الموت هنا لا يحفل باسم أو بنسب! أيام سامي مهدي: من فاء الخطف الي قاف التقتيل
عبد الكريم كاظمالموت هنا لا يحفل باسم أو بنسب! أيام سامي مهدي: من فاء الخطف الي قاف التقتيلاستطاع الشاعر العراقي سامي مهدي في نصوصه الشعرية المنشورة علي صحفة ادب وفن جريدة القدس العربي 24/12/2006 أن يخلق توليفة دهائية بين الحياة والموت، وقد كتب شعراً خلق من خلاله تنضيجاً جديداً للضربة الشعرية وهو يستدرج لغته الي مكامن هذه الضربة بعد تفاقم الاوضاع ووصول افاعي الحرب والحرائق الي الحد الذي احال العراق الي بؤرة للموت مبرمجة بين طغاة اليوم والأمس ضمن حشد مهرجاني دموي لا يمكن للشاعر خلاله أن يخطو خطوة واحدة خارج الحياة التي لا تكتمل شروطها الا بالموت نفسه .. هذه النصوص تشبه الي حد ما تظاهرة لغوية هائلة في الشعر، تطلق صرخات الدفاع عن الحياة الي حد تعويمها واغراقها، عن طريق الشعر، من مكان الي مكان.في المرثية الأولي كتب الشاعر الالماني راينر ماريا ريلكه مخاطباً ذاته: (اذا صرخت فمن يصغي الي صرختي من الملائكة، يجب عليّ أن ألجم نفسي، وأن أبتلع عويل المعتم في داخلي).. اذن الي أين ستذهب هذه الصرخة ذات النبرة الحادة الموجعة، لا يعقل أن تكون عابرة بالنسبة لما كتبه الشاعر ـ تماثلاً ـ في نصه المعنون (أيام أيام) والذي ترتهن الحياة فيه لاختبار يشكل حركية واضحة في العالم الذي يبنيه سياق النص ذاته ـ حتي لو كان خارجاً من السيرة اليومية أو من مقتطفات ذاتية تتعلق بيوميات الشاعرـ وتترتب عليه تحولات في مجري الحدث الشعري الذي برزت من خلاله رؤيا الشاعر وتوجهاته الفنية الجمالية ومنعكسات وعيه القائمة ضمن بنية النص وشبكة العلاقات اللغوية الصارمة، فقد أشار في نصه هذا الي أهمية فكرة أختبار الحياة التي تمكَّن من تنظيم الكتابة الشعرية تنظيماً عميقاً وجوهرياً حول أيام الشاعر المتعاقبة وصرخاته المكتومة، كما أشار أيضاً الي أن مضمون فكرة الاختبار نفسه يمكن أن يتغيَّر جوهرياً في العهود المختلفة المتتابعة ولدي المجموعات الانسانية المختلفة أيضاً، وأن تمتلئ فكرة الاختبار تبعاً لتعقيدات العصر والاشارات التأريخية العابرة وتحس في الوقت نفسه أن هذا الأمر يتأتي بمضمون معرفي صارم ومتغير، ربما يكون ضيق جداً في حساب الزمن الانساني المحصور بين الخوف الفردي والخوف الجماعي . واضح هنا، أننا لا نريد أن نسحب فكرة اختبار الحياة في مفهومها الذي طرحه سامي مهدي في جو النص المشحون من أقصاه الي أقصاه ومشروعية ذلك تنبع من كون فكرة الاختبار ـ في النص ـ مشتركاً أساسياً من مشتركات عديدة في عالمي الحياة والموت وان المفردات الشعرية التي تشكل فكرة الاختبار مرتكزّ بنائها الدرامي والفني، أكثر من أن تُحصي هنا خصوصاً في هذا الجزء الأول من النص (أيام سود) الذي نبدأ به:أيام سود مسبحة من خرز أسودفي يد شيطانيتسلي بالتسبيح بهاوهو يري الانسانيُقلي بدم ويُتبل بالخوفوبالبهتانمن جار شريرأو خصم موتوراو أي غريم يجهلهأو أي فضولي، أي طفيليأي حسودلا ريب في وجود تداخلات متعددة بين فكرة اختبار الحياة وبين رؤية الشاعر وما تتركه هذه الرؤية علي اللغة الشعرية من أثرٍ كبير علي مجمل البناء الفكري للنص، هذا من ناحية ومن ناحية ثانية لا بدّ لي من الاشارة الي أن هذه النصوص موضوع هذه القراءة لا تختلف في النهاية من حيث طريقة تعامل الشاعر مع عناصره الفنية والتعبيرية والفكرية، فَقِصَر المقطع الشعري لديه وكثافة المعني يستكملان بنية وشبكة العلاقات اللغوية المعهودة لدي سامي ـ منذ بواكيره الاولي ـ بحيث تجعله بعيداً عن التجاهل للاطار التأريخي لواقع اليوم بسبب اشكاليات التناقض الحاصل في بنية الحياة العراقية الراهنة وبمستوياتها المتداخلة جميعاً، والمتضمنة بالتأكيد لبؤر الصراع والتناقض الحاد.. كل هذه التفاصيل تجد سبيلها الي النص الشعري عبر عملية تحويل ابداعي مارسه ويمارسه الشاعر علي الدوام في الكثير مما كتب من نصوص سابقة ولاحقة، لنقرأ هذا المقطع الثاني من النص المعنون اعلاه:أيامٌ سودْلا شيء يُأكدُ أو يُضمنُ فيهالا صوت يميز بين الأصواتلا حياً تُذكر سيرتهأو ميتاً يعرف بين الأمواتوالعيش اليومي مغامرة في غاب المجهولفالموت رديفك في البيت، في الشارع، في الحقل وفي المسجدفي أي مكان تأتيهأو تلجأ فيه منتبذاًأو فزعاً من فاء الخطف أو قاف التقتيلوهكذا تنهض بؤر الموت اليومي (التقتيل) وأشكاله الغريبة والخطف (فاء الخطف) المعبر في حد ذاته عن اشكاليات حرف الفاء الذي ضمنه الشاعر بطريقة لغوية وشعرية مؤنقة ومن هنا أيضاً تتعدد مضامين الموت وتتنوع اشكالاته عبر مسيرة الأيام تبعاً لاختلاف طرق الموت وأطرافه وبُنْيانه علي أرض الواقع العراقي وتخومه اللامتناهية، ويمكن لمقدمات وأسباب الموت أن تندرج في عملية الحيرة أو التساؤلات القائمة في واقع النص الشعري مثلما أن بؤر الموت ـ الخطف مندمجة في المسار اليومي وهكذا يتجسد حدث الموت كمرحلة حاسمة من مراحل التأكيد علي الاقصاء أوالتهميش في مستوياتها العامة والخاصة لتأتي فيما بعد علي شكل شعري يستأنف الحدث لأحد أمرين نعتقدهما متلازمين… الموت والحياة ، لنقرأ هذا الجزء الأخير من (أيام سود):فالموت هنا لا يحفل باسم أو نسبٍأو يبحثُ عن شكلٍ أو عمرٍأو يسألُ عن سببٍأو يطلب من أحدٍ عن أحدٍبعض التعليلفالكل ضيوف في دفتر عزرائيلماداموا من ابناء (اننا) وبهائم (انليل)والموت هو الأصل، هو الفرعهو الأول والآخرفي كلِّ نشيدْلا شيء أكيد غير الموت هنالا شيء أكيدہہہيرتبط حدث الاختبار الحياتي اليومي في النص المعنون (يوم اضافي) بموضوع واحد، هو اختبار قدرة الشاعر، من خلال الشعر، أمام تحدٍ فائق ٍ يقهر أو يجبر مقدرات الموت في حدودها الميتافيزيقية مهما اختلفت طرق المواجهة، من أجل هذا يقدم سامي مهدي توصيفاً نادراً لبطل نصه ـ الموت ـ كتمهيدٍ لمقارعته أو الصراخ بوجهه ومشيراً في ذات الوقت الي قدرة الشعر الكامنة في اللغة والتي تدعمها ثقة بالحياة لا حد لها والي المفردات الشعرية المنتقاة بعناية والتي قام بنظمها في هذا المقطع الأول، لنقرأ ونرصد صيرورة الكلمات داخل حركة النص، بعيداً عن هيمنة فكرة الموت التي اخذتنا الي حدث اختبار الحياة بيومياتها المألوفة وتفاصيلها المتداخلة بمنتهي الغرابة والدهشة، اننا في هذه الأيام ننظر الي الموت بعين الشفقة وندري حينما نشاهده يسير في الشارع معنا ويكلم نفسه ليركض بعد ذلك الي أقرب مقهي أو سوق شعبي أو مدينة بائسة ويمارس بشاعته التي ورثها عن القبح، ثمة انطباع آخر.. أن هذا المقطع ليس أكثر من تصوير عابر يدونه الشاعر وكأنه يدون أو يكتب وصايا قد تبدو نافلة، ولكنها في الواقع عميقة جداً .. لنصغي:هو ذا اذن يوم اضافي تراهفخذ فطوركثم دخنْ ما استطبت من السكائرواسترحواكتب قصيدتك الأخيرةأو وصيتك التي أجلتاكتبْها فقد تنسيولا تحظي بيوم قادمٍ، يومٍ اضافي سواهان بطل الشاعر يُقدم من خلال جماليات النص الشعري وملامحه التعبيرية صورة واضحة المعالم وبلا أي رتوش بحيث ترتبط هذه الملامح/المعالم بثغرتين أساسيتين تشكلان نقطتي القوة في هذا النص، الأولي الاخلاص للشعر، والثانية تجاوز فكرة الموت الي فكرة اختبار الحياة ـ كما ذكرنا آنفاً ـ اذن نقطتا القوة موجودتان في صيغة النص وسياقاته اللتان يقدمهما الشاعر من خلال معرفته بالآخر/الآخرين الحامل/الحاملين لهذه السمة المكملة التي تاتي فوق تلك الصياغات والسياقات والملامح الخارجة عن المألوف، لنقرأ معاً ما يقوله في هذا الصدد بالتحديد وهو قول يميل الي الانتكاس أحياناً نحو حل سبق العثور عليه أوالامساك به، من خلال اللغة الشعرية، فيما مضي ولكن دون جدوي:فها هو القناص لم يبرح مكان رفيقه القناص فوق البرجوالهمرات في الطرقات حول البيتحولك انتأو دعها، فليس لديك غير الشعروهو الآن ملك الآخرين يبدو أن الوضع النفسي الذي أنتج هذه النصوص قائماً علي أرضية تناحرية تناقضية ومأزومة في تحولها الثقافي والسياسي والاجتماعي وعلاقاتها التي تُحيل الي مرحلة الانتقال الي زمن جديد ـ يبدو تابعاً ـ بعد تفكك العلاقات اليومية وانهيارها ودلالة ما ذهبنا اليه تتجسد كذلك في هذا المقطع الذي ضمنه اشارة الي الخيام بحيث جعلنا نعتقد انه لا يعبأ من الموت ولعله أصاب الهدف في اقناعنا بما ورد في هذا المقطع (وكل ما في الأمر انك لا تخاف الموت كالخيام) وبهذا المقطع أيضاً يمكن للشاعر احالتنا الي هذا المقطع الخيامي (ان كانَ عاقبةُ الوجود هي الفنا فافرض فناكَ وعيش سعيداً بالاً) وبهذا نجح الشاعر في ادراج موضوعة الخوف ضمن الحالة التي يعيشها في العراق المتداعي في اتجاهات عدة عبر صور مأساوية تتوالي يومياً وتكّر مسرعة بمنتهي الفجاجة، لنتأمل في هذا المقطع ملياً:وخذ نصيبك من غنائم يومك الحالي:أوراقاً تقلبهاكتاباً بعدُ لم تقرأهُصحناً من حساءٍ ساخنشاياًوحبة برتقال أن وجدتوكلّ ما في الأمر انك لا تخاف الموت كالخيامحتي تسأل عن الأيامعن سلوي ترها في حبيباو نديمأو مزيد من شرابفاهنأ اذنعش يومك المشبوه هذاعشه كيف بدت لك الساعات فيهوقل لنفسك في المساء : عمي مساءًًوانتزع يوماً سواهاذا استطعت ونِلتَمن عصر الخرابہہہيصف الشاعر نصه المعنون (يوم آخر) بكلمات لا يشوبها اليأس بل محملة بقوة الأمل الذي تخثر باليأس كالدم، لكن الشرط الانساني الذي يعيشه الشاعر بهاجسه الشعري يومئ الي وضعية الشاعر نفسه كطرف في هذه الحياة يقابل طرفه الثاني المتمثل بالموت، وفي سياق هذه المعادلة يشير الي الصلابة الروحية التي يتمتع بها الشعراء وهم يحاولون التعمق في مسار العلاقات الحياتية في حركة صائبة تصب في مجري الأحداث المتوجة بالموت والواقعة تحت وطاة ثقل الحياة في مجتمع تترسخ فيه وتنمو الي جانب ظواهر الاقصاء الجديدة، ظاهرة الموت المألوف الذي يُمتهن فيه الانسان وهذا الأمر انما يعكس أزمة الوعي والأخلاق والجمال في مواجهة التحولات الدراماتيكية الكبري التي حدثت في العراق ومع هذا نري في نص سامي مهدي وهو يحيل اللغة الشعرية بوضوحها واخباريتها المباشرة التي لا تغيّبُ الفني الي حالة تنهض فيها وخلالها دلالتها التأملية الواثقة علي حساب دلالتها الرمزية التي تفضي الي تاريخ جديد في حسابات الشعر فقط وليس في حسابات الواقع كما جاء في هذا المقطع:سيكونُ يومٌ غير هذا اليوم قلت وصاحبي يبكيوكان الأفق مختنقاً بأبخرة الدماءوقلت (دَعْ هذا البكاء)وكانت الجدران جاثية علي الأشلاءوالهمرات تقطع اذرع الطرقات(لا تجزع فللأيام دورتها)وأخيراً … تتبدي تراجيدية هذا النص كانعكاس لعجز الموت عن فهم الحياة ولرفضه لهذه الحياة في الوقت نفسه لذلك نري لدي قراءتنا لهذا الجزء الأخير من النص ان الشاعر يسعي الي اثارة السخط وتوجيه الادانة من خلال تراجيديا النص الي الموت وهو بذلك يكرس انفعالية الحدث الشعري أو اللحظة الشعرية التي لا تحجب في نهوضها الرؤية المكثفة للواقع وكأن المأساة التي يفصح عنها ويستنطقها في نصه تكمن في مجيء يوم جديد يطرحه النص عبر استقراء التحولات والمسارات الحياتية في الوقت الذي رصد فيه الشاعر صيرورة الأمل لكن في سياق تحولات غير دقيقة تثير الكثير من التساؤلات حول هذا اليوم : أين يصبُّ؟ ومتي يأتي؟ وفي صالح من؟ وأين تكمن بالتحديد حقيقته؟في هذا المقطع هناك اصوات تذكرنا بصموئيل بيكت وقوله (لا أحد يأتي) تتقاطع مع صوت شاعرنا ورهاناته الأبجدية حين يقول (قلت يأتي، سوف يأتي غير هذا اليوم) فقد أدرك بثاقب نظره شكلاً جديداً وأياماً أخري قد يغرسها في حقل الأيام المنتظرة حتي تصبح كشفاً صورياً يتضمن مرحلة ضرورية تحتوي علي أدق التفاصيل أو التمتمات الشعرية بلغة واضحة ذات معانٍ ودلالات مندفعة نحو الأفق الذي يبحث عنه الشاعر بلا جزع او خوف كلما تعددت الميتات التي لا فكاك منها، ففي هذا المقطع ما يغري الشاعر بالأمل وأدراك الواقع الجديد وأن يتوجه بشكل دقيق نحو اشباع اللغة للتنبؤ بالمستقبل، لنقرأ معاً:وكان الأخوة الأعداء يختزلون أعمار الجيادفيقتلون ويسمرون علي دويّ الهاوناتوقلت ليس الموت آخر ما تبقيفي رهان الأبجديةقلت يأتي سوف يأتي غير هذا اليوميأتي وهو يحمل رأسه المقطوعلا جزعاً ولا فزعاًويبقي فهو يوم للحقيقةللعصافير الطليقةللصغار يكركرونوللنساء يضئن ابواب البيوتويدَّرعْنَ بآية الكرسييوم للهلاهلوالأناشيد القديمة والجديدةللرجال يكبرونويطردون الغول في رأد الضحيويكون يوماً غير هذا اليومهوامش:1 ـ أيام أيام/ نصوص للشاعر سامي مهدي نشرت في صحيفة القدس العربي بتاريخ 24/12/2006 2 ـ رباعيات الخيام/ط1 دار المدي 2003 3 ـ راينر ماريا ريلكه ـ شعر/ ترجمة فؤاد رفقةشتوتغارتشاعر من العراق يقيم في المانياQMK0