فإذن، علي الأقل أوقفوا قصف الجوائز

حجم الخط
0

فإذن، علي الأقل أوقفوا قصف الجوائز

عزت القمحاويفإذن، علي الأقل أوقفوا قصف الجوائز الكلمة هشة وضعيفة، لايمكنها التصدي لرصاص الفرقاء الخارق الحارق لكل ما تبقي من محارق الاحتلال. لا العسكرتارية تسمع أو تقرأ ولا الإسلامجية يشفقون. إذن لتتواضع الكلمة وتتطالب بوقف ما يمكنها وقفه، أو هكذا أظن، فتطالب بوقف قصف الأدب العربي بالجوائز العربية. هذا النشاط فيه مثقفون وأدباء يمكن أن يستمعوا، أو هكذا أظن، بهدف جعل الثقافة أقل تردياً من السياسة والاقتصاد والعسكرية العربية رعاها الله. ولكي نحافظ للثقافة علي خطوة، ياربي ولو خطوة واحدة متقدمة، لابد أن نعود لنسأل عن البديهي: هل من ضرورة لمؤتمرات الشعر والرواية؟ وهل من ضرورة لهذه الجوائز التي تتكاثر كالنار في هشيم الأدب؟ فأما المؤتمرات، وأتحدث عنها من دون حرج (لأنني لست طرفاً فيها، حيث لا أحضر مستمعاً أو متحدثاً في أية ندوة أدبية) فقد تحولت من هدف للتلاقي والإعلاء من شأن فن معين، أو إشهار مولد تيار أدبي جديد إلي مناسبة للتمييز بين مبدعي الفن الواحد، ففي المهرجان الواحد نجد الروائي العادي والروائي السوبر، والشاعر العادي وشاعر قائمة الشرف، والشاعر المستبعد، وفي أغلب الأحوال فإن هذه التقسيمات لاتعتمد علي القيمة الأدبية، بل إن القيمة الأدبية ترفض هذا التصنيف أصلاً. وأما بخصوص الجوائز، فقد تكون المطالبة بوقفها دعوة غريبة خاصة علي أصحاب النوايا الطيبة الذين أنشأوا جوائز أدبية، وهي خطوة تحسب لبعض أثرياء وأمراء الخليج، لأن غيرهم يبدد مثل هذه الملايين في القمار والليالي الملونة من دون أن يصاب شخصياً بالأذي الذي قد يصاب به من يخصص جزءاً من ثروته لجائزة أدبية. علي أية حال، فإن لدينا الآن جوائز تمنحها دول وجوائز تمنحها مؤسسات خاصة. في جوائز الدولة لم تستطع الحكومات المانحة أن ترتفع فوق رغباتها الخاصة أو رغبات بعض وزرائها ممن لايستطيعون (بحكم طبيعة السلطة العربية) أن يفرقوا بين أشخاصهم ومناصبهم، ولا يعرفون المسافة بين الحكومة والدولة، ولا بين أن تحكم أو تملك شعباً وأرضاً وفناً وأدباً. وهكذا تعامل جوائز الدولة، أو الجوائز الوطنية لمبدعي البلد الواحد ـ في الغالب ـ كمنحة لشخص لطيف، حتي لو كان الأقل إبداعاً، ويستبعد المارقون، الخارجون علي الحظيرة وإجماع الأمة الأدبي، الذي هو رأي هذا الوزير أو ذاك الخفير! هذا الصغار الحكومي، جعل جوائز الأفراد أكثر نزاهة، خاصة ما تتم مأسسته من هذه الجوائز. ولكن المأسسة وإن جعلت بعض الجوائز أكثر نزاهة إلا أنها لاتمنعها من الهوي تماماً. ولابد أن نعترف بأن أدوات الجائزة في كل الأحوال (الحكومية والخاصة) هم المثقفون من محكمي الجوائز الذين يضيفون علي طلبات المانحين طلباتهم وانحيازاتهم الخاصة. وحتي إذا افترضنا أن ملاكاً حاكماً أو رجل أعمال أنشأ جائزة وانتدب لها ملائكة محكمين، فإن الاختيار يظل محصوراً ومحكوماً بالمتقدمين للجائزة أو المرشحين. في حين أن هناك مبدعين لايتقدمون بجوائز، وليسوا في مكانة تجعل مؤسسة (تعاني هي الأخري من فسادها الخاص) كالجامعة أو اتحاد كتاب تتحمس لترشيحهم. ولذلك فيجب أن يكون من حق وواجب لجان التحكيم أن تتابع بنفسها ما ينشر وأن تكون لها حرية التصرف للتغلب علي ما يمكن أن يشوب مراحل الترشيح من قصور. فوق كل هذه الملاحظات، هناك ظاهرة ترتبط بانقلاب المعايير العام، حيث انقلبت العلاقة بين المانح والممنوح في الجوائز الأدبية. في الأحوال الطبيعية تأتي الجائزة بمكانتها المستقرة لتمنح أو تضفي هذه المكانة علي الفائز، أي قبل القيمة المادية، تضع الجائزة خطاً تحت تجربة أدبية معينة وتنبه إليها. الآن ما يحدث هو العكس تماماً. الجوائز تبحث عن شرعيتها في أسماء الفائزين بها، وتستمريء السير في الطرق المعبدة السهلة. والأمثلة كثيرة في الجوائز التي يمنحها أفراد، مثل جائزة باشراحيل التي حرصت علي حشد أسماء أدونيس وعمرو موسي وآخرين. (تبرع عمرو موسي بجائزته فضاعفها صاحب الجائزة فتبرع موسي بالزيادة أيضاً). ولكن لماذا تأتي مؤسسات الدولة الصنيع ذاته؟! عندما قرر المجلس الأعلي للثقافة في مصر عقد مؤتمر للرواية ومنح جائزة باسمه أو باسم مصر، كان من الطبيعي أن يبحث عن الأسماء: عبدالرحمن منيف فصنع الله إبراهيم (رفضها) فالطيب صالح. والآن أكتب هذه السطور لتنشر قبل ساعات من بدء ملتقي القاهرة للشعر العربي الذي نظمته لجنة الشعر بالمجلس، ومن المقرر أن يعلن في نهايته يوم الثلاثاء فوز محمود درويش بجائزة الملتقي(إذ لا سر عندنا وهذا أحد جوانب اللطف في جوائزنا ومحكمينا). وحسب المعلن من جدول الملتقي فإن الأمسية ستضم أربعة عشر شاعراً في الليلة، مع استبعاد تام لقصيدة النثر( المصرية علي الأقل) كما أن هناك شعراء تمت دعوتهم ثم عاد المنظمون ليسحبوا الدعوة، لأن المؤتمر أصبح من دونهم كامل العدد!! هذا يعود بنا إلي ما ذكرته في بداية هذا المقال: لم يعد المؤتمر يمثل ضرورة فنية، بقدر ما صار مناسبة إلهية لرفع من يشاء وخفض من يشاء المنظمون! أما عن فوز محمود درويش بالجائزة فهو تحصيل حاصل، وينتمي إلي ذلك النوع من الجوائز المقلوبة الكيان والغرض التي تبحث عن شرعيتها من خلال الفائز، بدلاً من أن تعطي شرعية وتبشر باسم جديد. محمود درويش قامة تستحق نوبل، وأدونيس كذلك. وكان من المنطقي أن يجتمع في القاهرة حجازي ودرويش وأدونيس وسعدي ليمنحوا الجائزة لاسم من جيل تال. وعلي كل حال، فالجائزة بهذا لم تتنكر لنفسها، ولا لحسابات منظمي المؤتمر. ولا لمألوف الجوائز العربية التي ترتكب بحسن أو بسوء نية خطيئة تجميد الحياة الأدبية العربية كما تجمدت الحياة السياسية. لهذا أتوجه بندائي هذا لكل النقاد والمبدعين المتورطين في ارتكاب عمليات التحكيم في جوائز للأدب: أوقفوا هذا القصف. ولا تواصلوا التعامل مع الأجيال التالية لجيل الرواد كما لو كانوا شهداء، لايكبرون أبداً.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية