25 عاما علي احداث حماة: من يتذكر؟

حجم الخط
0

25 عاما علي احداث حماة: من يتذكر؟

منهل السراج25 عاما علي احداث حماة: من يتذكر؟ليس ثمة ما يكتب بعد مرور 25 سنة. ذلك لانه ربما لم يعد يوجد ذكري نحييها، وليس هناك من يشهد بحب وشجاعة، ليس لان اهل حماة خائفون فقط، بل لان احداث شباط (فبراير) 1982 صارت مثل اسمائهم يحملونها مجبرين او مختارين، ملاصقة لهم، تتدخل بصنع اقدارهم وحاضرهم البائس ومستقبلهم الغامض، لكن من يفكر باسمه او يتذكره!كثيرون مسحوا رؤوسهم، نظفوها او عصروها او افرغوها، وارتاحوا. من حقهم ان يرتاحوا. ولكن لماذا نجح الانسان الحموي بهذا التمرين الصعب: نسيان الاحداث، ولم يجرب ان يتخلص من سلبيات قاتلة يمارسها كل يوم؟مر الآن خمسة وعشرون عاماً. ماذا يفعل اليوم في الشوارع والحارات؟. اكاد اري كافيتيريا افاميا الشام غاصة بالناس، ياكلون الفتة والتبولة والبيتزا، ويدخنون الاركيلة، ويراقبون ثياب بعضهم، سيارات بعضهم، حلي بعضهم، النساء والرجال علي السواء، وأري وجه العاصي مرتجفا وعلي وشك البكاء، وواجهة الجامع العتيق بمئذنته الحديثة التي عوضوها بعد الاحداث مثل التعويضات التي منحت للناس ثمن دمائهم واعمارهم.واذا مشيت من الحاضر الي السوق/ ضفتي العاصي، فعلي ان اشد قميصي لتبقي مؤخرة بنطالي مغطاة. وحركتي مستورة قدر الامكان. ما زال هذا الامر مطلوباً واساسياً، وما زال في رؤوسهم، بل ربما هو الوحيد الذي تبقي في رؤوسهم، الرغبة بسترة النساء. اما حالهم..هل ابالغ اذا قلت ان تسعين بالمئة من اهل مدينة حماة لهم اقارب او اهلهم او كلهم في الخارج، استطيع ان اجزم ان معظمهم في الخارج، وان كانوا يعيشون في الداخل، يعني في مدينة حماة نفسها، ذلك بسبب العزلة التي طبقت عليهم ومن ثم ادمنوها، صنعوا لانفسهم دنيا غير الدنيا السائدة وتوازنوا معها. ربما هذا يحتاج الي تدقيق وبحث ميداني، لطالما حاولت اجراءه، لكن الرعب الذي عاشه اهل المدينة خصوصاً من احتاج شهادتهم يرتابون باي فكرة جديدة كانت او قديمة، مبتكرة او بائدة، صاروا يتوازنون عبر تفاصيل يومية، الفقير في التقاط لقمته والغني في استعراضاته المتنوعة، تبرعات، حفلات خيرية، مشاريع فاقعة.. الخ. اما الوسط وهذه نسبة ليست قليلة ولانها الاكبر، اقصد الوسط الذي يحصل علي اللقمة بالحد الادني، فهو ملته بحسراته. ذلك لان التهميش يلسعه كل صباح، من تهميشه في عمله الذي غالباً ما يؤخذ مكانه ليعطي لابن القري المحيطة، الي تهميشه من قبل جاره الاكثر امكانية منه في الذهاب الي مطعم او في سفرة صيفية. وهناك الفئة القليلة التي صفقت للسلطة فنالت اعلي المناصب، في مديرية المالية والبنوك، اما بقية قطاعات الدولة فغالباً مدراؤها ورؤساء اقسامها من الريف المحيط. ابن الريف الذي غالباً لديه قطعة ارض اخذها ابوه او جده يوماً في حركات التأميم الاقتصادي من الاقطاعي الشرير في ذلك الوقت، ما زال علي نهجه السابق في النق، يقوم بدور الضحية باتقان، صار كالمنشار يقص وهو رايح الي وظيفته في حماة صباحاً، ويقص وهو عائد من ارضه مساء. ويستحسن لو حصل علي وظيفة في مؤسسات تنفعه في مصلحته/ الزراعة، البنك الزراعي، مؤسسة الحبوب وتوابعها، مؤسسة الابقار، الاعلاف.. طبعاً ليس معني هذا انه يعيش ضمن الحدود الانسانية، لا.. قليل من السوريين يعيشون ضمن حدود الانسانية، وربما من يعيش ضمن هذه الحدود، يفعل هذا بالتفافه علي انسانيته.. ابن حماة اضطهد عشرات المرات من قبل الدولة اولا، ومن قبل الريفي ثانياً، ذلك لانه متهم بالفوقية، وهي في الحقيقة ليست تهمة لان كثيرين ما زالوا معبئين حتي الثمالة برفض الريفي. بظنهم انه اقل مكانة منهم. يطلق بعض اهل حماة علي موظفي الدوائر غير الحموية، برّاويين . يقولون: في الصباح حماة لا تطاق، مملوءة بالبرّاويين. المشكلة في بؤس الانسان الحموي ومكابرته امام واقعه، ولا يوجد من هو مكترث بشأنه، او ان اصحاب القرار باركوا له عنجهيته، وتركوه ينعم بأوهامه ما دام صامتاً متنازلاً. نعم، هذا حال ابن حماة.ربما تعرفون ما حدث قبل 25، ولكن دعونا نستذكر القليل القليل. في جمعة من شباط (فبراير) 82، قرعوا ابواباً كثيرة، اخذوا معهم رجال البيت وعجائزه وكثيراً من الاطفال! امروهم ان يصطفوا علي جدار البيت الخارجي، ثم حمّلوهم في تلك السيارات التي يسمونها: صندوق. عادوا واقتادوا غيرهم. وظلت سيارات الصندوق تذهب بالاحياء وتعود فارغة منهم حتي فرّغوا المدينة بزعمهم من الارهاب. منذ ذلك اليوم صار للمدينة وسواس اسمه الجمعة. تستطيع ان تعرف يوم الجمعة في حماة من بين مئة يوم، لو كان عدد ايام الاسبوع مئة. تعرفه قبل ان يأتي وبعد ان يمضي.. هدموا معظم المدينة القديمة، كان اهل المدينة بثيابهم المنزلية منكمشين من الخوف والبرد والجوع، من حاول ان يدافع عن نفسه حمل سكيناً واخطرهم كان حاملاً بارودة . قبروهم هم وبيوتهم، وجاء اكبر متعهد سوري وضرب علي صدره واعداً انه سيعمر مكان البيوت والناس فندقاً حديثاً، خمس نجوم، لماعاً براقاً شاهقاً.. هذا هو الفندق الذي اعتاد الناس ان يقضوا مساءاتهم في مطعمه، غافلين تماماً عما تطأه اقدامهم.. بعد الاحداث مباشرة، صارت الصبايا يتذمرن من الامهات لان الزيارات تحولت لاستذكار دائم لشباط (فبراير) 1982، فلان قتل، فلان غاب، فلانة ترملت وفلانة فقدت اولادها كلهم، ضاع الرزق، احترق البيت.. الخ. واتفق الاغلبية علي حفل النسيان، كي يستمروا.لم تُسمع بعد ذلك طلقة رصاص واحدة، الا عندما قطع احدهم خنصر اصبعه اليسري، وافرغ مسدساً قديماً في راس ابنته التي كانت مستلقية في المشفي بين الحياة والموت، بعد ان ضبطوها في سيارة مع شاب، تدهورا معاً علي الطريق الغربي. لقي الشاب حتفه، بينما ظل في البنت رمق من الحياة. ولكي يبرهن ابوها علي نخوته وشرفه المستعاد، قطع اصغر اصابع يده اليسري وقتل ابنته، ثم طلّق الأم وطردها من بيته واضعاً بقية فتياته تحت الاقامة الجبرية مع الجدة والعمات. وبعد كل تلك السنين من الوجوم والصمت حدث امر آخر في 23/7 الساعة السابعة مساء سنة 2005، حين كنت اتفقد حماة يوم الجمعة، عادتي التي امارسها منذ 82. رايت عناصر من الشرطة فوق الرافعات، وفوق سيارات الاطفاء الحمراء الضخمة. شاحنات تسد الطرقات، وامواجاً من الناس المتكاثفين والمتدافعين بالعشـــرات، احجاراً كثيرة متناثرة علي اسفلت الشارع. اسرعت غير آبهة بالتحذيرات الكثيرة التي تنبهني ان اتراجع، ظننت ان انتفاضة حصلت، وكنت احضر هتافاتي: من اجل من غابوا، ومن ما زالوا في السجون، ومن فُقِدوا ولا احد يعرف عنهم خبراً، ومن اجل من قُتِلوا من دون حق، ومن اجل البيوت الجميلة التي هُدمت ومن اجل.. حين اقتربت من ساحة العراك، انحنيت علي اسفلت الطريق، اتبين حجم الدماء التي سالت، فوجئت انها لم تكن اكثر من رايات ورقية حمراء، استُخدِمتْ لمناصرة الفريق الذي ارتدي الاحمر. وخراطيم الماء والرافعات وكل هذه المعدات وعشرات رجال الشرطة والامن والابواق التي تولول، كانت لتفريق انصار الفريقين الرياضيين اللذين تباريا في هذا المساء.ربما كان علي ان اطلع علي نتيجة المباراة او علي الاقل اسمي الفريقين المتباريين او نوع الرياضة التي استثارت كل هذا العنف. او كان علي ان اسأل، ان كان حكم المباراة، قد تجني وظلم، حتي اندفع انصار المظلوم بهذه الهستيريا، ليستردوا حق الفريق الخاسر. لكني لم افعل. كانت تلك الجمعة هي آخر جمعة اخرج فيها لأتفقد حماة. صادف هذا العام 2007 ان ذكري شرارة الاحداث 2 شباط (فبراير) هو يوم جمعة، اتري يوجد من يتأمل في النواعير، ويتذكر ولو بدمعة.. حماة؟كاتبة من سورية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية