قوس الازمة بعد العراق: تشوش واضطراب من البحر الابيض المتوسط لشبه القارة الهندية (2 من 2):

حجم الخط
0

قوس الازمة بعد العراق: تشوش واضطراب من البحر الابيض المتوسط لشبه القارة الهندية (2 من 2):

العالم بحاجة لقيادة واعية تستطيع التفريق بين الوان الطيف الاسلامي ولا تحول كل منافس الي عدو قاتلامريكا تخلت عن دعم صديقها السنيورة في حرب تموز لصالح حليفها الاستراتيجي اسرائيلقوس الازمة بعد العراق: تشوش واضطراب من البحر الابيض المتوسط لشبه القارة الهندية (2 من 2):الامير مولاي هشام بن عبد الله ـهذه ورقة، محاضرة اعدها مولاي هشام، الباحث والاكاديمي المغربي وأحد اعضاء العائلة المالكة تقدم رؤية تحليلية عن الوضع في العالم الاسلامي والعربي من المتوسط، حتي شبه القارة الهندية، وفيها اضاءات علي محاور الازمة التي صنعتها امريكا في المنطقة خاصة بعد غزو العراق وسيناريوهات امريكا لمواجهة ايران، وخسارتها للرأي العام في هذه المنطقة، وصور القوي اللاعبة والجديدة في المنطقة. ويقدم الكاتب هنا رؤية عن اثار التفكير التسيدي، والمتغطرس الذي حمله دعاة المحافظين الجدد والذي انقلب عليهم، فالفوضي الابداعية تحولت الي الغوص في وحل العراق. ويركز الكاتب هنا علي ثلاث عقد في قوس الازمة، وهي العقدة العراقية ـ الايرانية، والفلسطينية – اللبنانية، والافغانية ـ الباكستانية. القدس العربي دفعت الولايات المتحدة ثمنا باهظا جراء الدور الذي لعبته في هذه الحرب. وكان منظر رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة وهو يبكي مناشدا الولايات المتحدة التدخل ومنع اسرائيل من تدمير بلده، والرد البارد الذي تلقاه من امريكا، يمكن ان يكون نقطة تحول في علاقات امريكا مع العالم العربي، موجهة ضربة للادعاء الامريكي عن الوسيط العادل. حركة الرابع عشر من اذار (مارس) التي انطلقت من خلال دعم امريكي لـ ثورة الارز ، وتم الترحيب بها باعتبارها الاصلاح الديمقراطي الذي أملت من خلاله امريكا تعزيزه في العالم العربي. كان السنيورة صديقا لامريكا كأي رئيس وزراء لبناني قبله، ولكن في وجه الرغبة الاسرائيلية لتلقين لبنان درسا، فلن يحصل السنيورة علي الدعم الامريكي.بكلمات اخري، ادارت الولايات المتحدة ظهرها لزعيم صديق يمثل ديمقراطية هشة ـ دولة لم تكن تمثل تهديدا لامريكا او اسرائيل، من اجل دعم الهجوم الاسرائيلي الشامل. ولم يصدر عن امريكا او اي سياسي بارز اي انتقاد للعدوان الاسرائيلي. كما حجبت اي محاولة لوقف اطلاق النار، وسارعت الي تزويد اسرائيل بشحنات اسلحة جديدة اثناء الحملة. كان عميقا الانخراط الامريكي لدرجة انها سمحت للاسرائيليين كي يستخدموا مخزون الاسلحة الامريكية والمعدات التي خزنتها في اسرائيل – علي افتراض قيام القوات الامريكية باستخدامها في حالة الطواريء ـ في هجماتهم علي لبنان. كما ضاعفت امريكا من المخزون الطاريء، علي ان تقوم اسرائيل باستخدامه في هجمات يرغبون باطلاقها في المستقبل، كما قدمت امريكا لاسرائيل مساعدة اضافية (5.4 مليار دولار) كضمانات لمساعدة اسرائيل دفع مستحقات حرب الصيف الماضي1. اسلحة امريكا كانت من ضمن ثلاثة مليون من كتل القنابل العنقودية التي اسقطت علي لبنان، تم اسقاط 90 بالمئة منها في الـ 72 ساعة الاخيرة من الحرب، وعندما كان الجميع يعرفون ان وقف اطلاق النار بات محتوما، حتي ان قائدا اسرائيليا اعترف قائلا ما قمنا بعمله كان جنونا ووحشية، قمنا بتغطية بلدة كاملة بالقنابل العنقودية 2.هذه السياسات قد تمر بدون ان يعلق عليها او يبثها الاعلام في الولايات المتحدة الامريكية، ولكنها تبث وتناقش بشكل واسع ومفصل في الاعلامين الاسرائيلي والعربي. اخشي انه بعد هذه الحرب فانه سيكون من الصعوبة بمكان اقناع العالمين العربي والاسلامي/ وليس فقط العالمين العربي والاسلامي/ ان الولايات لن تقوم بخيانة حليف ظاهر، وتجاهل مبدأ يزعم انه من اجل دعم اسرائيل في اي عمل ترغب بالقيام به.النتيجة هذه لم تكن تعبر فقط عنما وصفه السنيورة بانها تدمير لا يمكن تخيله للبنية التحتية المدنية في لبنان 3، ولم تكن فقط ضربة لموقف امريكا ووضعها في الشرق الاوسط، انها ايضا، كانت بمثابة اضعاف لحكومة السنيورة نفسها. فحزب الله يطالب الان بدور اكبر في حكومة الوحدة الوطنية في ثورة ارز معاكسة يقوم حزب الله بتنظيم مظاهرات شوارع سلمية وضخمة ومنظمة، في تقليد ساخر لاساليب وتكتيكات قام بالثناء عليها وتشجيعها الغرب والولايات المتحدة. صار من السهل علي حزب الله ان يصور السنيورة كرئيس وزراء ضعيف وغير قادر علي الدفاع عن امة من تغطرس اسرائيل وداعمتها امريكا. في سياق الصراع الداخلي علي السلطة وضمن مفهوم ليست معنية بالظهور بمظهر من يدعم طرفا علي اخر تقوم الولايات المتحدة الان بمضاعفة دعمها للجيش اللبناني، الذي كثف عمليات تجنيد وتنظيم افراده من السنة والدروز اللبنانيين4. منطق الولايات المتحدة من كل هذا هو تعزيز قوة الجيش ليكون قادرا علي نزع اسلحة حزب الله. ومن هنا فسيكون بمقدور حزب الله ان يتهم قائلا ان هذا سيساعد علي خلق ظروف لاندلاع حرب اهلية، ويظهر امريكا وحكومة السنيورة لا يمانعان من استخدام الجيش ضد المواطنين اللبنانيين وليس الدفاع عنهم ضد الغزاة الاجانب.هزيمة اسرائيلالنتيجة، التي اجادل لصالحها، هي ان هجوم اسرائيل علي لبنان، مع انه خلف وراءه الدمار الكبير، لكنه انتهي بهزيمة، وكما هو واضح كان هزيمة سياسية، خارج اطار الخطاب السياسي الضيق الامريكي، فقد نظر لاعمال اسرائيل باعتبارها عدوانا شائنا. وبالنتيجة تبدو اسرائيل الان معزولة في المنطقة وفي العالم. وكانت هذه اول هزيمة لاسرائيل منذ امد طويل، فقد امتلك حزب الله معلومات استخباراتية وتكتيكات احسن، فلم يفقد حزب الله القدرة علي التواصل مع افراده ، او مواصلة بث الرسائل عبر التلفاز والراديو للمواطنين اللبنانيين بشكل عام، او تكبيد الغزاة خسائر كبيرة5.ولم يكن بوسع الاسرائيليين تحقيق اي من اهدافهم، من نزع اسلحة حزب الله او اطلاق سراح الجنديين اللذين اسرهما مقاتلو حزب الله.والسؤال الماثل الآن امام اسرائيل فيما يتعلق بلبنان، كما هو مع امريكا في العراق، هو ان كانت اسرائيل وامريكا ستقبلان بالهزيمة، او من خلال مضاعفة القوة العسكرية لتحقيق بعض اهدافهما، او حتي ارجاع بعض القدرة علي الردع. هل هذه الهزائم هي نذر الجيل الرابع من الحروب؟ او انها نكسات مؤقتة قابلة للاصلاح عبر استخدام قوة فاعلة وجديدة. هناك شيء واحد مؤكد: ان نموذح الحرب في صربيا وحرب الخليج باعتبارهما انتصارات مجانية وخالية من الضحايا، التي تتحقق عبر استخدام القوة العسكرية ذات التقنية العالية. هذا النموذج لم يعد قائما. فالمعارك الجديدة هي كلها عن السيطرة والتحكم الطويل بالسكان والحصول علي ولاءاتهم. في هذه النزاعات، لم تعد القوة الجوية ايا كانت قدرتها علي التدمير قادرة علي تحقيق النصر الحاسم، ولا الاستقرار الدائم، وثمنها باهظ.ان تدمير البنية التحتية المدنية للبلد، وزعزعة الانسجام الاجتماعي والسياسي له، وخلق ديناميكية تقود الي الصراع الطائفي والحرب الاهلية: خاصة انه عندما تم تفعيل هذه الديناميكية في العراق، تركت اثارا رهيبة غير متوقعة. وعندما يتم وضع نفس العناصر في لبنان فاننا قد نعتبرها مصادفة، وعندما يتم الكشف عن نفس الديناميكية في سياق سياسي ثالث وفي نفس المنطقة، فلسطين، سيطلق عليه الكثير من المراقبين بانه تحول لنمط، هذه علي الاقل ملاحظات عرضية في هذا الاتجاه.غيتو قذر محاط بسياج كهربائيان الوضع في الاراضي الفلسطينية هو كارثة انسانية علي قاعدة كبيرة، كارثة يمكن ان تؤدي لمفاقمة الازمة وتوسيعها التي يتم اذكاؤها الان في لبنان والعراق. يعتقد الاسرائيليون ان من حقهم القيام بما يرغبون عمله في الاراضي الفلسطينية، ومنذ فك الارتباط ، الذي اقامت اسرائيل الدنيا واقعدتها حوله، عامل الاسرائيليون غزة علي انها ليست الا منطقة حرة للقصف واطلاق النار. ومنذ انتصار حماس في انتخابات كانون الثاني (يناير) انضمت امريكا واوروبا الي اسرائيل لتجويع واجبار الفلسطينيين علي رفض حكومتهم المنتخبة ديمقراطيا. النتائح الواضحة لهذه الحملات كانت انهيار النظام الاجتماعي والانحدار نحو دوامة الحرب الاهلية. وكما صور كاتب صحافي امريكي ذكي الصورة الفظيعة لما يحدث: يعيش الفلسطينيون في غزة داخل غيتو مكتظ وقذر، محاطون بالجيش الاسرائيلي وسياج كهربائي ضخم، ليس بامكانهم الخروج او الدخول للقطاع ويتعرضون يوميا للهجمات. الجهود الاسرائيلية المحكمة لتدمير النظام والقانون وتعزيز الفوضي والجوع الرهيب، واضحة في شوارع مدينة غزة، حيث يمر الفلسطينيون من جانب انقاض وزارة الداخلية الفلسطينية، ووزارة الخارجية والاقتصاد الوطني، وتعرض مقر رئيس الوزراء وعدد اخر من المؤسسات التعليمية لقصف جوي اسرائيلي. وتم مسح وتدمير محطة توليد الطاقة الكهربائية التي تزود القطاع بنسبة 45 بالمئة من الطاقة الكهربائية، وحتي شبكات الكهرباء والمحولات البدائية لم تسلم من القصف المتكرر. وتم تدمير ستة جسور تربط مدينة غزة ببقية اطراف القطاع، ومحيت معها الكثير من شريانات الحياة. وبنفس السياق تنحدر الضفة الغربية الي ازمة بمستوي ما يحدث في غزة. ماذا تعتقد امريكا واسرائيل انهما ستحققان عندما تحولان غزة والضفة الغربية الي نسخة مصغرة عن العراق، هل تعتقد انه من خلال خلق كابوس هوبسي (نسبة للفيلسوف هوبس) للفلسطينيين يمكن ثنيهم عن الارهاب، والحد من العمليات الانتحارية وتعزيز السلام ؟6.الامل هو ان لا تصبح فلسطين او لبنان نسختين مصغرتين عن العراق، الا ان الاشكال واضحة، ففي تحايل واضح وهو ما اثار اهتماما في الاعلام الاسرائيلي، تقوم الولايات المتحدة بمساعدة اسرائيلية بتزويد قوة 17 في غزة المرتبطة برجل فتح القوي محمد دحلان باسلحة متقدمة، وبحسب المسؤولين الامنيين الاسرائيليين والفلسطينيين، فقد ادت شحنات الاسلحة الي تنافس للتسلح من جانب حماس 7. ايا كانت النية، فمنطق الانقسام الاجتماعي والحرب الاهلية يتكشفان عبر السياسة الامريكية في ثلاث مناطق كانت اسرائيل تعتبرها مناطق مقاومة تقف في وجه طموحاتها. فقد دعت الورقة الشهيرة التي اعدت عام 1996 لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والتي كتبها عدد من المحافظين الجدد الذين شكلوا السياسة الامريكية في عهد بوش الي تحول واضح نظيف من الشعار المعروف سلام شامل لمفهوم تقليدي يشير الي استراتيجية تقوم علي توازن القوة، واوصت ان هذا يتم تحقيقه من خلال ازاحة صدام حسين عن السلطة في العراق ومواجهة قوية مع حزب الله وسورية وايران، وبشكل عام زعزعة والحد من التهديدات الخطيرة ـ وفيما يتعلق بهذه الاستراتيجية فقد انجزت المهمة، واذا كانت الورقة تحول نظيف او واضح قد دعت الي زعزعة التهديد الفلسطيني من خلال رعاية بدائل عن سيطرة عرفات القوية علي المجتمع الفلسطيني، فهذه الاستراتيجية تحتاج اليوم الي اعادة تسليح فتح ضد الخيار الذي قامت (الاستراتيجية) بتعزيزه8. استراتيجية الدمارقوام الاستراتيجية هو زعزعة الاستقرار، ومن المفهوم انه يوجد داخل المركز المتشدد في الصهيونية اليمينية من يعتقدون انه يجب اخضاع الفلسطينيين في الداخل او ترحيلهم من كل الاراضي الفلسطينية التي تريد اسرائيل السيطرة عليها، والذين يعتقدون ان هذا ممكن التحقيق لو تم اضعاف كل جيران اسرائيل المتمردين بمن فيهم الفلسطينيون بحيث يفقدون القدرة علي المقاومة. وهذا مفزع، مع انه ليس مثيرا للدهشة، رؤية هؤلاء المتشددين يحتلون مواقع جديدة في الحكومة الاسرائيلية، انه امر صادم، ومجرد التفكير ان الولايات المتحدة ستسير، علاوة علي ان تضع نفسها في مقدمة الداعمين لهذه الاستراتيحية المدمرة والتي تحمل دمارا ذاتيا من اجل مواصلة الدفاع عن مفهوم مضلل لما يعنيه ان تكون صديقا لاسرائيل.ومع ذلك تبدو هذه الاستراتيحية في بعض الاحيان التفسير الوحيد، اكثر من كونه عجزا كبيرا غير واضح، لسلسلة من القرارات المتناقضة وذات الاثر السلبي التي اتخذتها الولايات المتحدة، وان امريكا تتبني هذه الاستراتيجية، او يظهر للكثير من الناس ان امريكا تبنت هذه الاستراتيجية، هو اكبر امر مثير للقلق اليوم في العالم العربي والاسلامي، وليس فقط في العالمين العربي والاسلامي ـ واذا كان هذا صحيحا فانها ستكون اكبر تهديد علي العالم اليوم. ويجب هنا التأكيد علي ان اتباع هذه الاستراتيجية هو علي الاقل خطير للولايات المتحدة واسرائيل مثل خطورته علي اي من الاهداف، والاصدقاء لا يساعدون بعضهم علي تدمير انفسهم. وامريكا بحاجة ملحة لمناقشة هذه الامور بشكل مفتوح، وان تفهم ان دعمها غير المشروط لاسرائيل لا يصب في مصلحتها او مصلحة اسرائيل، ولمنعهما من الانحدار نحو هذا الطريق، واذا كانت امريكا، فعلا صديقة لاسرائيل، فعليها ان لا تقاوم فقط اي دعوة للسير في هذا الطريق، بل عليها ان تضع كل المعوقات السلمية الكفيلة بمنع اسرائيل من الانحدار لهذا الطريق. وكما اشار الي هذا معلق اسرائيلي:سياسات اسرائيل لا تشكل تهديدا علي الفلسطينيين فقط ولكن علي الاسرائيليين انفسهم، دولة يهودية لا يتجاوز عدد سكانها 7 ملايين (منهم 5. 5 ملايين يهودي)، ومحاطة بمئتي مليون عربي تقوم بوضع نفسها في مواجهة عدائية مع العالم الاسلامي كله، ولا يوجد اي ضمان من ان هذه الدولة ستبقي ـ انقاذ الفلسطينيين يعني انقاذ الاسرائيليين ايضا9.علي اسرائيل ان تختار، هل ستحقق اسرائيل الامن في المنطقة عبر اجبار جيرانها علي الاعتراف بسيادتها، عبر الاستخدام الدائم للقوة العسكرية، المشفوعة بالدعم المالي والعسكري غير المحدودين من القوة العظمي الوحيدة في العالم؟ او انه تحقيق امنها من خلال انشاء علاقات احترام متبادلة مع جيرانها؟ تبدأ مع الفلسطينيين. الخيار الاول، يقتضي عمليات ضغط سياسي ولوبي للسياسيين الامريكيين ومراكمة اسلحتها النووية والتقليدية من اجل ابقاء جيرانها ضعافا. اما الخيار الثاني فيقتضي الاعتراف بالظلم الذي ارتكب ضد الفلسطينيين والاعتراف بحقوقهم والتفاوض حول حدود عادلة وآمنة بناء علي القانون الدولي، وتخفيض مستوي العنف من خلال التفاوض علي تخفيض عمليات التسلح، بما في ذلك التخلص من اسلحتها، ومنع ترسانات الاسلحة. الخيار الثاني قد يكون صعبا بالنسبة لاسرائيل كي تتساوق معه، لكن الخيار الاول وهو المفضل لاسرائيل منذ عقود، قد استنفد حياته واستخداماته النافعة.افغانستان ـ الباكستاناذا كانت الولايات المتحدة تحصد دوامة الهزيمة والنقمة، التي جاءت بسبب افعالها، فبعيدا في الشرق علي طول قوس الازمة، فانها (الولايات المتحدة) تواجه نكسة اخري، حرجة ومحرجة. فمحاولة التقليل من تماسك عدوها، والتبسيط في فهم التحديات الثقافية والسياسية لبلد اكبر واكثر كثافة سكانية من العراق، والاستعداد لتحويل الانتباه نحو جبهة اخري الي اتجاه، في الوقت الذي تعتمد فيه علي قوة اقليمية اخري لها اجندة معقدة وغير متطابقة، فان امريكا وحلف الاطلسي (الناتو) يواجهان تحديا كبيراً في افغانستان.بعد هجمات ايلول (سبتمبر) 2001 لم يشكك احد بحق امريكا بملاحقة اسامة بن لادن والقاعدة من خلال القوة، والقرار بالاعلان عن حملة عسكرية واسعة بمساعدة الناتو من اجل اعادة تشكيل سياسة بلد، امر محفوف بالكثير من المشاكل، فالنجاح يقتضي نصرا عسكريا حاسما، يتبعه التزام مالي وسياسي دائم من اجل تحقيق الاصلاح الاجتماعي. هذه الاستراتيجية تعتمد ايضا علي شركاء صادقين ومحترمين محليين والملتزمين بشكل متساو بالاصلاح الاجتماعي. في الواقع اعتمدت الولايات المتحدة علي امراء الحرب من اعضاء التحالف الشمالي من اجل تحقيق نتائج سريعة في الميدان، وقامت باستيراد رئيس من اجل رصف حكومة مركزية في كابول. كان امراء الحرب حلفاء متقلبين، حيث اعطي فسادهم وقسوتهم مصداقية لطالبان، ولم يكونوا هم او كرازي بقادرين علي تبرير تواصل العمليات العسكرية الغربية علي انها جزء من اجندة جذابة وذات معني للم شمل الجماعات القبلية المستقلة والولاءات الاثنية التي تميز الوضع الافغاني.وما ادي لسوء الوضع ايضا هو فشل الولايات المتحدة في التخلص من القادة البارزين في القاعدة او طالبان، وقامت امريكا بتحويل قوات مهمة كانت تلاحق بن لادن للعراق في لحظة حرجة. وكان واضحا، انه علي الرغم من صلتها الواضحة بهجمات ايلول (سبتمبر) والحرب المعلنة علي الارهاب، فان امريكا اعتبرت افغانستان بلدا ثانويا من ناحية الاهمية. وقد تجاهل الاعلام الامريكي افغانستان مفضلا العراق عليها، كما ان التقدم او عدمه لم تتم تغطيته بشكل عام في الاعلام الامريكي.ونتيجة لذلك واصل بن لادن والظواهري اصدار اشرطة الفيديو، كما ان اتباع طالبان الذين حافظوا علي علاقات جيدة مع قبائل البشتون علي طرفي الحدود بين افغانستان والباكستان اعادوا تنظيم صفوفهم بقوة، وصاروا يمثلون تهديدا حقيقيا لقوات الناتو. فقد قام الفرنسيون بسحب احسن قواتهم من افغانستان، وليس معروفا كم هي المدة التي سيحافظ فيها حلف الناتو والدول الاخري علي قواتهم، او ماذا ستكون فاعليتهم او اثرهم علي الوضع. وجود قوات محجوزة في المعسكرات بدون مساهمة في ادارة البلاد، وتخرج فقط من اجل تنفيذ هجمات وعمليات عسكرية، يؤدي لخلق وضع سياسي وعسكري غير محتمل مما يعني بقاء المبادرة في يد طالبان. فقد ذهب وزير الخارجية الباكستاني لحد ان يطلب من الناتو الاعتراف بالهزيمة ومغادرة افغانستان10.لعبة الباكستانان المحاولة الامريكية الخرقاء للتخطيط او هندسة معركة تبدو نبيلة (مقنعة) وسهلة بينها وبين القاعدة تعثرت ليس في تعقيدات السياسة القبلية وسياسة امراء الحرب، ولكن في لعبة خطيرة ومعقدة تلعبها الباكستان مع الاصولية الاسلامية. فمنذ عودة الحكم العسكري للباكستان، تبنت الحكومة الباكستانية ومخابراتها (اي اس اي) الاصوليين الاسلاميين وحاولتا السيطرة علي عدد من الراديكاليين الاسلاميين لتحقيق اهدافهما الخاصة. فطالبان التي تجمع بين الهوية القبلية البشتونية والهوية الاسلامية، نظر اليهم كسلاح جيد ضد القوميين البلوش والتأثير الايراني. فايران التي كانت تعارض طالبان قدمت دعما تكتيكيا للامريكيين والتحالف الشمالي بعد ايلول (سبتمبر) وتساعد في اعادة اعمار البنية التحتية في افغانستان11. ومن هنا فباكستان قلقة من تزايد هذه القوة اللينة لايران، طبعا، يظل مصدر الباكستان الرئيسي هو الهند وكشمير. ومن هنا تنظر الباكستان للجماعات الاسلامية المحلية ودعمها للقضية الكشميرية، وتنظر لحلفائها طالبان بدون القاعدة كمصدر لعمق استراتيجي ضد جارتها الهندوسية القوية. بالنسبة لـ (اي اس اي) والمؤسسة السياسية فقد اضحي التحالف مع الاسلاميين جزءا بنيويا في الاستراتيجية الاقليمية، وخلال الحرب ضد السوفييت فقد نوسبت هذه الاستراتيجية بشكل جيد في الاجندة الامريكية والمقاومة الافغانية، اذ كانت النخبة السياسية والعسكرية واثقة ان الهيكلية التقليدية والاجتماعية قد تتعايشان وتتحملان المدارس الاصولية التي كانت تنمو حولهما.وقد اصبح الامر صعبا لممارسة اللعب علي طرفي السياج معا في الوقت الذي اصبح ينظر فيه لامريكا باعتبارها غازية ومحتلة لافغانستان واماكن اخري في العالم الاسلامي. فقبل عشرين عاما كانت امريكا قادرة علي تحويل الباكستان كأداة لاستخدامية الراديكالية الاسلامية. وتشعر اليوم الباكستان بصدمة واثر كل ضربة توجهها امريكا للعالم الاسلامي، واي فشل امريكي في هزيمة طالبان بدون حرب طويلة مدمرة وفشلها في كسب قلوب وعقول المسلمين في افغانستان والباكستان فان هذا سيضعف النظام الموالي لامريكا في الباكستان نفسها. وعليه تحاول الباكستان اقناع الناتو والحكومة الافغانية للاعتراف بحتمية وجود طالبان معتدلين داخل افغانستان، وتخلت عن سيطرتها علي اقليم من اقاليمها – شمال وزيرستان ـ لطالبان. طبعا فان هذا يهدد بخلق قاعدة يمكن ان يستخدمها طالبان غير معتدلين لتوجيه ضربات لقوات الناتو في افغانستان، كما انها تعطي القاعدة والجماعات المتفرعة عنها ملجأ آمنا لاستيراد وتصدير المقاتلين والتكتيكات من العراق وغيره. فقد اصبحت الصلة الافغانية – العراقية عبر القاعدة حقيقة واقعة، فالعمليات الانتحارية التي لم يكن الافغان يعرفونها في الماضي هي احدي التكتيكات التي تم استيرادها من العراق. ربما سنشاهد ما يمكن تسميته تقعيد باكستان و بكسنة القاعدة .في مشهد يظهر حجم السيطرة التي يملكها كلا الطرفين، كرازي يشجب مشرف الذي يشكو هو الاخر من عدم قدرته علي عمل المزيد لمواجهة القاعدة. ومن هنا فان اي هزيمة امريكية في افغانستان ستحمل في طياتها كل عناصر زعزعة الاستقرار لباكستان، وقد لا يصل الي درجة الوضع الذي وصل نقطة اللاعودة كما في العراق ولكن الوضع في الباكستان يتدهور بشكل واضح، وكل جندي ورصاصة ودولار تستثمره امريكا في العراق سيزيد من تدهور الاوضاع. بعبارات قصيرة ، نستطيع القول ان هناك قوس ازمة يمتد من المشرق العربي الي شبه القارة الهندية، ولا يستطيع احد التكهن بالطريقة التي سيتم فيها نزع التوتر والازمة في المستقبل القريب. سيتم اتخاذ قرارات في الاشهر القادمة التي قد تسهم في مفاقمة الازمات هذه، وقد تنذر بالتحول نحو خيار اخر، اي قرارات هادئة وعقلانية.ومن اجل السير في هذا الاتجاه، هناك حاجة لقيادة في الغرب تفهم، ان القاعدة، البعث، حزب الله، حماس، سورية وايران لا يمكن اختصارها واختزالها في المصطلح الايديولوجي ارهاب الشر . نحن بحاجة لقيادة قادرة علي فهم الصلات، وتفكيك الروابط ونزع الفتيل من عناصر كل الازمات. نحن بحاجة لطرف، مثلا، مستعد للتعامل مع سورية، الدولة التي لا تهدد الولايات المتحدة، وقد ساعدت امريكا في عدد من المناسبات، فلسورية مصالحها الوطنية الخاصة في اللعبة والتوصل لعقد صفقة حول الجولان التي هي ارض سورية، فاستمرار الاحتلال الاسرائيلي للجولان لن يجلب اي نفع علي الولايات المتحدة. وبنفس الاتجاه، فهم مع حزب الله في لبنان، وحماس في فلسطين، الجماعتين اللتين تنطلقان في مواقفهما من اسس مبدئية تعبر عن مصالحهما الوطنية الخاصة، ونيابة عن المجتمعات التي تنتشران فيها كما انهما، حماس وحزب الله، تعبران عن الكثير من مظاهر الظلم المشروعة، ولا يوجد بينهما من جهة وبين امريكا من جهة اخري، اي تعارض او مواجهة عندما يتعلق الامر بمصالح امريكا الوطنية. ويمكن والحالة هذه، للولايات المتحدة سحب الكثير من الموضوعات من علي الطاولة والتمسك بتعزيز مصالحها، بما في ذلك المساعدة في هزيمة المتطرفين الحقيقيين. هذه الجماعات ليست متشابهة، وهي ليست كالقاعدة او جزءا منها، ولو ترك لها الخيار فلن تصبح القاعدة، اكثر مما اصبحت فيتنام اداة في يد امبراطورية الشر . وفي حالة التحدث معها بهدوء ومساواة فقد تتحول لجماعات معارضة يمكن التحكم بها وادارتها. لقد اقترحت مجموعة بيكر ـ هاميلتون هذا التغير في الاتجاه، كما دعا الرئيس كارتر الي نقاش مخلص وصادق حول سياسة الولايات المتحدة. ومع ذلك فهذه الاصوات البراغماتية المعتدلة من داخل المؤسسة لقيت معارضة من الفصائل الداعية للعسكرة ومن المحافظين الجدد، والتي يبدو ان لها يدا علي الرئيس والكونغرس. ان اصلاح الضرر الذي ارتكب يقتضي اعترافا بالقرارات الخاطئة والتحول نحو احداث تغييرات جدية في الاستراتيجية. وقد تتطلب التخلي عن فكرة ان القرار العسكري من طرف واحد يمكن ان يقدم حلا للمشاكل السياسية والاجتماعية المعقدة. وفوق كل هذا فقد يقتضي ايضا التخلي عن الشعوب والامم العربية الاسلامية المتنوعة ما هي الا عناصر متداخلة ضمن اطار ايديولوجي واحد، ويمكن التلاعب بها لصالح شخص او شيء آخر، سواء كانت الحاجات الجيوسياسية للقوي العظمي، او مواصلة تقديم الدعم غير المشروط لاسرائيل، او حاجة الغرب الدائمة للنفط.العالم اليوم يتطلع لمشاهدة ان كانت الولايات المتحدة مستعدة للتخلي عن حربها الايديولوجية لصالح قيادة واعية وذكية/ تفاوض بحذر وعدل من موقع القوة السياسي، مشفوعا بتحرك حقيقي يعبر عن اهتمامات حقيقية. لا احد يطلب من الولايات المتحدة تجاهل الاجندات المتناقضة، ولكن ما يحتاجه العالم من اعظم قوة فيه، هو التوقف عن تحويل كل منافس محتمل لها ـ خاصة في العالم العربي والاسلامي ـ الي عدو قاتل.ہ اكاديمي وباحث وأحد اعضاء العائلة الملكية الحاكمة في المغرب7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية