نقد مجلة جديدة بمقالات ودراسات قديمة… تخليص النقد من الشعار عمل أخلاقي أيضاً

حجم الخط
0

نقد مجلة جديدة بمقالات ودراسات قديمة… تخليص النقد من الشعار عمل أخلاقي أيضاً

نقد مجلة جديدة بمقالات ودراسات قديمة… تخليص النقد من الشعار عمل أخلاقي أيضاًبيروت ـ القدس العربي ـ من ناظم السيد : مجلة جديدة في بيروت. خبر جيد للثقافة ولا سيما أنها حملت اسم نقد . العدد الأول مخصص للشاعر بول شاوول باستثناء افتتاحية رئيسي التحرير الشاعرين زينب عسّاف وماهر شرف الدين والصفحات التسع الأخيرة أفردت لقراءة بعض الكتب الشعرية الصادرة حديثاً. لكن هل فعلاً كانت المجلة علي قدر اسمها وعلي قدر ما جاء في الافتتاحية؟ هذا ما سأحاول مناقشته بطريقة مقتضبة. شتاء 1957، صدور العدد الأول من مجلة شعر . شتاء 2007، صدور العدد الأول من مجلة نقد . إنهما السطران الأولان من الافتتاحية. سطران يتم سوقهما من دون أن يتكفلا بشرح العلاقة بين المجلتين: الأولي رائدة وطليعية وتضم نخبة من الشعراء أصحاب التجارب والمواهب والثقافة العالية أمثال المؤسس يوسف الخال، أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج وآخرين كثيرين انضموا إليها علي مراحل أو كتبوا فيها بدءاً ببدر شاكر السيّاب وفؤاد رفقة وعصام محفوظ ومحمد الماغوط وانتهاء بسركون بولص. المجلة الأخيرة تقتصر هيئة تحريرها علي الرئيسين المذكورين اللذين بكل احترام لا يملكان تجربة في النقد يمكن أن تؤسس لمجلة مثل شعر أو لمجلة نقدية حقيقية. هكذا منذ السطرين الأولين اللذين يقيمان مقارنة اعتباطية بين شعر و نقد من دون وجه شبه إلا في تاريخ الصدور، أي فصل الشتاء. وهذا، أي الشتاء، يتكرر كل سنة. أما زمن شعر الخمسيني ثم الستيني فليس من السهل تكراره. هذه مقارنة لم أخترعها، وكان يمكن القفز عليها لولا نفي الافتتاحية أن يُستحق الاحتفاء بهذا المشروع الرائد ( شعر ) بغير إتمامه، بغير إتمام الشعر بالنقد، والكتابة بالكتابة الثانية .انتقي رئيسا التحرير الشاعر والكاتب المسرحي بول شاوول كونه إشكالياً ومؤثراً في التجربة الشعرية العربية ، ولأنهما استطاعا تحصيل مادة نقدية وافية عنه . لهذا لم تكن هناك خلفيات لهذا الاختيار، معلنين أن المجلة ستتناول جيل الرواد… وجيل الأخير زمانه . قبل أن يأتي الحديث عن المادة النقدية الوافية يخطر لقارئ مثلي السؤال عن معني جيل الأخير زمانه في النقد، عن تصريف هذه الجملة نقدياً. شخصياً، لا أملك مرجعاً لهذه الجملة التي توحي بالتهكم إلا مقالاً كتبه شرف الدين عن جيل الشباب الذي أنتمي إليه. في هذا المقال نقض الكاتب الجميع ليقتصر مديحه علي زوجته لاحقاً وزميلته في رئاسة التحرير راهناً زينب عسّاف العلامة الفارقة بتعبيره آنذاك. أما الشعراء الآخرون غسان جواد، محمد بركات، سامح كعوش، لوركا سبيتي وأنا وآخرون فلا يستحقون نقداً جاداً. ولم يتوانَ الكاتب في هذا المقال عن القول ان ثمة شعراً يجب أن يرمي في سلة المهملات . وهنا أيضاً كان يمكن القفز علي هذا الكلام لولا السقف الذي وضعته المجلة الجديدة لنفسها بوصفها مخلّصاً للنقد: لأن النقد، لدينا، دخل في غيبوبة الاجتماعيات، فبات مجرد قناة للعلاقات الشخصية، وضرباً من ضروب المجاملات الصحافية، أو تصفية الحسابات، ولا داعي لاستخدام المزدوجتين، كان لا بدَّ من مشروع مستقل وحر، يعيد النقد الي نفسه، أي الي ضميره . كشاعر وصحافي لبناني من جيل الشباب أوافق علي كثير من هذا الكلام وأدعو الي نقد أخلاقي فعلاً وأرحّب بأي كلام من هذا النوع. لكن للأسف، هذا كلام يحتاج الي شهود. هو احتفاء بالشعر ضد الحزب، وبالقصيدة ضد الشلة، وبجوهر الشعر ضد أشكاله . متمنياً أن يأخذ هذا الاحتفاء/ العهد، مكانته الحقيقية في المجلة، تبدو الجملة الأخيرة غير واضحة بمفهوم النقد. يحق لي أن أسأل مستوضحاً عن معني جوهر الشعر في النقد. كلمة ميتافيزيقة كهذه لا تحيل علي أي معني نقدي. إنها كلمة في فراغ. لا أفكر في الشعر كجوهر بل كعدوي للأشياء . كان هذا عنوان المقابلة التي أجريتها مع عباس بيضون في هذه الصفحة بالذات. عندما قرأت هذه الجملة تذكرت ما قاله لي الروائي رشيد الضعيف في جواب علي سؤال عن لغته. قال: أكتب بلغة صحيحة ومناسبة لا بلغة جميلة. اللغة الجميلة تنتمي الي المطلق، أما اللغة الصحيحة فتنتمي الي التاريخ . إن التفكير في الجوهر كما وردت اللفظة فعل غير نقدي. كلام يقود الي طوباوية معطلة للشعر. لكن أن تكون مجلة نقدية ضد أشكال الشعر فهذا ما لا أفهمه أبداً. النقد يعني الاعتراف بالنص. لا يمكن للنقد إلا أن يعترف بالنص أولاً ثم له الحق في تثبيته أو نقضه، في قبوله أو رفضه. النقد الشعري يخرج من النص الشعري ولا يهبط عليه من السماء. والشعر أشكال. الشعر أشكال لأنه مسألة تاريخية. لهذا ينبغي أن يكون النقد مسألة تاريخية لا جمالية فحسب. ولهذا تعمل كلمة ضد هنا عمل الحزب والشلة اللذين زعمت المجلة معاداتهما. وأكثر: بول شاوول، المخصص له العدد الأول، هو أحد أبرز الشعراء اللبنانيين والعرب المعروفين بالتجريب. إحدي إشكاليات شاوول الأساسية هي تجريبيته وتنقله بين القصيدة القصيرة والنص الطويل، بين القصيدة الومضة وقصيدة البياض، بين الشكل الحداثي واللغة التراثية الي حدٍّ كبير، بين الانفتاح علي المونتاج السينمائي والمونولوغات المسرحية، بين التماسك والهذيان، بين الصوت المتواتر والصمت التام. فإذا كان كلام رئيسي التحرير يعني الشكلانية فالتجريب يحيل الي هذه المفردة. ولهذا كان من الأفضل أن نري مساهمة لهما في شعر المحتفي به. علي الأقل كان ينبغي أن نري هذه المساهمة في الافتتاحية. أقول هذا الكلام لأنني أود الانتقال الي مضمون المجلة من دون الخوض في تقييم هذا المضمون.ضمّت المجلة ست مقالات ودراسات لستة كتّاب. مجلة تتألف من 192 صفحة من الحجم الوسط اقتصرت علي ستة أسماء. وهذه الأسماء باستثناء الشاعر اللبناني عقل العويط والباحث المغربي عبد الرحمن بن زيدان المختص بالنقد المسرحي (مقالته ليست عن مسرحيات شاوول بل عن شعره، ولا سيما كتابيه نفاد الأحوال و كشهر طويل من العشق )، والمخرج والباحث المسرحي العراقي فاضل سوداني (كذلك مقالته عن ديوان كشهر طويل من العشق )، إذاً، الأسماء الباقية غير حاضرة في المشهد النقدي. أما سعد كموني ( ناقد لبناني ) فليس لديه مساهمات أساسية في النقد. يبقي عيد السامري ( ناقد عراقي ) ومليكة مبارك (ناقدة جزائرية) اللذان لم أسمع بهما من قبل وحاولت جاهداً العثور ولو علي كلمة لهما في الانترنت فلم أجد. لا أعتبر الانترنت مرجعاً لكنه مصدر بالتأكيد. يكفي أن تضع اليوم اسم أصغر شاب يكتب لتجد له مواد في الانترنت. وعليه، لا تقصّر هذه الأسماء القليلة عدداً وغير الحاضرة نقداً (أكرر: باستثناء عقل العويط) في صناعة مجلة نقدية فحسب، وإنما في حق بول شاوول نفسه. هل هذه هي الأسماء التي تستطيع أن تقرأ نقدياً شاعراً غنياً ومتعدداً وإشكالياً مثل بول شاوول؟ عندما تذكر بول شاوول ستجد عشرات الأسماء الجادة والفاعلة والحاضرة في النقد لتكتب عنه. لكن هذا جانبا فقط من المشكلة. الجانب الآخر أن الدراسة القيّمة الوحيدة في المجلة وهي دراسة عقل العويط، هي جزء من رسالة حاز بموجبها الشاعر الدكتوراه عام 1984، وهي تمتد علي مساحة 63 صفحة من المجلة ومخصصة بديوان بوصلة الدم . أما مقالة سعد كموني (19 صفحة) فهي منشورة بلا مصدر في موقع جهات الشعري الذي يديره الشاعر قاسم حداد (أفترض أنه نشرها مباشرة في الموقع). يُضاف الي هذه المقالات والدراسات القديمة والمنشورة 57 صفحة هي مختارات شعرية من كتب شاوول المنشورة. هكذا نصبح أمام مجلة جديدة تسمّي نفسها نقد وتزعم أن الاحتفال بمجلة شعر لن يكون إلا بها (وهذا ما لا تدّعيه الضراغمُ بتعبير المتنبي)، هذه المجلة هي في الواقع إعادة نشر شبه كامل. قلت لن أتكلم علي مضمون ما حصّلته مجلة نقد من نقد . فقط ألفت بكلام خارجي أن هذه المواد تناولت بعض كتب شاوول عموماً أو حتي قصائد لكنَّ أياً منها لم يقرأ الشاعر أو المسرحي بول شاوول قراءة شاملة تقف عند نتاجه الشعري المهم أو عند مساهماته المسرحية الفاعلة. 180 صفحة مخصصة لبول شاوول ينبغي أن تقدّمه الي القارئ. هل فعلت المجلة؟ بالتأكيد لا. ولتأكيد هذا التأكيد يجب قراءة العدد كاملاً تاركاً لغيري أن يقدّم مساهمته في إنشاء نقد علي النقد ، وتحديداً النقاد.الصفحات الأخيرة من المجلة (ثماني صفحات ونصف الصفحة) خُصصت لقراءة الكتب الشعرية. ثمة ثماني مقالات عن ثمانية كتب لثمانية شعراء بلا توقيع. نحن هنا إزاء نقد لا نعرف من المسؤول عنه. كلام سائب بلا فم يتبناه. إنها قراءات لكتب وليست أخباراً نقدية عن كتب. والنقد يجب أن يكون وراءه ناقد. لكن المفاجأة أن هذه المقالات كتبها رئيسا التحرير الأعزلان في المجلة النقدية. والمفاجأة الثانية أن هذه المقالات كانت نُشرت في صفحة أدب فكر فن في صحيفة النهار وفي الملحق الأدبي للصحيفة نفسها. وكنت شخصياً قرأتها. ويمكن مراجعة النهار لتبيان ذلك أو الحصول علي بعضها في المواقع الإلكترونية الشائعة. مرة أخري، نحن أمام مادة نقدية لرئيسي التحرير يُعاد نشرها في مجلة جديدة. أفهم أن يعيد أحدهم نشر مقالاته في كتاب، أما أن أجد ثماني مقالات منشورة سابقاً في صحيفة شهيرة ومكتوبة من قبل رئيسي التحرير وحدهما في مجلة جديدة تريد محاربة الحزب و الشللية ، فهذا ما لا أفهمه. وهذه المفردة الأخيرة بديل عن عشرات المفردات التي يمكن استخدامها في هذا الشأن. أخيراً، ومن باب الشفافية تجاه القارئ، هذا مقال مكتوب في غاية الهدوء قياساً علي ما زعمته هذه المجلة. أما سبب الهدوء فهو السجال غير المباشر أو المباشر الذي دار بيني وبين ماهر شرف الدين بعدما كتبتُ تحقيقاً في صحيفة السفير عن الجيل الجديد من الشعراء وما كتبه عن هذا الجيل في ملحق النهار ، ثم ما كتبه عن مؤتمر قصيدة النثر العربية في المنبر نفسه وما رددت عليه به في السفير . هذا ليس نقلاً للمعركة الي مكان جديد. إنه توضيح للقارئ الذي لم يتابع ما كتب كلٌّ منا، ودعوة له لإعادة قراءة ما كتبنا (المقالات كلها موجودة في موقع جهات الإلكتروني). ثم إنَّ هذا يسهّل علي القارئ الفصل ما بين الشخصي والموضوعي وتخليص الطازج من الكليشيه، والنقد من الشعار. QMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية