حزب الله: نهج الانتصار وضمانة الاستقرار في مواجهة رياح الفتنة

حجم الخط
0

حزب الله: نهج الانتصار وضمانة الاستقرار في مواجهة رياح الفتنة

د. سعاد الطيف الفيتوريحزب الله: نهج الانتصار وضمانة الاستقرار في مواجهة رياح الفتنةلم يغب عن بال العديد من المراقبين انه عندما اطلقت فئات في السلطة في لبنان مؤخرا العنان لبلطجيتها وعناصرها الميليشياوية للاعتداء علي الطلبة في جامعة بيروت العربية، مستخدمين العصي، والسلاسل، والسكاكين، وحتي الاسلحة النارية، فانها قد دفعت بلبنان خطوة اخري علي طريق التناحر الذي يختزن صراعات مذهبية وطائفية ونحو هاوية الاقتتال والاحتراب الاهليين. اشباح اقتتال الاخوة المجنون هذا اطلت من خلال ما انطوت عليه هذه الاحداث الدامية من محاولات واضحة لتفجير التشنجات المذهبية في لبنان التي تقتات علي ما تشهده المنطقة من احتقانات مذهبية جراء دوامة العنف الاعمي التي تجتاح العراق. بيد ان ممارسة المعارضة، التي يقودها حزب الله، لاقصي درجات ضبط النفس لجمت الانزلاق نحو شفير الحرب الاهلية ودخول نفق الاقتتال علي ايقاع الفتن الاقليمية. وهذا الالتزام بالسلم الاهلي، والذي اعرب عنه الامين العام لحزب الله مرارا وتكرارا بالتأكيد علي عدم الانجرار الي هاوية الاقتتال حتي لو سقط الف شهيد من المعارضة، كان وما يزال ضمانة التعايش والوفاق الاهليين في ظل الأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد منذ شهرين، وهو، بما ينطوي عليه من تحرج من الانجرار في خضم التنافس السياسي الداخلي في لبنان وراء لعبة الدم واقتتال الاخوة، يفسر جزءا من امكانية احتفاظ حزب الله بموقع طليعي في المواجهة الاهم لكسب العقول والقلوب، ليس علي الصعيد اللبناني فحسب، وانما علي الصعيد العربي والاسلامي الاوسع.لقد استطاع حزب الله، بترسانته العسكرية المتواضعة وبضعة آلاف من المقاتلين، ان يسجل انتصارا تلو الانتصار علي الآلة العسكرية الاسرائيلية استحال علي اعتي الجيوش العربية، بكل ما تمتلكه من عدة وعدد واللذين يفوقان ما في حوزة حزب الله اضعافا مضاعفة، ان تجاري ايا منها. واذا ما كان انتصار التحرير في ايار/مايو من عام 2000 قد دفع بحزب الله ونموذجه المقاوم الي دائرة الضوء، فان الفشل الذريع الذي واجهته اسرائيل في الحرب التي شنتها الصيف الفائت علي لبنان قد جعلت من حزب الله بحق اكثر الاحزاب السياسية شعبية في العالمين العربي والاسلامي.والحرب الاخيرة لم تطرح اسلوب حزب الله في العمل كمنهج قابل للتعميم عربيا واسلاميا فحسب، وانما اثبتت ايضا عقم وعجز الآلة العسكرية الاسرائيلية واساليب العدوان الخارجي عن اغتيال تجربة حزب الله. ولعل هذا هو ما حدا بالقوي التي تريد راس الحزب الي ان تعمل علي محاولة اغراقه في مستنقعات السياسة الداخلية اللبنانية. فحزب الله سجل في الحرب الاخيرة انتصارا استراتيجيا حقيقيا احدث زلزالا في المؤسستين العسكرية والسياسية الاسرائيلية كانت استقالة دان حالوتس، رئيس الاركان الاسرائيلي السابق، آخر هزاته الارتدادية في عمق الكيان الصهيوني. وقد شكلت هذه الاستقالة مؤشرا علي الانهيار المعنوي الذي اصاب هاتين المؤسستين، وهي لن تكون آخر الغيث في هذا الانهيار الداوي الذي بدات تباشيره الاولي تطل من خلال اندحار القوات الاسرائيلية عن جنوب لبنان.والمخاوف التي تساور صناع القرار في كل من واشنطن وتل ابيب من حزب الله كانت تتنامي بالتساوق مع الانتصارات والانجازات العسكرية التي يسجلها الحزب في مواجهته المستمرة للمشروع الصهيوني-الامريكي في المنطقة، فضلا عن تنامي بنيته العسكرية وقدراته السياسية وتمتين اواصر الصلة بينه وبين القوي الفلسطينية المقاومة. وهذه المخاوف التي تقف وراء تصاعد الحملة المسعورة علي الحزب اعرب عنها رئيس الاركان الاسرائيلي السابق موشيه يعالون حين اعلن ان حزب الله لم يكتفِ بمحاولات الاختراق الامني للمنظومة المخابراتية الاسرائيلية، وانما استطاع ان يزرع عشرات الخلايا داخل الاراضي الفلسطينية المحتلة، وان يعمل علي تقديم الدعم العسكري والتسليحي للفصائل الفلسطينية المقاومة. وهذه المخاوف تتأتي ايضا من كون حزب الله يطرح نموذجا اسلاميا فريدا من نوعه من حيث انفتاحه علي الآخر المختلف وتفاديه للصراعات الداخلية، وهو نموذج مغاير تماما لذاك الذي طرحته وتطرحه قوي اخري علي خارطة الجماعات الاسلامية المعاصرة مثل حركة طالبان والقاعدة، والتي تضع نفسها في مواجهة دامية مع الصديق والعدو علي حد سواء. فحزب الله هو حزب سياسي، وهيئات خدمية واهلية وتعليمية وصحية، ومراكز ابحاث ودراسات، ومؤسسات اعلامية، وليس مجرد مجموعة من الخلايا المطاردة المشتتة ايادي سبأ في اربع رياح الارض كما هو الحال مع تنظيمات السلفية الجهادية التي تنتمي اليها القاعدة وطالبان.من رحم هذه المخاوف ولدت سيناريوهات سياسية، بعضها اقليمي وبعضها الآخر دولي، سعت الي شطب حزب الله من المعادلة السياسية العربية عبر افراغه من مضمونه المقاوم، عن طريق تحويله الي حزب سياسي مدني هامشي ومطيع، دون جناحه العسكري. هذا الهدف بات واضحا في اعقاب الانسحاب السوري من لبنان، عندما صرح شمعون بيريز بانه بعد وصول الاحتلال السوري للبنان الي نهايته، نأمل ان نري انتهاء احتلال حزب الله للمنطقة ايضا، وان نري لبنان حرا وديمقراطيا يعيش بسلام وازدهار الي جانبنا . ولكن حزب الله، الذي اتقن فن قراءة تبدل اتجاهات رياح السياسة، اثبت مرونة وحذاقة سياسيتين نادرتين وقدرة علي التأقلم مع المستجدات السياسية عندما دخل الحكومة اللبنانية التي شكلها فؤاد السنيورة ليفوت الفرصة بذلك علي محاولات عزله بحجة كونه حزبا عسكريا لا يحمل رؤية سياسية او مشروعا اجتماعيا. وبدخول حزب الله قلب صناعة الحدث السياسي في لبنان بدأت محاولات النفخ في نار الفتنة وتفكيك الوطن من الداخل ليسهل تنفيذ ما يراد له من الخارج.وشرارة التناحر المذهبي التي اندلعت في محيط جامعة بيروت العربية في 25 كانون الثاني/ يناير لم تكن هي الشرارة الاولي من نوعها. فلقد سبقتها شرارات اخري مشابهة من خلال الاعتداءات التي ارتكبتها عناصر موالية لاطراف في ائتلاف 14 آذار/مارس الحاكم ضد المحتجين خلال الاضراب الذي عم البلاد وشل الحركة في مناطق واسعة منها قبل ذلك بيومين. وجاء الاضراب العام لكي يتوج سلسلة من التحركات الرامية الي الضغط علي حكومة السنيورة للقبول بتشكيل حكومة وحدة وطنية تعطي المعارضة التي يتراسها حزب الله، وتضم في صفوفها تيارات تمثل كافة اطياف الشعب اللبناني، من امثال التيار الوطني الحر الذي يقوده الجنرال ميشال عون، وتيار المردة بزعامة الوزير السابق سليمان فرنجية، والتيار الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عمر كرامي، تعطي هذه المعارضة ثلث الحقائب الوزارية زائدا واحد، وهو العدد الذي يشترطه الدستور لممارسة حق النقض (الفيتو) في شأن القرارات الاساسية التي تتخذها المعارضة. كما انه يضمن للمعارضة امكانية اسقاط الحكومة، حيث ان الدستور ينص علي سقوط الحكومة تلقائيا باستقالة ثلث اعضائها.وقد رأت قوي السلطة في الثلث المعطل، او الضامن كما اصطلح علي تسميته، خطا احمر. وجادلت شخصيات بارزة فيها بان اعطاء المعارضة نسبة الثلث في التشكيلة الوزارية يجعل الحكومة رهينة في ايدي المعارضة، حيث ان ذلك ينطوي ضمنا علي اعطاء المعارضة فرصة الاطاحة بمشروع تشكيل المحكمة الدولية التي ستنظر في اغتيال رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري بدعوي حماية دمشق من ان تُدان في هذه الجريمة. وعلي حد قول وزير الاتصالات مروان حمادة فان المطالبة بالثلث الضامن يضع الحكومة تحت مقصلة القرارات السورية-الايرانية.وهذه الحجة واهية تجافي الحقيقة ولا تصمد امام مبضع التمحيص والنقد. فالثلث الضامن يعطي المعارضة امكانية المشاركة الحقيقية في السلطة والقرار السياسي، كما انه يعطي قوي 14 آذار/مارس ايضا فرصة متساوية لتعطيل مشاريع المعارضة ما يجعل من هذه المشاريع بدورها ايضا تحت مقصلة الحكومة ان لم يكن القوي الخارجية والاقليمية التي تتعهدها بالرعاية والدعم والتأييد. من دون ذلك، سيتحول ممثلو المعارضة المشاركون في الحكومة الي شهود زور بحيث انهم لن يتمكنوا سوي من مناقشة ما يطرح من قرارات في المجلس الوزاري من دون امكانية التأثير علي اقرار هذه القرارات عن طريق التصويت.لقد ادركت قيادة حزب الله مبكرا مخاطر ما يحاك لها من مخططات تستهدف قوة الحزب العسكرية، كما في القرار 1559 الذي يساوي بين سلاح المقاومة الاسلامية التي يقودها حزب الله وبين سلاح الميليشيات التي عاثت في البلاد فسادا ابان سنوات الحرب الاهلية وبالتالي ينبغي نزعه، فضلا عن استهدافها لقوته ودوره السياسيين علي الساحة. وهي لادراكها هذا بادرت بدعوة قوي الموالاة والمعارضة الي حوار وطني بلا شروط يفتح الملفات الاساسية امام النقاش الداخلي بغية التوصل الي حلول تضمن المصلحة الوطنية العليا. وقد توخت في ذلك كله تفريغ الهجمة الامريكية-الاسرائيلية من زخمها ووقف الاندفاع المحموم لبعض القوي الداخلية نحو الصدام مع سورية، لا بل الدعوة الي التدخل الخارجي في ملفات السياسة الداخلية اللبنانية.ويبدو ان دفع قوي الموالاة بالامور الي حافة الاقتتال ودوامة العنف في الشوارع يرمي الي ابتزاز المعارضة وحزب الله عن طريق التلويح بورقة اشعال فتيل الحرب الاهلية، وهي الورقة التي تلتزم المعارضة بعدم الانجرار اليها، لكي تنهي او تخفف من حملتها والتي باتت تشكل مصدر احراج دولي واقليمي لها. فمن الصعب ان تستمر اي حكومة في الزعم بانها تمثل شعبها اذا ما كان نصف الشعب علي الاقل يعلن جهارا نهارا معارضته لها وتشكيكه بصفتها التمثيلية.وخارطة الاهداف التكتيكية والاستراتيجية وراء اندفاع قوي 14 آذار/مارس نحو اتون الفتنة قد لا تنتهي بالابتزاز السياسي الفاضح والمكشوف. فهي تسعي ايضا الي جر مناصري ومحازبي حزب الله الي الرد علي الاعتداءات بالمثل واستخدام السلاح، الذي لم يُشهر لحد الآن الا في معارك الشرف والعزة والكرامة دفاعا عن الوطن وقضاياه المصيرية، في معارك الأزقة والزواريب، وهو ما يجرد المقاومة من مناقبيتها النضالية وتاكيدها علي ان سلاحها للدفاع عن الارض والشعب وتحريرهما من ربقة الاحتلال. ودخول حزب الله في محظور الاقتتال سيحول سلاح المقاومة الي سلاح ميليشياوي آخر، ويعطي حجة اكبر علي ضرورة نزعه.ان خوف مناوئي حزب الله في الداخل اللبناني لهذا الحزب-النموذج يتقاطع مع مخاوف الخارج الاسرائيلي والامريكي من شعبية هذا الحزب المتنامية. ومع تقاطع مخاوف هذه القوي فانها تتلاقي في نزعتها الي تفضيل حرق لبنان في اتون الفتنة المذهبية علي ان يخرج حزب الله وزعيمه نصر الله منتصرين من هذا الصراع، ليتاكد مرة اخري ان الحزب ليس اطروحة لبنانية او شيعية فحسب وانما هو خيار مقاوم يحمل للعرب تباشير عصر جديد من الانتصار وطريق المستقبل. وهو بحنكة قيادته وحكمتها ومراسها في خضم بحور السياسة المتلاطمة وميادين القتال سيتمكن هذه المرة من تفادي محاولات الايقاع به في دوامة الاقتتال ليبقي نهجا للانتصار وضمانة للاستقرار والتعايش في مواجهة النافخين في نيران الفتنة ومؤججي اوارها.ہ كاتبة من ليبيا[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية