الشرق الأوسط البوشي: خارطة مذهبية عنصرية بديلاً عن وطن العرب والإسلام

حجم الخط
0

الشرق الأوسط البوشي: خارطة مذهبية عنصرية بديلاً عن وطن العرب والإسلام

مطاع صفدي الشرق الأوسط البوشي: خارطة مذهبية عنصرية بديلاً عن وطن العرب والإسلاملا يعيش العرب وطنهم. إنهم مبعثرون علي حوافي صحاريهم. فلماذا لا تعبث بأرضهم وحوش الحضارة الفالتة، وتعيث فساداً بواحاتهم النادرة. ذلك هو الوطن المستباح طيلة القرن العشرين. أهله هم الغرباء الدائمون في ربوعه الجافة. خرجوا من إمبراطورية آل عثمان وكانوا فيها شركاء من الدرجات الثانوية، ومع ذلك كانوا يعوضون بقوة الدولة الاسلامية الرافعة لمعالم دينهم، عن استقلالهم السياسي المصادر لسلطة الخلافة. ما دامت هذه الخلافة تدعي تسلسلاً تاريخياً مستظلاً دائماً بتراث الخلفاء المؤسسين الأوائل. ومع ذلك كان وطن العرب واحداً موحداً، منفتحاً علي بعضه بدون حدود، كما هي الصحاري بدون آفاق تغلقها أو تحدها.كان العرب، طيلة خمسة قرون من العصر العثماني، يتنازلون طوعاً عن الانتماء القومي في سبيل إقامة دار الاسلام للجميع من المؤمنين، وإن كان التركي وحده هو سلطان السلاطين جميعاً. لكن دار الاسلام كانت حقاً إمبراطورية كبري وعظمي. وقد شكلت قطب التهديد الأول لأوروبا، ومن صميم قارتها الباردة، التي كان يحتل معظم الوسط والجنوب من جغرافيتها. وقد ظل هذا التهديد علي شكله القديم المتميز فقط بالتفوق العسكري البشري، إلي أن ابتكر الغرب الأوروبي الطريق إلي نوع التفوق الآخر بالعقل والمعرفة والآلة والتنظيم. حتي انقلب ميزان القوي رأساً علي عقب بين دار الإسلام و دار الكفار .لقد تجمدت الخلافة العثمانية ما بين شكليات التقليد السلطوي لمعالم الخلافة العربية المنقضية، بعد أن انحدرت بها إلي هاويات السلطنة القروسطية المطلقة، وبين انطلاقة الحداثة الغربية التي راحت تداهمها بثمرات التقدم الهائل في معارج التحضر الانساني والمادي، مع الحرص دائماً علي صناعة الحرب واحتكار أسرارها، وجعلها سيدة صناعات العصر الأخري كلها. غير أن اكتشاف الغرب لقوة الحرية رفع أكبر تحد كينوني في وجه إمبراطورية السلطنة العقيمة، المتعفنة بإنجازات الطغيان وتوأمه الدهري الفساد. لكن سقوط العثمانية لم يمنح العرب وطنهم الحر المستقل والموحد. أمسوا أشبه بتركة للإمبراطورية المنهارة. فقد نصَّب الاستعمار الغربي نفسه الوصي الوحيد علي هذه التركة. راح يوزعها حصصاً بين دولتيه الرئيسيتين آنذاك: بريطانيا وفرنسا. وهكذا شرَّع المجتمع الدولي آنذاك أول خارطة تقسيمية عرفها العرب منذ ما قبل تاريخ الدول والإمبراطوريات. إن تقطيع أرض الوطن بحجة إنشاء الدول الحديثة تحت الإشراف المباشر من (حضارة) الغرب وضع الأساس المادي للتقطيع العضوي والعشوائي. يتحول الوطن إلي دويلات وأقاليم ومناطق يلعب فيها العامل الجغرافي دور القاعدة الأساسي لكل التكوينات السياسية التي ستقوم عليها. فلم تنشأ أية دويلة في هذه الخارطة بفعل مكوناتها التاريخية والاثنية والاجتماعية. كان المطلوب في مرحلة الانتداب والوصاية الأوروبية إنشاء مجرد إدارات محلية تساعد الحاكم الأجنبي في تنظيم الشؤون اليومية للمستعمرة.ثم عندما حلَّت مرحلة ما سوف يسمي بالاستقلالات الوطنية لتغير الظروف الدولية عشية انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان علي هذه الإدارات المحلية أن تتحول ذاتياً إلي أجهزة دولة، مستعارة عن النموذج الأوروبي السائد. وبما أن هذه الدويلة ليست لها مرتكزاتها الموضوعية في أرضية المجتمع، وكانت لها حمايتها التابعة للمستعمر مباشرة، وقد فقدتها بعد جلاء قواته عن أرضها، فإنه كان عليها الاعتماد علي ذاتها فحسب، أي أن تصير إلي نموذج الدويلة التي يحميها عنفها الخاص بها. من هنا تحَّدد مصيرها كسلطة باحثة عن حماية لا تجدها إلا بقدر ما تنجح بإعادة إنتاج كيانها كقوة أمنية أولاً، في كل مرة تتعرض فيه فئاتها المسيطرة للتهديد بقوي أخري منافسة في الداخل أو من حولها. فإذا كان ثمة تاريخ سياسي حديث أو معاصر لمسيرة النهضة لا يمكنه أن يغفل عن هذه الحقيقة المركزية، وهي أنه كان تاريخاً للخرائط الجيوسياسية المفروضة علي أرضيته المادية والحدثية. ونقول خرائط وليس واحدة فقط بالرغم من ثباتٍ ظاهر لخارطة سايكس بيكو المتهمة بتأسيس التقسيم كالحاضن الأولي والمستقبلي لتطورات الحياة الوطنية والقومية. أما الخرائط الأخري فكانت تأخذ أشكال المحاور أو استقطابات السلب والإيجاب ما بين الأنظمة الحاكمة، وما ينشأ عنها من جبهات صراع، وحروب أحياناً، فيما بين بعضها أو ضد العدو الاسرائيلي المشترك. فما كان وطناً شاسعاً للحضارة العربية الاسلامية، تحول إلي أوطان سياسوية فحسب، تُعرف بأسماء بعض أقاليمها أو مدنها الكبري أو أصحابها الحاكمين. ولقد جاء التقسيم ليس كتعددية متآلفة، بل متنافرة متنافية فيما بينها، تنشط جميعاً ضداً علي بعضها، كأنما لا يوجد البعض الا كمشروع نفي وإلغاء للآخر. فإن بعثرة العرب جعلتهم جميعاً ضعفاء، لا يحتاجون إلي بعضهم بقدر ما يفضل أكثرهم تجديد التبعات للغريب القوي، علي الاستقواء الطبيعي ببعضهملقد اصطدمت ثقافة النهضة المعاصرة بسيطرة مبدأ البعثرة علي كل ظاهرة واحدة موحدة طبيعياً وعضوياً. صار يمكن تهديد اللغة الواحدة بتفعيل العاميات المحلية. محاربة الدين بالملل والنحل. تقزيم السياسة المدنية إلي حجم الزعيم المفروض الذي يحسب أن دوره يقتصر علي التبشير بالوعود مع العجز عن كشفه لشعبه عما يمكن له أن يفعل ويحقق، وما لا يمكن له ذلك. فكلما اشتد الانحدار نحو القواقع المظلمة يغدو بصيص الضوء الهزيل كأنه الشمس الكونية الساطعة. فالبعثرة ليست جغرافية فحسب، لا يمكنها أن تقيم كيانات بل محاجر ومعتقلات كثيفة أو شفافة لإمكانيات الفرد أو الجماعة. خطر البعثرة أنها تصير كالأمر الواقع ليس المُسلَّم به فقط، بل المنسيّ. أسوأ الأمراض العضال هي التي لا يكتشفها أصحابها إلا بعد فوات الأوان، واستبداد الموت بضحيته.القبول بالبعثرة الجيوسياسية إلي حد التكريس الشعبوي لفلسفة القطريات، أفقد النخب حس المناعة ضد استشراء البعثرة وامتداداتها إلي أنسجة المجتمع. حتي يمكن ألا يصير القطر ودويلته رمز الأمل لبقاء صيغة ما للوحدة؛ إذ يصير القطر الواحد منساقاً في تيار البعثرة إلي مناطق ومذهبيات وإثنيات. فمن يستسلم للتشرذم القومي مآله الانخراط في التشرذم الوطني إلي أصغر الانتماءات وأضعفها؛ ليس الأمريكي والصهيوني والبوشي من يفرضون وحدهم خارطة البعثرة النهائية تحت مصطلح الشرق الأوسط الجديد. هنالك قابليات شعبوية ونخبوية تتعاون معاً علي (عقلنة) التقطيع العضوي لمجتمعاتها، كما لو كان التشرذم الخلوي يمثل غاية الحرية والاستقلال. فهل أمسي شعار الاستقلال هو دليل الانفراط الطوعي أو القسري لكل كيان، هل سوف يتحسر الجيل القادم علي عصر الدولة القطرية التي ستثير نوعاً من الحنين البائس إلي الطبعة قبل الأخيرة السابقة علي انحدار البعثرة إلي قاع الانحلال النهائي لما كان يسمي ذات مرة بعصر المشروع النهضوي؟الخارطة القطرية المسيطرة منذ ما يقرب من قرن جففت عروق النهضة، قطّعت أوصالها، أحبطت ثوراتها وأذلَّت أجيالها الصاعدة، حولتهم إلي نفايات أحلام وأوهام. لم يثبت نضال الوحدة كأساس مركزي لمشاريع التنمية. ولم يتـــــح للأمة أن تنعم بأية ثروة طبيعية، كيما تستخدم علي مستوي الحاجة العامة أو النفع القومي الشامل.واليوم يتبرع النظام العربي بأن يكون الجندي الأول في الفرز المحوري الجديد. تتطوع أركانه للاصطفاف فيما يسمي بمعسكر المعتدلين. وهو في حقيقته معسكر البوشية في جولتها الأخيرة. إنه معسكر الملل والنحل والاقتتالات الأهلية الذي يتم توظيفه لإنتاج أخطر خارطة استقطاب ذاتي عرفه التاريخ الإسلامي، ما بين جناحيه السني والشيعي. إنها خارطة المئة عام من الحروب الدينية التي عرفتها أوروبا وهي تتجاوز المضيق الدموي الشامل ما بين عصورها الوسطي وحداثتها الصاعدة. لكن حقبة الحرب المذهبية الإسلامية لن تؤدي إلا إلي إطفاء آخر البشائر بالتنوير الموعود.. أو أن بوادرها سوف تنشل هذه الأمة قبل الفاجعة المطلقة.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية