تقرير دولي يفضح تقهقر الحريات الصحافية في العالم العربي عام 2006: الحكومات ازدادت قمعا وسنت قوانين رجعية
الانظمة العربية التفت علي الضغوط الدولية وعطلت الاصلاح السياسي.. وخطة واشنطن لنشر الديمقراطية صارت سراباتقرير دولي يفضح تقهقر الحريات الصحافية في العالم العربي عام 2006: الحكومات ازدادت قمعا وسنت قوانين رجعيةالقاهرة ـ يو بي أي: كشف تقرير أعدته لجنة دولية مختصة بالدفاع عن حريات الصحافة في العالم امس الاثنين عن تقلص هامش الحريات الذي تتمتع به الصحافة في العالم العربي في عام 2006 ونجاح الانظمة العربية في الالتفاف علي الضغوط الدولية التي قادتها الولايات المتحدة لنشر برامج الإصلاح السياسي في المنطقة. وقالت لجنة حماية الصحافيين الدولية في تقريرها السنوي الاعتداءات علي الصحافة خلال عام 2006 إن حريات الصحافة في دول عربية كمصر ولبنان والعراق وفلسطين واليمن، حققت بعض التقدم خلال الأعوام من 2001 إلي 2005 نتيجة الضغوط التي قامت بها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش لإصلاح العالم العربي بعد هجمات أيلول (سبتمبر) وغزو العراق في عام 2003. إلا أن المنظمة، التي تتخذ من نيويورك مقراً لها، أوضحت في تقريرها أن الحريات الصحافية النسبية في المنطقة تبدو الآن من الماضي البعيد، فخطة الرئيس بوش بنشر الديمقراطية لم تتجاوز خطواتها الأولي. ولم ينتج عن نشاط واشنطن في حث العديد من حلفائها الإقليميين سوي السراب، فالحكام المستبدون في الشرق الأوسط عملوا علي إجهاض أي إصلاح مهم، أو أنهم قاموا بتغييرات شكلية فقط . وأشارت المنظمة أن الجماعات المسلحة وخاصة في مناطق الصراع في العراق وفلسطين ولبنان تتحمل أيضا جزءا من مسؤولية الاعتداءات علي الصحافة في عام 2006.مصر افرغت الضغوط الامريكية وذكر التقرير ان الرئيس المصري حسني مبارك نجح في إفراغ الضغوط الأمريكية علي نظامه من محتواها بسبب عدم جدية هذا الضغوط من أجل تطبيق إصلاحات سياسية حقيقية من ناحية، وضعف قوي التغيير الديمقراطي الداخلية من ناحية أخري. وقال التقرير إن التعديلات التي أدخلتها الحكومة علي القانون الخاص بتعديل مواد جرائم النشر لم يستجب إلي مطالب الصحافيين علي الرغم من قيام مبارك بإلغاء مادة قانونية كانت تفرض عقوبة الحبس لمدة قد تصل إلي أعوام علي الصحافيين المدانين بتهمة التشهير في المسؤولين الحكوميين في مزاعم الفساد والاكتفاء بالغرامة مع مضاعفتها. وأبقي قانون جرائم النشر الجديد الذي اقره مجلس الشعب المصري، الذي يهيمن عليه الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم، في تموز (يوليو) عام 2006 علي المواد الخاصة بحبس الصحافيين لمدد قد تصل إلي خمسة أعوام في تهم إهانة رئيس الجمهورية أو رؤساء الدول الأجنبية او نشر معلومات زائفة او اهانة مؤسسات الدولة كالقضاء او الجيش. وأوضح التقرير ان القانون الجديد اثار مخاوف من نية الحكومة تعطيل الصحف المعارضة باستخدام وسائلس للاستنزاف المالي عن طريق مضاعفة الغرامة في جرائم التشهير إلي 40 ألف جنيه (حوالي 7 آلاف دولار أمريكي). واشار التقرير الي ازدياد قضايا احالة الصحافيين الي القضاء بتهم التشهير في فساد المسؤولين الحكوميين، حيث نظرت المحاكم في 85 قضية في الفترة بين شباط (فبراير) 2004 الي تموز (يوليو) 2006. واعتقلت السلطات المصرية مجموعة من الصحافيين خلال عام 2006 كمدير مكتب الجزيرة في القاهرة حسين عبد الغني في نيسان (ابريل) بتهمة نشر مواد كاذبة حول تفجير انتحاري مزعوم، إضافة إلي ساهر جاد من صحيفة الغد المعارضة، وابراهيم الصحاري من جريدة العالم اليوم في الشهر نفسه لقيامهما بتغطية مظاهرات مؤيدة لمطالب القضاة المصريين بالاستقلال عن السلطة التنفيذية. كما أصدرت المحاكم المصرية خلال عام 2006 أحكاماً بالسجن ضد صحافيين بارزين في جرائد الدستور و صوت الامة و المصري اليوم و الفجر لقيامهم بنشر معلومات تتعلق بتجاوزات شابت الانتخابات البرلمانية التي أجريت في العام 2005 أو كتابة تقارير عن فساد مسؤولين حكوميين. وكانت محكمة عسكرية مصرية قد قضت في تشرين الأول (اكتوبر) الماضي بحبس عضو مجلس الشعب عن حزب الأحرار طلعت السادات لمدة عام بعد إدانته بتهمة إهانة القوات المسلحة. واستمرت القيود المفروضة في مجال حريات إصدار الصحف في عام 2006 حين امتنع المجلس الأعلي للصحافة، التابع لمجلس الشوري الذي يهيمن عليه الحزب الحاكم، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي عن إصدار ترخيص صحيفة البديل اليسارية اليومية المستقلة بدون تقديم أي أسباب واضحة. من ناحية أخري، اعتبر تقرير المنظمة الدولية أن العراق ما يزال للسنة الرابعة علي التوالي أخطر مكان للمراسلين الصحافيين في العالم منذ استشراء الفوضي في البلاد بعد سقوط نظام الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في غزو أميركي في شباط (أبريل) عام 2003.العراق.. الأسوأ في العالم وقال التقرير إن 47 إعلاميا قتلوا في العراق خلال عام 2006 ليرتفع عدد الصحافيين القتلي الي 129 منذ عام 2003 ، وهو ما وصفه بالنسبة الأعلي في العالم لبلد واحد خلال ربع قرن. وأشار التقرير إلي أن عام 2006 شهد تحولاً نوعياً للمرة الأولي علي الإطلاق، فقد تجاوزت حالات القتل المتعمد للصحافيين حالات الموت بسبب النيران المتقاطعة إذ أخذت الجماعات المتمردة تستهدف الصحافيين بقسوة بسبب انتماءاتهم السياسية او الطائفية او انتمائهم للغرب . وقال التقرير ان جميع الصحافيين الذين قتلوا في العراق خلال عام 2006 كانوا من العراقيين باستثناء صحافيين أمريكيين، وذلك للجوء المؤسسات الإعلامية الدولية إلي الاعتماد علي المراسلين المحليين بشكل أساسي نتيجة التكاليف الباهظة لحماية الصحافيين الأجانب. وأكد التقرير ان قوات الاحتلال الأمريكية تتحمل جزءا من مسؤولية تدهور أوضاع الصحافة في العراق خلال عام 2006 حيث استمرت في احتجاز الصحافيين لمدد غير محددة بدون توجيه اتهامات. وذكر التقرير ان الحكومة العراقية كان لها دور أيضا في اعتقال بعض الصحافيين او ملاحقة آخرين او فرض الحظر علي تواجد مقرات صحافية لبعض القنوات التلفزيونية كفضائيتي العربية و الجزيرة .فلسطين: موجة من خطف الصحافيين الاجانب وعلي الرغم من عدم مقتل أي صحافي في الأراضي الفلسطينية خلال عام 2006، إلا أن التقرير أورد بعض حالات التضييق علي الصحافيين من جانب سلطات الاحتلال الإسرائيلية او المنظمات الفلسطينية المسلحة والتي تزايدت حدة الصراع بينها وخاصة حركتي فتح وحماس منذ فوز الأخيرة بانتخابات المجلس التشريعي في كانون الثاني (يناير) عام 2006. وقال التقرير إن اتجاه خطف الصحافيين الأجانب تزايد في الأراضي المحتلة بسبب ضعف الأجهزة الأمنية وغياب القانون وهيمنة الفوضي علي الساحة الفلسطينية. ولفت التقرير إلي تكاثر جماعات مسلحة صغيرة تتكون من مقاتلين ينتمون الي فصائل متنوعة تتشكل لتحقيق هدف شخص محدد مثل الإفراج عن سجين من احد الأقارب او الحصول علي عمل في القطاع الحكومي وكثيرا ما تلجأ تلك الجماعات الي خطف الأجانب، بما في ذلك الصحافيون لاستخدامهم كورقة ضغط في التفاوض . ولكن المنظمة قالت إن جميع حالات خطف الصحافيين في غزة والضفة الغربية والتي بلغت 13 منذ عام 2004 انتهت بالإفراج عنهم دون إصابتهم بأي أذي. وفي لبنان، قال التقرير إن صحافيا لبنانياً يعمل في المؤسسة اللبنانية للإرسال قد قتل في غارة اسرائيلية في تموز (يوليو) الماضي خلال حرب الـ 34 يوما بين إسرائيل وحزب الله اللبناني والتي انتهت في آب (أغسطس) الماضي. وقال التقرير إن الأطراف المتصارعة في لبنان تتحمل كذلك بعض اللوم نتيجة قيامها بتهديد الصحافيين العالميين في الأراضي اللبنانية. وأورد التقرير بعض الاقتباسات عن صحافيين قالوا انهم تعرضوا للتهديد بالقتل من مقاتلي حزب الله نتيجة تغطيتهم للحرب، وأكد استمرار مناخ الخوف لدي الصحافيين بسبب ازدياد حدة الصراع الطائفي واغتيال بعض الصحافيين اللبنانيين كسمير قصير وجبران تويني خلال عام 2005. وذكر التقرير ان الصحافة في المغرب والتي وصفها بالأقوي والأكثر حيوية في العالم العربي، تعرضت لبعض الانتكاسات في عام 2006 بعد هجمة قضائية قادتها الحكومة لحبس بعض الصحافيين او فرض غرامات باهظة عليهم. ففي نيسان (ابريل) أيدت محكمة الاستئناف في الرباط حكما بغرامة قدرها حوالي 372 ألف دولار ضد مجلة لو جورنال ايبدو مادير الاسبوعية المستقلة بعد نشرها مقالة تشكك في تقارير مركز بحوث أوروبي بشأن قضية الصحراء الغربية التي ضمها المغرب منذ ثلاثة عقود. كما أصدرت محكمة في آيار (مايو) الماضي قرارا بحبس وتغريم ادريس شحتان رئيس تحرير جريدة المشعل الاسبوعية المستقلة بعد نشر الجريدة كاريكاتوراً سخر من الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقة. وكانت محكمة دار البيضاء قد أصدرت منتصف كانون الثاني (يناير) الماضي حكما بسجن صحافيين باسبوعية نيشان لمدة ثلاثة أعوام مع وقف التنفيذ وغرامة 7 آلاف دولار ومنع إصدار الجريدة لشهرين، وذلك بسبب نشر تقرير عن دعابات المغاربة عن الدين والسياسية والجنس واعتبرت مسيئة للإسلام.الصراع الطائفي طغي علي الصحافة الخليجية وفي الخليج العربي، قال التقرير ان حدة الصراع الطائفي السني ـ الشيعي قد ألقت بظلالها علي حرية الصحافة هناك. وأشار التقرير إلي قيام السلطات البحرينية في تشرين الأول (اكتوبر) بحظر نشر أية مواد إعلامية تتعلق بقضية صلاح البندر، الأكاديمي السوداني والذي كان يعمل مستشارا لملك البحرين حمد بن خليفة، والذي كتب تقريرا يتناول فيه مخططا لتقليص قدرة التصويت للمواطنين الشيعة في البلاد (الذين يشكلون حوالي 70 % من السكان) وإثارة نزاعات طائفية. وفي الكويت، اعتقلت السلطات كاتب جريدة السياسة خالد العبيسان في تشرين الأول (نوفمبر) الماضي بعد نشره مقالا يستنكر فيه حكم إعدام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. وقال التقرير ان الحريات الصحافية في السعودية وسورية وليبيا ما تزال شبه معدومة، ونقل تعليقا لطيفا وكاشفا لسيف الاسلام معمر القذافي نجل الزعيم الليبي الذي قال في آب (اغسطس) الماضي ان بلاده التي يحكما أبوه بقبضة حديدية منذ عام 1969 ليست فيها صحافة ولا دستور ولا ديمقراطية .