب.يقول ارونسون مؤلف الكتاب أن العلاقة بين سارتر وكامو بدأت عام 1938 من طرف كامو وعام 1943 من طرف سارتر مع اكتشافهما الحماسي لكتب كل منهما وأفضي أول لقاء بينهما الي الصداقة، لكن هذه الصداقة لم تدم، وسرعان ما مهد الاختلاف الي افتراق كان في بعض المواقف حاسما، خصوصا بعد صدور كتاب المتمرد لألبير كامو.وثمة حدث تاريخي فاصل في حياة الكاتبين وحياة وطنهما فرنسا هو احتلال النازي لها في اربعينات القرن الماضي، فقد أذاب الاحتلال عدة فوارق بين مثقفين وكتاب عثروا علي القاسم المشترك بينهم وهو تحرير بلادهم من الاحتلال، وهذا ما فعله اراغون وسارتر مثلا رغم اختلافهما الفكري، بعد أن أصبحت صحيفة المقاومة كومبا ومنشورات نصف الليل هي الساحة التي يحتشد فيها المثقفون الفرنسيون متجاوزين خلافات بدت لهم خلال الحرب هامشية.وقد كان لكل من سارتر وكامو نقده الخاص للماركسية، فالأول أدان معسكرات الاعتقال وأسس حزبا مع اثنين من أصحابه لم يعش طويلا، والثاني استقال من الحزب الشيوعي وكانت استقالته ذات نبرة رواقية عالية، ومشحونة كعادته باسلوب دراماتيكي.انهما إذن توأمان وجوديان بمعني ما، لكنهما لدودان، قدر افتراق الرؤي، والأداء والتعامل مع السياسة وشجونها الدولية، وقد يكون ما كتبه سارتر وفرانسيس جانسون مدير تحرير مجلة الأزمنة الحديثة عن كتاب المتمرد لكامو نموذجا لنقد يصل حد النقض مما أخرج البير كامو عن هدوئه، وكتب ردا بالغ القسوة علي التوأم اللدود، لكن من خلال رسالة الي جانسون الذي تحول حسب رأي كامو الي قلم بين أصابع سيده سارتر!وحين صدرت رواية الطاعون لألبير كامو سارع كثير من النقاد إلي قراءتها قراءة تأويلية بحيث فسروا الطاعون علي أنه الاحتلال الفرنسي للجزائر، فالأحداث تدور في مدينة وهران، والفأر هو رمز قابل لقراءات متعددة الأبعاد والمستويات، لكن ما كتبه القس الإيرلندي أوبراين ادي إلي القول بأن جرثومة الطاعون قد أصابت المؤلف أيضا!من يعود الآن إلي كامو وسارتر محررا من سطوة ذلك السجال ومن رعونة التلقي في الصبا قد يصل الي نتائج مغايرة، وقد تكون قراءته الثانية بخلاف سابقتها، ولا يمكن علي سبيل المثال لروايات من طراز الغريب والطاعون وقصص مثل المنفي والملكوت والجدار أن تكون مكتفية بذاتها لدي قراءة معمقة.فالغثيان في رواية سارتر ليس وجوديا فحسب انه سياسي ايضا، ووثيق الصلة بالتاريخ رغم أنه يبدو مجهول النسب، كجذور شجرة الكستناء التي جلس روكنتان يتأملها، ولا يتحرر من الغثيان إلا عندما يصله صوت المغنية الزنجية في بعض من تلك الأيام!وحين اختار كامو اسما لبطل روايته الغريب هو مزيج من البحر والشمس ميرسول فإن احدي دلالات التسمية هي أنسنة النص، بحيث يبدو منعتقا من إطاره الزمني والمكاني، ما دام هناك إصرار علي عدم التمثيل ومسرحة العواطف وما يسمي الكذب الأبيض، فالبطل ميرسول يعامل موت أمه بحياد يؤلب عليه قضاة المحكمة بعد أن اطلق النار علي عربي تحت شمس ساطعة وسليطة علي الشاطيء الجزائري.وهذا ما تكرر لدي كامو في مسرحية سوء تفاهم التي تدور أحداثها في احدي الضواحي وتنتهي بجريمة قتل تمارسها امرأة وابنتها ضد الابن العائد من غربة طويلة، فقد غير أوراقه الرسمية وأراد أن يفاجئ أمه واخته بالثروة التي حصل عليها، لكنه دفع حياته ثمنا لهذا الكذب الأبيض!لقد أخذ النقاد علي سارتر أكثر من كامو تحويل الشخوص الروائيين الي أبواق تبشر بالفلسفة الوجودية، فأنطوان روكنتان هو اسم حركي كما يري بعضهم لما يسميه سارتر أسبقية الوجود علي الماهية، أو ما يلح عليه كتابه الوجود والعدم تحت عنوان سوء الطوية!لقد عاش سارتر عشرين عاما بعد رحيل كامو، كان يقول خلالها لتلامذته بأن التوأم اللدود لم يلحق به أذي يذكر، ومقالة سارتر الشهيرة في وداع كامو تعتبر أمثولة نادرة في تجاوز العابر لصالح الأبدي فالبير كامو بالنسبة لصاحبه، سينتزع نفسه بكل كلمة كتبها في حياته من القبر وسيبقي ساحرا هناك، ووجهه يحدق إلي السماء، فمن المعروف أن كامو طلب في وصيته التي عثرت عليها احدي ابنتيه عشية رحيله بحادث سيارة مروع أن لا يمشي في جنازته غير خمسة أصدقاء، وأن يواري الثري وقد سجي علي ظهره كي تبقي عيناه مفتوحتين علي سعتهما وتحدقان إلي الأعلي!وعندما كتب البير كامو مقالاته المنعمة بروح الشعر تحت عنوان أعراس، اعترف الكثير من النقاد بقدراته الفذة علي تطويع اللغة، فهو كما يقول أحدهم وهو دولوبيه شاعر بامتياز ومن كتب عن جميلة وتيبازة ذلك التطريز المضمخ بأريج الأبدية، هو من قال ذات يوم مزهوا بمتوسطيته وشمسها، أنه كلما أحس بالقشعريرة تحت سماوات أوروبا الداكنة أحس أن في صدره شمسا لا تقهر!وكتاب رونالد ارونسون بالنسبة لي علي الأقل كان مفتاحا أدرته في قفل الذاكرة، وتحول إلي قرينة تستدعي كل ما هو منسي أو مغمور تحت غبار الأيام، فقد أعادني علي الفور إلي كتب راجت في ذلك الزمن الذي مهرته الفلسفة الوجودية بأسئلتها وهواجسها، مثل كتاب الروائية ايريس مردوخ عن سارتر وكتاب دولوبيه عن كامو ومحاورات سارتر مع نوفيل الماركسي، لقد كان زمنا مشحونا بما يفتقر إليه العالم اليوم من الحماس فالثورة لم تكن قد أكلت ابناءها وأحفادها والرأسمالية لم تكن قد توحشت واستطالت أنيابها بحيث تعولم الفقر وتعمم الشقاء علي هذا النحو الكارثي.والعودة الي تلك الأيام ولو علي سبيل النوستالجيا ليست استراحة مثقف بقدر ما هي فرصة للمقارنة بين ثقافة حيوية راعفة، وأخري استنقعت حتي العطن.ان معجما بكامله قد تواري خلف هذه الستائر السود المسدلة علي التاريخ بعد أن تجاسر البعض علي إعلان خاتمته.أما المواقف التي اتخذها مثقفو الحقبة الخضراء في تقاويم القرن العشرين فهي تبدو الآن كما لو أنها من ملحقات التراجيديا الاغريقية، بدءا من اعتذار سارتر عن قبول جائزة نوبل حتي استقالات كامو المتكررة من ثقافة أراد لها الجنرالات والسمسار والمؤرخ الأعمي أن تندرج في قائمة الحروب الكولونيالية.لا بأس إذن أن نعود بين عام وآخر أو بين عقد وآخر الي ما تراكم عليه الغبار في ذاكرتنا وعلي رفوف مكتبــــاتنا، لنتأكد من أن التاريخ لم يبدأ عام ألفين، وأن الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) ليس هو اليوم الذي صلب فيه يسوع، وأن العولمة ليست تعميم الشقاء والجهل، واختزال الكائن الآدمي الي بعد واحد، هو بعد الضرورة!0