رشيد الضعيف: الأسلوب الجميل ينتمي الي المطلق والأسلوب الصحيح ينتمي الي التاريخ!

حجم الخط
0

رشيد الضعيف: الأسلوب الجميل ينتمي الي المطلق والأسلوب الصحيح ينتمي الي التاريخ!

ناظم السيدرشيد الضعيف: الأسلوب الجميل ينتمي الي المطلق والأسلوب الصحيح ينتمي الي التاريخ!بيروت ـ القدس العربي ـ من ناظم السيد : قبل نحو سنة نشرت تحقيقاً في صحيفة النهار اللبنانية عن العلاقة بين السيرة والرواية. تكلمت مع عدد من الروائيين أمثال محمد أبي سمرا، علوية صبح، فضيلة الفاروق ورشيد الضعيف. الجميع أرسلوا اجاباتهم مكتوبة الا رشيد فقد سألته بضع أسئلة سريعة عبر الهاتف. كان همي في التحقيق ايجاد مطابقات بين بعض الروايات اللبنانية وحياة كاتبيها. ومما ذكرت أن الزوجة الفرنسية في رواية تصطفل ميريل ستريب التي كانت تخون زوجها اللبناني مع فرنسي في البناية قد تكون مستمدة من حياة الروائي نفسه. لم أفكر في الأمر من باب الخبث. كنت مندفعاً و غير أخلاقي بالمعني الصحافي للوصف. كنت مثل المصوّر الذي ترك النسر يأكل الطفل الأفريقي الذي يُحتضر من الجوع لتصويره بدل انقاذه (صورة شهيرة نالت جائزة عالمية). لكن رشيد الضعيف المطعون بجملة مسيئة عن براءة اتصل بي غاضباً. بعد أيام التقيت الرجل واعتذرت اليه. ومع ذلك لم يصدر مني أي توضيح مكتوب: لقد كانت المرأة في الرواية لبنانية بينما طليقة رشيد الضعيف فرنسية. كانت غلطة نادرة في مقالاتي تقريباً تطلب مني الآن الاعتذار وبجرأة. المهم أن رشيد الضعيف الرجل المسالم تسامح مع الأمر رغم أن عبارة مشابهة قد تُشعل حرباً في لبنان.بعيداً عن هذه الحادثة يُعدُّ رشيد الضعيف أحد أبرز الروائيين اللبنانيين من جيل الحرب. كتب الحرب والجنس. صوّر شخصيات خائفة ومترقبة ومرتقبة وقلقة في روايات الحرب. بني شخصيات مهتاجة ومشككة وداعرة وخائبة في الجنس. بعضٌ من رواياته تحوّل الي السينما والمسرح. وغالباً ما تثير أعماله نوعاً من الصخب. مع ذلك، يصنّف آخرون روايته علي أنها قصة طويلة. ويري غيرهم في لغته بساطة تبدو غريبة بين الروايات اللبنانية عموماً لدي جيل السبعينات والثمانينات علي الأقل.بدأ رشيد الضعيف الكتابة شاعراً. نشر ديوانه الأول حين حلَّ السيف علي الصيف عام 1979. ثم تبعه بعد سنة بديوان ثانٍ. روايته الأولي المستبد نُشرت عام 1983. نشر بعدها احدي عشرة رواية. لكنَّ كتابه الأخير عودة الألماني الي رشده أثار نقداً ولغطاً في الصحافتين العربية والألمانية بعد اتهام الروائي الألماني، بطل الكتاب، يواخيم هلفر، رشيد الضعيف بمعاداة السامية والذكورة وغير ذلك.هنا جولة مع الضعيف في عالمه الروائي وما نما حوله من انتقادات وتهم وانتشار. كتبت عن الحرب من دون أن تصفها وصفاً خارجياً كما في المستبد و فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم و ناحية البراءة . ليس هناك فعل مادي للحرب في رواياتك من دمار وقتل وما الي ذلك. فقط عبّرت عن الحرب من خلال شخصيات متوترة وقلقة. هل كان هذا مقصوداً؟ هل هذا هروب من بشاعة الحرب؟ من الصعب أحياناً أن ندرك ماذا نقصد وماذا نريد أن نقول، لأننا نكون حينها نتصرف بأحكام اللحظة. لا شك أنني لم أتكلم عن الحرب كاشتباك بين قوي واستراتيجيا وخرائط ومعارك. لقد تكلمت عن معاناة الفرد. ليس هناك أحداث كبري في معظم رواياتك. كل ما هنالك هذا الضيق الذي يرسم شخصياتك كبطلي المستبد و فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم . هل كان هذا تأسيساً لرواية سيكولوجية عُرفتَ بها لاحقاً؟ روايتي ليست سيكولوجية وان كانت تتكلم عن أفراد مأزومين بسبب شعورهم بأنهم في ورطة. قصدت بكلمة سيكولوجية ذلك العالم الجواني الذي يدور في دواخل شخصياتك. البطل لديك مثلاً يفكر في سره أكثر مما يتكلم. ثم هناك الجنس الذي غدا ملمحاً من ملامح رواياتك لاحقاً؟ هناك جانب جواني لكنه ليس سيكولوجياً. بمعني أنه ليس تشريحاً لنفسية الفرد في ردِّ فعله علي الحرب. أظن ذلك. قد تكون أنت معك حق. هل هذا العالم الداخلي هو تعبير عن رهاب شخصياتك؟ لا شك أن للصدمة الكبري والخيبة الكبري التي عبّرت عنها في كثير من رواياتي أثر علي نتاجي.الأسلوب المناسب أنت عموماً روائي جواني لا يعنيك الحدث الخارجي بقدر الحدث الداخلي. غالباً ما تبني روايتك علي حدث بسيط. أظن أن هذا ما يفعله حسن داوود ومحمد أبي سمرا بلغة مختلفة تماماً. هل هذه ميزة في الرواية اللبنانية؟ هناك ما يجمع هذا الجيل من الكتّاب الذين كتبوا في تلك الفترة أمثال حسن داوود، محمد أبي سمرا، هدي بركات وآخرين. أقصد بذلك تقديم التأمل علي السرد؟ ليس هناك من فرق بين التأمل والسرد. السرد يسرد التأمل. انهما ليسا مفهومين متقابلين. ملاحظتك لا شك فيها شيء من الصواب، لأنني أحاول وأنا أكتب أن أجمع بين سرد تموّجات النفس وسرد الأحداث. أحاول أن أجمع بين الاثنين لئلا يغلب وصف تموّجات النفس علي الجانب الحدثي في الرواية. طبعاً، هذا التوليف يغلب فيه أحياناً جانب علي آخر. ولكن رواية معبد ينجح في بغداد كلها حدثية، بينما أهل الظل يغلب فيها الجانب الآخر. هل السبب أن معبد ينجح في بغداد (صدرت في رياض الريس للكتب والنشر عام 2005) رواية تاريخية، وهي غريبة علي نتاجك الآخر، وبالتالي فان تاريخيتها تجعل الأحداث بعيدة عنك، أي أقل حرارة تجاهك؟ هي ليست رواية تاريخية بمعني أنها تعيد تركيب حدث تاريخي. انها رواية تأخذ أعداداً هائلة من الأحداث أو الأخبار كما تُسمّي في التقليد السردي العربي ثم تطبخها. لماذا اخترت هذا الموضوع أنت الواقعي في جميع رواياتك التي تتحدث عن الراهن (سيرة المغني معبد الذي دخل دار الأمين أيام حربه مع أخيه المأمون والتي انتهت بقتل الأول)؟ لأنني مغرم بكتب النثر العربي القديمة. ألا تري أن هذا الغرام جاء متأخراً مقارنة برواياتك الأخري؟ في كل كتبي تقريباً هناك أخبار مأخوذة من التراث العربي ومعصرنة. خذ مثلاً ليرننغ انغليش . في هذه الرواية، حلم الوالدة مأخوذ من الشعر والشعراء لابن قتيبة. في عزيزي السيد كواباتا هناك نص من الأغاني للأصفهاني عن والدة الأخ غير الشقيق لعمر بن أبي ربيعة. قسم كبير من انسي السيارة مأخوذ من هذه الكتب القديمة لكنه معصرن. هناك مقال للدكتور أسعد خيرالله في مجلة أبحاث ، العدد الأخير، عن هذه الاستعارات ـ اذا جاز التعبير ـ في رواية انسي السيارة . في كل كتبي ثمة اشارات لمواضيع رئيسية موجودة في التراث ومعاصرة. حتي في كتبي الشعرية. اقرأ لا شيء يفوق الوصف . هناك نص عن ابن جني الفقيه اللغوي. ومع ذلك لغتك واقعية. كيف توفق بين هضم التراث واللغة اليومية العادية من فرط اقترابها من المحكية رغم أنها فصحي سليمة؟ لا شك أنك تقصد بكلمة لغتي أسلوبي. لا أوافقك لأن رواية أهل الظل اعتمدت في أسلوبها ما استطعت من الأساليب البلاغية الغنائية العربية. رواية غفلة التراب كذلك. هناك مقاطع أعتمد فيها أساليب بلاغية بالمعني الأدبي المعروف. لكن غالباً ما أتعمّد استعمال أسلوب يكون في خدمة الحدث، أسلوب يتواري خلف الحدث. ثم انني أحاول أن أكتب بأسلوب لي، يعني خالياً ما أمكن من العبارات التي ليست لي من مثل بين الفينة والفينة ، في غيهب الذكري ، دون جدوي ، فتح مبين ، النسيم العليل وغيرها. هذه العبارات تعطي انطباعاً بأن كاتبها متملك من العربية وبأنه يكتب بأسلوب عربي جميل . أنا أسعي لأن أكتب بأسلوب صحيح، أي مناسب ، وأن أتحاشي ما استطعت أن يكون أسلوبي جميلاً . أعتبر أن الأسلوب الجميل في العربية ينتمي الي المطلق، بينما الأسلوب الصحيح المناسب ينتمي الي التاريخ. وأنا هواي التاريخ لا المطلق. البعض يسمّي روايتك بناء علي تكوّنها من خلية واحدة، حدثاً واحداً، قصة طويلة. ما رأيك؟ لا اعتراض لديَّ علي هذا القول. ممكن أن تكون هذه النقطة موضوع بحث أو دراسة في الجامعة أو ما بين النقاد. توزيع أي عمل علي الأنواع الأدبية لا يضرُّ في قيمته الأدبية. ألا تخشي أن يعني هذا الأمر نقصاً في التأليف، نقصاً في الاختراع، بسبب غياب العوالم والطبقات والمتعددة؟ اطلاقاً، أنا لا أنسج علي منوال. أكتب بحــريتي. وكل كتابة بحرية هي مخاطرة. حتي شخصياتك ملتصقة بالواقع، قلَّ ما تدفـــعها الي مواقف تراجيدية أو متأزمة؟ لا أدري ما هي الأسباب النفسية العميقة لهذا. كل ما أستطيع قوله هو أن هذا ما أشعر بالحاجة الي قوله. هذا ما يسكنني. هذا هو محتوي وعيي أو محتوي وجــداني. العملية ليست قصدية. لأطرح عليك السؤال بصيغة أخري: الخوف من الحرب، الخوف من الجنس. ثمة قلق يحرّك شخصياتك دائماً. لكن غالباً ما يكون الحدث بحدِّ ذاته هشّاً. لنقل ان ثمة بناء شعرياً لروايتك. ثمة توتر لغوي يقود السرد، وأنت بدأت حياتك الابداعية شاعراً، اذ نشرت ديوانين ثم أتبعتهما بثالث؟ لا أوافق علي هذه الفكرة لأن اللغة الشعرية ليست بالضرورة متوترة. الشعور في الرواية بالتوتر قد يأتي من البناء الذي يجعلك تلهث لتتابع. التوتر ليس صفة شعرية لازمة. هناك شعراء كبار أسلوبهم غير متوتر مثل سعيد عقل وأدونيس باستثناء بداياته. تحضر السيرة الذاتية في رواياتك. بطل المستبد أستاذ جامعي مثلك وبطل فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم يعيش في بيروت الغربية بعيداً عن منطقته ابان انقسام بيروت في الحرب الأهلية، وأنت المسيحي عشت فعلاً أثناء الحرب في بيروت الغربية. حتي ان أحد أبطال ليرننغ انغليش اسمه رشيد. وكذلك أحد أبطال تصطفل ميريل ستريب . الي أي حدٍّ تشكل حياتك خلفية لرواياتك؟ السيرة الذاتية موجودة وغير موجودة في الوقت نفسه. أنطلق من فكرة، من حدث، من عبارة، ثم أبني عليها. دائماً أضع نفسي مكان الشخص الذي أتكلم عنه في رواياتي، ما يسمح بتسرّب صفات مني. دعني هنا أستشهد بمقال للروائي الألماني ميشائيل كيلبرغ (كان مقالاً طازجاً حصل عليه بالصدفة قبل موعد اللقاء بيننا بوقت قصير): اللعب المشابه للسيرة الذاتية هو لعب بالأسماء الحقيقية والأشخاص الحقيقيين، وهو صفة تتسم بها كل روايات رشيد الضعيف. أسلوب يعتمد مبدأ مفاده أن لا شيء يخفي الحقيقة أكثر من الواقع. يكتب الضعيف بصفة الأنا، كما يحمّل أبطاله اسم رشيد دائماً، وهم يشبهونه كما تشبه بيضة أخري. ولكن ما يكتبه ليس سيرة ذاتية أبداً، بل لعبة لولبية متشابكة مع أنا ذات ملامح جمعية أكثر منها فردية، أنا عادية عمداً لكي تكشف للانسان طبيعة الانسان . هل من فرق بين السيرة والرواية؟ هل الرواية سيرة ذاتية مقنّعة؟ من جانب ما، من وجهة نظر ما، ممكن.الجنس الوظيفي لنعد الي موضوعاتك. اضافة الي الحرب، يشكل الجنس ثيمة أساسية لديك. وهو موضوع يزداد حضوراً مع تقدّمك في العمر. لماذا لا تخلو رواية لك من الجنس، كما أن روايات بكاملها عندك قائمة علي هذا الموضوع مثل تصطفل ميريل ستريب و انسي السيارة ؟ أولاً، لا أوافقك علي وصفك. أنا لا أكتب عن الجنس. أنا أكتب عن العلاقات بين الرجل والمرأة وعن الأخلاق التي تحكمهما. كل وصف جنسي هو وصف وظيفي لا يبغي الا تدفق السرد وخدمة الرواية لا أشياء أخري. في تصطفل ميريل ستريب يبدو الوصف الجنسي ضرورة لتبيان التناقض بين الرجل والمرأة، لأن في هذه اللحظة الحميمية التي هي الفراش أكثر ما يظهر الخلاف في المفاهيم وفي تصور الحياة. في هذا السلوك التفصيلي تظهر كل المشاكل القائمة بين الرجل والمرأة. تقول ان الفراش أحد ميادين الصراع بين الشرق والغرب. هذا التصريح نوع من التكرار لموضوعات رواياتك. ليس الموضوع موضوع تكرار. تكلمت عن الشرق والغرب اذا جئنا الي الموضوع من باب حوار الحضارات أو من باب الحداثة والتقليد. عندما نقول الحداثة نقول الغرب. وتحرر الجنس جزء من الحداثة الغربية. اطلاقاً، هذا خطأ. عد الي التراث العربي، ستجد أن الجنس نشاط انساني فحسب. انه مقبول ومنتشر. تتحــدث عن فترة حــداثية وقتئذ في الحضـــارة العــربية (والاســــلامية أيضاً). وفي الجاهلية أيضاً هناك كلام عن الجنس. لا ننسي أن موسم الحج عند العرب ـ علي الأقل عند الأرستقراطية العربية ـ مثل عمر بن أبي ربيعة وخلفاء ومغنين، كان موسم فرح. اذاً، القول ان الحرية الجنسية هي غربية قول خطأ. الحرية الجنسية تقليد عربي. ثم ان الفصل بين الجنس والعاطفة الملزِمة هو تقليد عربي. تذكر فقط ما كان يقوله العذريون: الولوج للولد أما الجنس فيكون بالقبلة واللمسة . من هنا أهمية العودة الي التراث العربي واستلهام هذا الكنز. لذلك عدت الي الأغاني للأصفهاني و مروج الذهب للمسعودي وكتبت معبد ينجح في بغداد . لقد قلدت الأصفهاني في طريقة تعامله مع شخصياته. بُهرت بطريقة تعامله هذه فاستلهمتها. هل الجنس في أعمالك تعبير جانبي عن الحرب؟ هل يتشابهان؟ هل الجنس الوجه المضاد للحرب؟ ربما، لكن في الحقيقة لست في موقع من يحسن الاجابة علي هذا السؤال. تطرح الجنس في معظم كتاباتك بوصفه مخلّصاً. هل هو فعلاً كذلك؟ اطلاقاً، لا أوافقك. في المستبد ثمة نوع من الهزء بمعني ما من الجنس. البطل، الأستاذ الجامعي، يكتشف أن الجنس لا يوصل الي مكان. في انسي السيارة الجنس لا يخلّص شيئاً. انه متكلم عنه كنشاط انساني فقط. في كتاباتي ليس هناك اعتبار علي أن الجنس خلاص ميتافيزيقي، بل دائماً أهزأ من شعراء الغزل المعاصرين الذين يتناولون الجنس كأنه حل ميتافيزيقي لمشاكلهم الوجودية والحياتية. هل للجنس عندك أبعاد أخري؟ هل هو تعبير عن كبت اجتماعي وسياسي، ولا سيما أن أبطالك في معظمهم مسكونون بالجنس تحركهم شهوات مفاجئة؟ أبداُ، علي الأقل في وعيي. مع ذلك تعتبر نفسك مهتماً بالبحث في الأخلاق من خلال الجنس تحديداً. في العمق ربما أوافقك، لكن استخدام الجنس بهذا الافراط ألا يطرح سؤالاً في الأخلاق لدي البعض علي الأقل؟ كما قلت لك، للجنس ضرورة وظيفية في كتبي. رغم تحرر أبطالك جنسياً تبدو شخصاً محافظاً. يمكن تلمّس ذلك من خلال كتابك الأخير عودة الألماني الي رشده ، ولا سيما موقفك من الفردية والمثلية الجنسية والعائلة والانجاب. بدوت ضد الغرب في مسائل كهذه. بالعكس، حاولت أن أدافع في هذا الكتاب عن حق المثليين. لكنك تقول فيه ان المجتمع الذي يشرّع المثلية يكون يكفُّ عن انتاج نفسه. واذا سمحت لي باجتهاد هنا، كأنك تقول ان مجتمعاً يعطي المثليين حق العيش المشترك والزواج والانجاب أو التبني، هذا المجتمع يخصي نفسه بنفسه؟ طبعاً، هذه ليست رغبتي ولا موقفي. أنا أقول ان هذا يؤدي الي ذاك. لقد أظهرتُ رهاب المثلية في الأيديولوجية السائدة. وكثيرون يعتبرون هذا الكتاب هدية لهم، وأظن أنهم علي حق. هذا الكتاب يتحدث عن يواخيم هلفر، الكاتب الألماني الذي التقيته ستة أسابيع في ألمانيا وثلاثة أسابيع في لبنان، ضمن برنامج ديوان شرق ـ غرب الذي موّلته الحكومة الألمانية ونظّمه معهد غوته ومؤسسات ألمانية أخري، وذلك في سبيل تعزيز الحوار الثقافي بين الكتّاب خصوصاً. ثمة تناقض بين أفكارك الروائية وأفكارك الحياتية في بعض مسائل الجنس. في رواياتك تبدو ميالاً الي تحرير الجسد، المذكر والمؤنث، لكن هذا التحرير يبدو أنه لا ينطبق علي المثليين. علي الأقل هذا ما فهمه هلفر نفسه الذي ترجم كتابك الي الألمانية مع اضافات وتعليقات له؟ اذا كانت القضية قضية رأي فأنا شخصياً مع حق المثليين في عيش اختلافهم بشكل مطلق، مع حقهم في عيش فرادتهم، دونما اكراه من أي مصدر كان، قانونياً أو شعبياً أو رسمياً… أكرر أنا مع حقهم في أن يكونوا ذواتهم، لكني في كتابي عودة الألماني الي رشده استعملت الأنا الجمعية. هذه ليست أناي. ألقيت في هذا الكتاب الضوء علي الممارسات والمشاعر والأفكار القامعة للمثلية. لهذا يبدو تحرير الجسد في رواياتك مبنياً علي مفهوم ذكوري. أقصد علي المتعة لا علي التحرر؟ هذا موضوع تقليد وليس أخلاقياً. عندما أتكلم عن شخص في روايتي فانني أنطلق من كلامي عنه من منطقة الذاتي ولا ألقي علي لسانه كلاماً غير كلامه. بهذا المعني أبدو أنني أدافع عنه. لكنني في الحقيقة لا أدافع عنه ولا أنتقده. أتكلم عن كل رواياتي. ولكن كوني أضيء هذه المواضيع ـ وهنا أتكلم كقارئ وناقد ـ هذا يعني أنني مع حرية الناس. وما سر هذه الرغبة في عذرية المرأة التي تظهر كهاجس في بعض أفكار شخصياتك وسلوكهم؟ أنا أنير مشاكل شخصياتي التي أتكلم عنها. ان الكلام علي هذه المواضيع بهذه الطريقة يساعد في تشكيل وعي جديد لمشاكلنا المعاصرة خارج أطر القضايا التي صارت تشلُّ فكرنا. هذا من ضرورات الانتماء الي العصر والمشاركة في هذا الكون.تأويل معاداة السامية في كل حال، سبّب لك كتاب عودة الألماني الي رشده بعض المشاكل. يواخيم هلفر ( الروائي الألماني وبطل الكتاب الحقيقي) ترجم الكتاب الي الألمانية ونشره علي شكل مقاطع تفصل بينها تعليقات مسهبة من عنده. كما أنه اتهمك بأنك ذو ثقافة ذكورية ومعاد للسامية. ما الذي حصل بالضبط، ربما من الجيد توضيح هذه المسألة التي تحولّت سجالاً في بعض الصحف الألمانية والعربية؟ هلفر تعمّد سوء الفهم ليسهّل عليه التشهير اذا جاز التعبير، وليصفّي حسابات أخري. ولا شك استفاد من كوني عربياً ومن موقفي المعادي للممارسات الاسرائيلية. وقد خلط بين اليهودية واسرائيل ليسهّل عليه الأمر. هل صحيح أنك شككت في أرقام المحرقة النازية أثناء زيارتك المتحف اليهودي في برلين كما قال هلفر؟ لا يجوز اطلاقاً الانطلاق من حسابات وأرقام للكلام علي معاناة اليهود أثناء حكم النازية. تلك كانت جريمة في حق الانسانية. لا أسمح لنفسي باستغلال هذه المأساة الانسانية في أي اتجاه كان. هذه وصمة عار. كل جريمة وخصوصاً من هذا النوع يجب أن يندي لها الجبين. لكن هذا لا يعني علي الاطلاق ألا يكون لنا موقف من اسرائيل الدولة. روايتك تصطفل ميريل ستريب تحولّت مسرحية من اخراج نضال الأشقر وسيناريو الجزائري محمد القاسمي وتمثيل رنا علم الدين وايلي كرم (عُرضت باللغتين العربية والفرنسية في بيروت وباريس). في المسرحية ثمة تشويه للنص. الزوجة في الرواية خدعت زوجها بادعائها العذرية رغم ممارساتها كل أنواع الجنس قبل زواجها. المسرحية تبرر هذه الخديعة بأسباب اجتماعية وهي تعرّض الزوجة سابقاً لاغتصاب، وهذا ما لم تقله الرواية. كيف نظرت الي هذه النقطة تحديداً؟ موقفي من هذا الأمر أنني كتبت الرواية ولا أتدخل في عمل الآخرين. هذه رؤيتهم وهم أحرار. أضاف محمد القاسمي الي رواية تصطفل ميريل ستريب مقاطع من روايتي عزيزي السيد كواباتا . الــثلث الأخير من المسرحية عملياً هو من عزيزي السيد كواباتا . شخصياً، لا أعتقد أن هذا المزج يفيد المسرحية. لكن سؤالي عن النقطة الأساسية التي تقوم عليها المسرحية: الزوج المحافظ والزوجة التي تمارس الكذب بادعاء العذرية. لقد صورّت المسرحية أن المرأة في مجتمعاتنا لا تمارس الجنس قبل الزواج الا من خلال الاغتصاب، وهذا أمر غير حقيقي. ألا يخرّب هذا التعديل الفكرة التي تقوم عليها الرواية؟ هذه قراءة مختلفة عن رؤيتي تماماً. لذلك أقول هذه قراءتهم. في هذه الرواية تنقيب أركيولوجي في أعماق الذكورية كما قال عنها صبري حافظ. رواية المستبد صارت فيلماً سينمائياً بعنوان زنار النار للمخرج بهيج حجيج. كيف وجدت الفيلم؟ كذلك هذه قراءة بهيج حجيج لروايتي، وقد استعار أيضاً من رواية فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم ، ولم أعترض، فاسحاً له المجال في أن يحقق رغبته في انجاز عمله. هناك تيلي فيلم لمخرج سويسري يدعي سيمون الدنشتاين وتمثيل جان لوك بيدو، عن رواية فسحة مستهدفة بين النعاس والنوم . لقد أصاب المخرج في نقل جو الرواية رغم أنه سويسري، ورغم أن التمثيل جري في جنيف وليس في بيروت حيث تجري أحداث الرواية وسط حرب أهلية. بماذا تشعر حين تجد عملك صار عملاً آخر؟ أشعر بقوة بلا شيء. في رواية أهل الظل كتبت عن فكرة رجل حين يشقُّ صخرة يكتشف جوفها الأبدي. فجأة حين تنشق الصخرة يشعر بشيء من القوة بلا شيء. تكتب رواية واحدة كل سنتين. أحياناً كل سنة وأحياناً كل ثلاث سنوات كما تُظهر تواريخ نشر رواياتك. ألا تخشي هذه الكثرة؟ أحياناً تمرُّ فترة من دون أن أنشر. أسألك هذا السؤال لأنك تقول عن نفسك انك عامل ولست موهوباً. لأنني أعمل. قصة الكاتب الألماني كتبتها بنحو 90 صفحة. هل الروائي حرفي بناء علي طريقتك في الكتابة؟ العمل بحرفية هو انصات لعواطف الانسان وأفكاره ومشاغله. العمل الدائم هو انصات دائم لمشاكل الكاتب في عصره. ليس هناك من تعارض علي الاطلاق. هناك فكرة في أوساط الكتّاب والشعراء تقول ان علي الكاتب أن يكتب الحياة ويترك الكتابة الي وقت الالهام. هذا موقف بدائي جداً. ما معني أن يعيش الانسان الحياة؟ أذكر أن أحد الكتّاب الفرنسيين قام بجولة حول العالم ليشحذ مخيلته التي أصابها الملل فتوقف عن الكتابة. ولما عاد من جولته الي بيته وجلس الي مكتبه قال ما معناه: لقد أضعت وقتي. أخيراً، ماذا عنت لك الترجمة بعدما نُقلت روايات لك الي الفرنسية والانكليزية والايطالية والاسبانية والهولندية والسويدية والبولونية واليونانية؟ اذا كنت فعلاً أريد أن أكون صادقاً مع نفسي أقول لك لا أدري. ولكن اذا كان لا بدَّ من الجواب فأستطيع أن أجيبك ببعض عناصر الجواب وليس كله. هناك الغرور. الترجمة تدغدغ غرور الكاتب بلا شك بما أننا بشر ضِعاف. هناك شيء آخر قد يكون مفيداً وهو ردود الفعل الجدية علي هذه الترجمات التي قد تستعين بها كمرآة تساعدك علي فهم ما تكتب وفهم موقع ثقافتك (موقع الثقافة التي تنتمي اليها) من الآخرين. وثمة أمر جدير بالملاحظة وهو أن الترجمة تسهّل عملية الفرز بين ما هو شخصي عندك أو فردي وبين ما هو عام. علي سبيل المثال، لم يفهم يواخيم هلفر معني الاحتفاء بالذكورة كما أوردتها في عودة الألماني الي رشده ، أي ان هذا الاحتفاء ليس شخصياً بل هو مسألة عامة في مجتمعاتنا.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية