النهضة العربية المغدورة بالحروب الأهلية أخيراً!
مطاع صفديالنهضة العربية المغدورة بالحروب الأهلية أخيراً!ليس هناك دولة عربية واحدة يمكن وصفها بالدولة السوية المستقرة. كما لو كانت جميعها صارت في حكم المؤقتة، أو أنها تمر في مرحلة انتقال، أو أن شعوبها لا تجد فيها نهاية تطورها السياسي بل الإنساني. لا تتأتي هذه الحالة فحسب من كون المجتمع قد سبق الدولة، وتجاوزها في تطلعاته إلي بني دولية أكثر تقدماً وقدرة علي تلبية حاجاته الحيوية. إن الدولة العربية منذ أن ولدت، نمت علي إيقاع مضطرب من عدم الاستقرار. قليلاً ما بارحت شكل السلطة الفوقية المفروضة بفعل أسباب كثيرة، ليست الرقابة الأجنبية إلا واحداً من عواملها السلبية الرئيسية. وهناك منها ذلك العامل الأقوي والمسيطر في شتي مراحل التطورات الذاتية لشكل السلطة العربية. إنه واقع التصادم المتفاقم مع الإرادة العامة. إذ لم تستطع الدولة العربية أن تتحرر أبداً من طابعها الأخصوي. الأمر الذي يجعلها في وضع التناقض مع الشرط الأساسي لمفهوم الدولة، وهو كونها تعبيراً عن سلطة الكل. ذلك الشرط الذي يؤسس لمشروعيتها قبل أية صلاحة قانونية أخري.إذا قيل ان الدولة المكتسبة لمشروعيتها إنما هي رأس الهرم الاجتماعي، المحمول علي كتفيه، فإن هذا التوصيف لا ينطبق إلا نقيضه علي حال الدولة العربية. وهي كونها الرأس المقطوع عن جسده. ما يعني تولدّ هذا الوضع الشاذ الاستثنائي في تاريخ الفكر السياسي، كأن تكون الدولة هي الرأس الذي يفكر لذاته، وأن المجتمع تحته هو مجرد جسد مشتت الأعضاء، فاقداً للوحدة العصبية المنظمة لإرادته وأفعاله. يخضع لمبدأ البعثرة عينه الذي يتحكم في الوطن العربي ككل عبر تشكيلاته القطرية المتنافرة. هنالك القُطْر الصدفة، كما هنالك الدولة الصدفة. وما يفهم من هذا أن العبثية وحدها هي صانعة الخارطتين الجيوالسياسية والمجتمعية للحاضر العربي.والعبثية هنا لا تعني فلسفياً، سوي غياب المشروع الإنساني من حاصل الناتج المدني، مادياً تاريخياً، لشعب من الشعوب. وقد يُعبر عن هذا تداولياً، أن الشعب يرفض أن يري نفسه في مجتمعه الراهن، يتأبّي أن تكون الدولة القائمة هي دولته. إنه اغتراب الشعب عن التكوينات التي يُحشر بها. إنه لا يري ذاته فيما يقال ويُصنع باسمه. الشعب ليس صانع مجتمعه، ولا هو الباني لدولته. وبالتالي يناضل الشعب كيما يبرّئ اسمه ذاك من قاموس كل الأسماء الفاسدة التي تطبع كل شيء من حوله، وتغزوه في داره وأهله، وتخترقه هو عينه كل لحظة، كجسد وكائن وذات.لكن (هذا) الشعب نفسه لا يكاد يتعرف سواء إلي مبناه أو معناه. فما هو من صنف المبني، لا يشيَّد بتصوراته أو اختياره. وما هو من مستوي المعني، فالشعب لم يعد يعرف من هو حقاً، ومن يكون، وما سوف يصير إليه. وفي زحمة الهويات التي تُلقي عليه من مرحلة إلي أخري، يوشك الشعب، وسط حصار المرايا ـ الهوايا أن يضل أو يذكر صورته، إن كانت تعكس وجهاً له، أو قناعاً لآخر لا يعرف من صنعه وألقاه علي سحنته كبديل عن سابق أو لاحق به.فقدان المشروع الإنساني من حياة الأمم، ينقلها إلي عصر بدايات الخليقة أو نهايتها. فما معني أن يوجد العرب اليوم وهم يجبرون حتي علي إنكار اسمهم؛ وما معني أن تكون لهم حضارة اليوم، وهم يقتتلون في غابة أو أخري، تُخترع لهم، ويُدفعون إليها كيما يتشتتوا في غياهبها، طاردين مطاردين، كفرائس مشاعة لبعضهم بعضاً.ما يفيد القول أن ثلاثة إلي خمسة أقوام عربية أمست تتعايش مع اقتتالات الأهل والأبناء والجيران، وأن ما تبقي من أقوام الأمة تتقلّب علي وهج هواجس حروب باردة راهنة، كمقدمة أو تمرين للجحيم القادم الذي تناديه بكل جوارحها كأنه النعيم المقيم. كذلك لم يعد من الجائز التكلم عن مشروع نهضوي مغدور دائماً، ولا حتي عن مشروع آخر مأمول بل موهوم، بل عن مجرد بقاء عضوي خام، بل حيواني؛ إنها حالة الانهيار إلي درجة الصفر من الفكر؛ وذلك حين يصبح التخلي المتبادل عن المشروع الإنساني بين كل من نخبة المجتمع وعامته، أشبه بذاكرة متحفية هرمة، ومنسية من أصحابها أنفسهم. فالإشكالية ليست في فشل النهضة، ولكن في إنكار الفشل والتقوقع بين أطلاله.ومع ذلك يقال ان الأمم لا تيأس، لأنها إن يئست كفّت عن كونها أمماً، بل قطعاناً ممن كانوا بشراً. فاليأس قد يكون مقبولاً علي مستوي الأفراد، أما الجماعات الأممية فإن يأسها هو إعلان زوالها. ومن سوف يعلن زوالها لن يكون أحداً منها، بل هو التاريخ الذي أنتجها ثم شيّعها إلي متاحفه، عندما لم تعد قادرة علي إثبات انتمائها إلي أرومته، إلي حضاراته. عندما عجزت عن الدفاع عن عضويتها في ناديه؛ ثم أمست متسكعة علي عتبات أبوابه.ليست صناعة نهضة هبةً علوية، ولا صدفة تاريخية. فهي لا تولد ولا تنمو الا ضداً علي معيقاتها. والفعل النهضوي هو الكاشف لضده، والمحدد لمعالمه وسلبياتها، والمبدع لأسلحة مكافحتها. فإذا ما أخطأ الهدف في واحدة من وظائفه الثلاث هذه أو أكثر، يتساقط في الالتباس مع الظاهرة الانحطاطية، يصير إلي أحد أقنعتها في لعبة التضليل والتخفي التي تبرع بها باعتبارها تؤلف أهم خط دفاع أخير لبقاء الانحطاط سارياً حتي تحت جلد نهضة فارغة من مضمونها الأصلي.الحاضر العربي هو زمن المآتم لآمالِ حاضرٍ سابق صار ماضياً إلي غير رجعة. فقد أمسي (عصر النهضة) بعد إحباط ترميزاته، ممنوعاً حتي من مثول أطيافه في أوقات الناس. لا يمسّ شيئاً من آليات حياتهم اليومية. باتوا مأخوذين، باللاوعي أو الاختيار، بغرائز البقاء الخام. فإن حرمان الجماعة الإنسانية من شرطها الوجودي في أمنها الخاص، يجعلها تبرر انسحابها من أبسط أعباء الشأن العام. فكيف لا يفقد الأمن القومي مفهومه التلقائي بعد أن فقد فعاليته مع تفريخ الهزائم في خارطته الجغرافية هنا أو هناك. ذلك أن المشهدية الراهنة (للأمة)، هي أنها، بعد أن تمّ تعجيزها في الدفاع عن حقها الإنساني في النهضة، في إيقاد شعلة التنوير فوق أكداس أحطابها، فقد حكمت علي ذاتها بالقهقري إلي ما دون خطوط الحماية لمجرد أمنها العضوي، وليس فحسب لمجرد وجودها الثقافي أو التاريخي.باتت الراهنية الأمنية محاصرة بين الغزو الأجنبي خارجياً. والغزو الداخلي أهلوياً. ثباتُ هذه الراهنية البائسة يفرغ كل تطلع نهضوي من جدارته الإنسانية. فإنه، بين أولوية الأمن العضوي أو الأمن النهضوي بالتنوير العقلاني، ليس ثمة اختيار حر بإرادة المجتمع المحبط، وإنما هناك فحسب أمر الضرورة العمياء لأكثر واقعيات الواقع المداهم فجاجة وعتواً. وهي فقدان المجتمع المهزوم لإرادة المقاومة.فما يبعث علي اضطراب المجتمع في مواجهة المحن، ليست هي فظاعة المحن في حد ذاتها، بقدر ما هي نتيجة الأحكام الانفعالية التي يطلقها الرأي العام عليها.النهضوي هو المقاوم للانحطاطي، ولا يكون الأول الا بعلة الثاني. لكن أتعس انحطاطي هو أن يبقي علًّة لذاته فقط، بحيث يغدو فعل النهوض كطريقة أخري في ممارسة الانحطاط ، عينه. ليس ثمة جدلية ما بين الحدين، بالرغم من أنه لا يمكن فهم النهضة أو توقعها إلا كحالة تمرد علي واقع سابق لها، حامل لتوصيف الانحطاط. وهذا التوصيف لا يحدد معالم موضوعية إلا بما يكشفه الفعل النهضوي. من هنا، النهضوي هو حكم قيمة، بينما الانحطاطي هو حكم وجود. ومع هذا يحتاج الانحطاطي إلي النهضوي كيما يفوز باسمه ذاك، ومانعاً من تحققه في الآن عينه.أهم ما أنتجته دولة الاستقلال هو أنها بعد أن عجزت عن مكافحة الانحطاط أمست هي حارسته الأخطر. فكان عليها أن تدير عملية إجهاض التقدم نحو المجتمع المدني بخاصة؛ مع إصرارها علي جعل القمع بمثابة المؤسسة المركزية لكيانها؛ فالمجتمع المكبوت قمعياً لن يعرف نمواً طبيعياً، ولن ينعم بعلاقات سوية بين مكوناته. لن يتعامل مع الدولة التي تستلبه كرامته الإنسانية في عين ذاته، باستلابه لأبسط حقوقه في الحرية والعدالة، لن يتعامل معها إلا كخصم مستبد لا فكاك منه إلا بوسائل العنف عينها التي تحتكرها. لكن دولة القمع والفساد انتصرت علي كل صيغة تغيير تطلعت نحوها النخب الموصوفة بالريادة والوعي. وبذلك يتحول المجتمع إلي خزان من القهر السياسي المتغذي من بقية آفات الحرمان والفقر والتهميش الموروثة. وصولاً إلي تلك الحالة من الاستعصاء الكينوني الذي يحول كل الحلول الممكنة إلي مشكلات جديدة تنضاف إلي سابقاتها المزمنة. تلك هي العدّة الكاملة لثقافة الحروب الأهلية اليوم أو غداً.مجتمع القهر هو المجتمع الذي لم يفقد مشروعه النهضوي فحسب، بل غدا محروماً من مشروعه الإنساني. يصير إلي بركان حقيقي بانتظار ذلك الصاعق الجيولوجي الذي يفجره هو وأرضه، وطنه معه. ولقد وفرت العولمة المتوحشة هذه الصواعق التي تدمر الشعوب، من جذورها الجيولوجية. والبوشية شكلت أعلي صناعة نظامية متفوقة حتماً – لأنها أمريكية! -، لإنتاج هذه الصواعق الشيطانية. فليست هي صناعة عولمية بوشية للتصدير الإجباري فقط، بل للاستيراد الخبيث من قبل النفايات (القيادية) المحلية، المتبقية من، أو الرائدة لعصر انحطاط عربي وإنساني معاصر.9