البورتريه الذاتي الأكثر جذرية في الأدب المغربي الفرانكوفوني
محمد حمودان في فرنش دريم :البورتريه الذاتي الأكثر جذرية في الأدب المغربي الفرانكوفوني كل الأعمال الروائية لا تعالج العالم بنفس الجدية. فالسخرية والفانتازيا والازدراء تعج بشكل احتفالي في فرينش دريم ، الرواية الأولي للشاعر المغربي محمد حمودان، التي تستمد قوتها من كونها في الوقت نفسه شهادة لا مجال للطعن بها، وسيرة ذاتية جامحة.فمحمد حمودان يقدم نفسه في هذه الرواية فعلا كمبعوثنا الخاص عند السكاري. فهو يعرف كل شيء عن الثمالة وعن صباحاتها الصعبة، محتقرا في الآن ذاته الشفقة علي الذات وغير عابئ بمجاملتها. ومع أن بطلنا يبدو غير مكترث بأي شيء ومفكك، فهو يقف حرا متحديا بنظراته المنافقين والمدعين والأشرار والآخرين الذين يلفون لفهم، واضعا الكل في مرمي قوسه، زاجا بهم كما في طوفان رقصة ساخرة ومرة.تظل القريحة ثابتة، خلف قناع باخوس، حتي أنها تصل إلي مستوي عال من البراعة. فرنش دريم رواية تشبه نشرة أخبار تبث لنا دون انقطاع تفاصيل الجاه الغث لحياة منحرفة عن إطارها، لكن بوعي وصحو .غير أن الرهان الحقيقي لهذه الرواية لا يكمن فحسب في رسم بورتريه ذاتي بل في التعبير عن قرب، علي شفرة الحياة الواقعية، عن الغضب الرافض والعادل لكل أنواع العبودية. فرحا رغم أنفه، يحول حمودان قصة الحرمان من المال والحب هذه، وعدم الثقة قي العالم كما كان، وكما حاله الآن ،إلي قصة تبرق بشقاوة ضرورية وبمزاح بناء. فهذا السرد يبقي متماسكا وشاهقا أكثر من بطله. إنه بشكل عميق البورتريه الذاتي الأكثر جذرية الذي يقترحه علينا الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية فرنش دريم رواية تجعل الممكن والمستحيل يشربان الواحد في نخب الآخر. أن يستحضر انتفاضة الجوع في الدار البيضاء أو شلة الكتاب والذين يدعون ذلك، لا يقدم حمودان أبدا نفسه كنموذج ويكتفي بتمثل دوافع الآخرين الجيدة منها والسيئة (صحيح ربما، كلما كبر المرء، صغرت المثل العليا التي كان يرعاها، إلي أن تصبح ميكروسكوبية ثم تندثر أخيرا كما لو أن الإحساس بالتمرد يمكنه أن يقارن، زمنيا، بظهور حب الشباب).فـ فرنش دريم تظل اذا مرقطة بحبات عصيان، حتي أن هذه الرواية تجبر القارئ علي أن يستذكر عشرينياته. فالحياة هنا موصوفة وكأنها ورقة امتحان يجب إعادتها، دون معرفة هل الرهان هو الدخول أو الخروج من الجحيم، الذي هو ربما الذات أو الآخر أو هما الاثنان معا.حمودان يحكي عن نفسه عبر نثر مزلزل .إنه نبوخذ نصر أو نيرون طفولته. كم من قطة عذبها وأقرانه الصغار.غير أنه يري في الظلام الحالك، حاله حال القطط. إنه يري بوضوح في ليل الروح والجسد. قريحته وموهبته تبدوان وكأنهما انتقام من تنقصه الكاريزما ، شاهرا شقاوة محرض وأناقة من يملك وسائله ويعرف طريقه جيدا، بوضوح وحزن مهرج. ندين له بشكل خاص بصفحات تحتفي احتفاء أنيقا ودقيقا بجهد الأب الذي كان يعمل ليل نهار ليطعم ثمانية أفواه مفتوحة علي آخرها . قلة، فعلا، من الكتاب استطاعت إعادة الحق للأسر المغربية التي تجر الشيطان من ذيله، مقارنة مع الطريقة الدقيقة والمخلصة التي يكتب بها حمودان. إنه يعكس عالما بأكمله، يسائله ويعيد له شرفه في رواية السعار المتعمد هذه. فملحمة كتاب الجيب هذه تسكننا لوقت طويل حتي بعد قراءتها مرات عديدة. فـ فرنش دريم هي فعلا كتاب لا نتوقف عن العودة إليه كما لو أنه نغم نادر. فكثيرة هي جمل حمودان التي تعبر عن الرفض الجذري للتمظهر الكاذب، مثيرة صراعات غير معهودة. ها هو أخيرا واحد يتحدث إلينا كما لو يحفنا كي يزيل عنا الأوساخ بحجر: (أما أنت أيتها البرجوازية فإننا سنعرف كيف نعفو عن عيوبك وإسرافك ،صالوناتك الباذخة / فيلاتك الفخمة لقاءاتك السنوب، مجلاتك ذات الأغلفة البراقة والفاخرة، انعزاليتك، سنسامحك علي كل شيء).في فرنش دريم ثمة المغرب وفرنسا ونساء يطمع البطل فيهن كما يطمع بـ(قصر حقيقي تتخلله أبراج صغيرة، مسبح، ملعب تنس (…) كنت أري نفسي كصهر عائلة نبلاء، منشطا كليا برغبتي بالتخلص من فاقتي السحيقة ،التي هي في الحقيقة علامة جينية، ولأن الفرصة التاريخية حانت، ولأنه كان يجب انتهازها، ضاجعتها كما يأتي وحيد القرن أنثاه).وحيد القرن؟ يبدو حمودان بالأحري وكأنه وردة تميل من أخف ريح. ومع ذلك يظل فرنش دريم كتابا يخترق كل صفحاته لحن حفل عنيد. هناك أيضا مقاطع رائعة عن ضاحية سان دوني حتي أنه يخطر ببالنا، أحيانا، كتاب أيام هادئة في كليشي لهنري ميلر أو كتاب جورج أورويل الفقر في باريس ولندن .يظل محمد حمودان الذي ولد عام 1968 من هؤلاء الكتاب الشباب الذين يذكروننا أن الموهبة تضرب أينما شاءت وقتما شاءت . طوبي لمن يعي! سليم جايترجمة : صالح دياب عن قنطرة QMK0