ما العمر الا ظل عابر
ما العمر الا ظل عابر اين يمكن ان يعثر الانسان علي الامن النفسي؟ فالنفس هي الاحاسيس التي تنهض وتنطفيء، متفاعلة مع الاحداث الداخلية والخارجية انها في الانسان هي الكل، ليس العقل والقلب وحسب، بل كل شيء فيه، من العين الي الفم الي اليد الي القدم والاصابع، الي الصمت والكلام ايضا، لكل شيء من هذه الاعضاء والاشكال وظيفته التعبيرية، ينعكس الحزن علي العينين، فتغرقان في التأمل وطرح الاسئلة، اسئلة الوجود والحياة والموت والانتحار ايضا.. يقولون ان الانتحار في عرف الاديان حرام، الانتحار موقف من الحياة ورفض لها، لانها في المحصلة وهم وكوابيس، هكذا انتحر الشاعر السوري عبد الباسط الصوفي والشاعر اللبناني خليل حاوي، والمغنية داليدا وثمة انتحار بطريقة اخري: الادمان علي الشرب حتي الموت، وهكذا كان انتحار الشاعر خليل الخوري.. وربما انتحار بطريقة اخري: الجنون.وهكذا انتهي فان كوخ بقطع اذنه وارسالها بالبريد الي حبيبته، وكذلك انتحر الكاتب الامريكي ارنست همينغواي صاحب الشيخ والبحر باطلاق خرطوشة من بندقية صيد من تحت ذقنه الي قلب الجمجمة، كما كان قد فعل من بعده خليل حاوي وداليدا بنفس الطريقة، وكما فعلت ابنة همينغواي بعد انتحار ابيها بعشر سنوات.. وهناك اسماء لا تحصي، كل هؤلاء لهم مجال في الادب والشعر والفن.. ولم يكن ينقصهم من الحياة شيء، لا الشهرة ولا الاستقرار المادي والاجتماعي وتوفر كل اسباب الاهتمام بهم من حولهم.. والسؤال ما الذي دفعهم الي الانتحار الا كره انفسهم واجسادهم الي هذا الحد؟ والجواب انهم لم يكونوا يتمتعون بالامن النفسي، والذي جعلهم يرون ان كل شيء لا قيمة له. كونتن بطل رواية الصخب والعنف للكاتب الامريكي فولكنر لا يجد حياته سوي في عشقه للموت، لان فيه العثور علي الراحة والامن النهائي في الانتحار.انه ليس سوي توقه للتلاشي والاختفاء، كرنات الساعة التي تخلي الواحدة الدور للتالية بصمت وهدوء، والحنين الي عهد الطفولة، انه محكوم عليه بالاعدام يمضي الدقائق والثواني المتبقية له، ويقيس بحرص ودقة هذه الدرب القصيرة المفضية به الي اجله المحتوم في الانتحار، انه بهذا اليوم الاخير الذي يعيشه قبل ان ينتحر، يصور حالة الانسان المقضي عليه بالموت، والتي تقل بانتهاء كل دقيقة حصته من الوجود، ويستنفد جزءا من الفرصة الاخيرة، والاجازة الخاطفة الممنوحة له قبل ان توافيه اللحظة الاخيرة. وهكذا، لمن قرأ هذه الرواية الهائلة، نري كلها كونتن دائما يلاحق انعكاسات ظله في ضوء الشمس وراءه، ووسطه، او امامه، عن يمينه او عن شماله، وقد فسر فولكنر هذه الظاهرة بما يلي:ان هذا الظل الذي يشغل بال كونتن الي هذا الحد هو احساسه الباطن بموته الخاص.. الموت هاهنا. هل ادخل فيه او ابتعد عنه لفترة من الوقت ايضا؟ لا مفر لي منه. ولكن هل اقبله الآن.. او هل ارجيء ذلك الي نهاية الاسبوع؟لقد كان ظل خليل حاوي وعبد الباسط الصوفي الذي كرر انتحاره ثلاث مرات وارنست همينغواي بالرصاصة القاتلة وخليل الخوري بالكأس الاخيرة، وكونتن نفسه هو وعيهم الحاد بموتهم الوشيك، الذي مشي معظم الناس غافلين عن مرافقته لهم، لكن المستغرق في ذاته، او الذي يعيش حبا مستحيلا علي ما فيه من عذاب واضطهاد وسيطرة المعشوق علي عاشقه هو القادر ان يعيش مأساته، وان يتأملها بذات الوقت كمتفرج غريب يدرك ان الحياة والموت متلازمين كالمرء وظله. ان السائر الناظر امامه الي غاية محدودة لا يتعثر، لكن الذي يراقب موطئ قدميه يترنح ويقع. ان الزمن هو العد، الشعور به معاناة لتجربة الموت. في هذا الوعي يسقط الفنان والكاتب في حبائل وصنع حد لحياته.وما العمر الا ظل عابر، ممكن النفاد منه بسلام وعندما يعثر الكاتب علي المرأة التي يقول لها احبك. فيكون جوابها: وانا ايضا احبك. بهذه العبارة يمكن لكاتب ان يشعر ويحس ويمارس امانه النفسي.. وبأن وجوده ليس عبثا.ياسين رفاعيةرسالة علي البريد الالكتروني6