مهرجان ربيع مسرح الأطفال للسنة الرابعة: ما بين تكرار العروض وإشكالية التفكير بالأطفال
مهرجان ربيع مسرح الأطفال للسنة الرابعة: ما بين تكرار العروض وإشكالية التفكير بالأطفالدمشق ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: للسنة الرابعة علي التوالي، تتعاون مديرية ثقافة الطفل في وزارة الثقافة مع مسرح الطفل والعرائس في مديرية المسارح والموسيقي، لملء مساحة العطلة الإنتصافية من العام الدراسي بمهرجان ربيع مسرح الأطفال، والذي توزعت عروضه هذا العام علي أغلب المحافظات السورية وبعض المدن الرئيسية، لكنه ما زال دون الطموح المعبّر عنه بالوصول إلي الطفل السوري أينما كان. قد تكون هذه الإشكالية مرتبطة بالإمكانيات المادية، التي تحول دون نقل هذه العروض إلي أطفال الريف والمدن الصغيرة، لكن هناك إشكاليات أكثر من ذلك باتت تشكل ارهاقاً لهذا المهرجان، بل هي تضعه في دائرة المساءلة، التي حاولت الندوة الموازية لهذا المهرجان والتي عقدت هذا العام تحت عنوان رؤي مستقبلية حول مسرح الطفل والعرائس في سورية ، أن تلامس بعضها برفق.جميع المشاركين في الندوة من المهتمين بمسرح الطفل والعاملين فيه إلي الإعلاميين تحدثوا عن أزمة النص لدينا، لكن أحداً لم يجب علي السؤال: كيف أنتجنا كل هذه العروض في الدورات السابقة، ولا نزال نكرر بعضها منذ أربع سنوات، دون أن تكون لدينا القدرة علي تقديم عرض جديد؟ كذلك لم يجب أحد علي السؤال : فيما إذا كانت إضافة عبارة رؤي جديدة إلي بروشور العرض السابق كافية لإقناع الطفل الذي سُرق من أمام برامج الأطفال المنوعة علي شاشة التلفزيون، أو من أمام شاشة الكومبيوتر وما يمكن أن تحمله له من ألعاب ومغامرات، بأن هذا العرض الذي شاهده كان أفضل له؟ كذلك أتذكر من الدورات السابقة التوصية المستمرة بأن يتحول المسرح إلي جزء من ثقافة الطفل، لا أن يبقي مناسبة سنوية تقترن بالعطلة الإنتصافية، وكفي الله المعنيين بمسرح الطفل أعباء الاستمرار بتقديم عروضهم في المدارس ونوادي الأطفال وصولاً إلي البلدات الصغيرة، خارج معاقل العاصمة أو المدن الرئيسية. قد تكون لدينا أزمة نص مسرحي بشكل عام، وفي مسرح الطفل بشكل خاص، لكن هذه الإشكالية قديمة، ويمكن للترجمة والإعداد أن تحل جزءا منها، كما يمكن لمسابقة النصوص التي أُعلن عنها في نهاية المهرجان أن تسد فراغاً في هذا المستوي، إلا أن المشكلة باعتقادي تتعدي ذلك إلي أزمة المؤسسة التي تفكر نيابة عنا، وتطلب منا أن نفكر نيابة عن الأطفال. فما معني الإصرار أن يكون النص المسرحي المقدم للأطفال معنياً بتنمية الروح الوطنية ودعم الثقافة القومية؟ وما معني أن يناقش عرض الدمي الذي ما زال محمد خير عليوي يقدمه منذ سنوات بعد تحميله جملة من الرموز والدلالات علي حيوانات الغابة، لإقناع الأطفال بأن هجوم الحيوانات علي أبو الثعالب هو تعبير عن الوحدة الوطنية ضد الطامعين بثرواتنا القومية أو النفطية…؟ ما معني أن تشترط مسابقة النصوص المعلن عنها لمسرح الأطفال ومسرح العرائس ربط الإبداعات المسرحية بدعم الثقافة الوطنية والقومية؟ ألا يشكل هذا النمط من التفكير امتداداً لحقبة أيديولوجية ما زالت تمد انشوطتها حول إمكانيات التطوير، وتطوير الأطفال في مجتمعنا؟ ألا تشكل هذه الشعارات عبئاً علي تفكير أي طفل ووعيه؟ ألا تشكل إرهاقاً للنص وللطفل المشاهد بآن ٍ معاً؟ أليس الأجدر بنا أن نهتم بتنمية الذائقة الفنيّة والذخيرة المعرفيّة لأطفالنا قبل أن نرمي بهم في بحيرات الأيديولوجيا والشعارات؟قد تكون هذه الاستفسارات جزءاً من المشكلة، لكن الجزء الآخر أننا نغيب الطفل كاهتمامات وطريقة تفكير. حتي عندما ابتدعنا فكرة الأطفال يعدون مسرحهم بإشراف المخرج عدنان سلوم، فإننا لا نلاحظ العرض الطفلي أمامنا، لا نكتشف المستوي اللعبي في العرض، بل هناك تدريبات علي ألعاب، علي رقصات، علي دراما تمثيلية تحاكي عقل الطفل الذي نعتقده نحن الكبار، لكنه ليس عقل الطفل الواقعي، الذي تجاوزنا كثيراً في عالم التكنولوجيا والألعاب الرقميّة.الكثير من الأطفال الذين نصطحبهم الآن إلي المسرح لم يعرفوا عالم الحيوانات الأليفة أمام المنزل، ولم يكتشفوا حيوانات الغابة إلا في صور البيكمون بينما نجدهم بالمقابل أكثر اهتماماً والتصاقاً بعالم التكنولوجيا والألعاب الرقمية. فكيف نخاطب هذا الطفل، أو نطلب منه الالتزام بالقضايا الوطنية والقومية. وماذا تعني له أطنان الشعارات البائدة مقابل جماليّة لعبة مشوقة له، وبدون تحميل أيديولوجي؟ أعتقد أننا مازلنا نفكر بطريقة متعالية علي أطفالنا، نرفض لعبهم وطريقة تفكيرهم، ونصر أن ما نعتقده صواباً هو الأفضل لهم. وفي هذا الإطار يكون مسرح الطفل كنوع من البريستيج الاجتماعي لنا، ولثقافتنا في تربية الأطفال، وليس جزءاً من ثقافة الطفل، وإلا كيف تحضر عشرات العائلات في النصف الأخير من العرض، وهم يصطحبون أطفالهم غير عابئين بوحدة العرض، ومقولته، وجماليته وكل الأشياء المفيدة في التواصل مع الطفل؟نحن نحتاج إلي ثقافة تحترم عقل الطفل، وتحترم التطور الاجتماعي والثقافي والتكنولوجي الذي فرض نفسه في عالم أطفالنا. كما أننا بحاجة إلي تكريس مسرح الطفل بعيداً عن الاحتفالية أو المهرجانية التي تتزامن مع العطلة الإنتصافية. وهنا نتساءل أين المسرح المدرسي مثلاً وهو كجهاز إداري ما زال موجوداً في وزارة التربية، لكنه كفعالية تلاشي منذ عقود؟ مع أن هذا المسرح هو الذي رفد الحركة المسرحية والفنية في سورية بخيرة الفنانين والمبدعين حين لم تكن لدينا مديرية عامة للمسارح والموسيقي، ولم تكن لدينا وزارة ثقافة، ولم يكن لدينا معهداً للفنون المسرحية. اعتقد أن العودة إلي تفعيل المسرح المدرسي في كل مدارس القطر، ودمج ثقافة المسرح ضمن مادة التربية الفنية، وتفعيل مسرح الطفل والعرائس وحتي عروض خيال الظل خارج حدود الاحتفالية المهرجانية، هي من أهم المقومات الكفيلة بتعميم ثقافة المسرح بين أطفالنا. بالمقابل نجد أن مسرح الطفل يحتاج وقبل كل شيء إلي صالة العرض، لا يكفي استعارة صالات المراكز الثقافية، بل يحتاج مسرح الطفل إلي مقر ثابت وإلي صالة أفضل من قبو معهد الحرية في دمشق، ذلك المكان الذي قد يصلح لأي شيء أكثر من كونه صالحاً لعروض الأطفال. واعتقد أن هذه الملاحظات يجب الأخذ بها بسرعة، قبل أن يداهمنا العام القادم 2008، ونصحو علي احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية، واستحقاق الدورة العربية الأولي لمهرجان مسرح الطفل، ونحن لا نملك شيئاً من مقومات هذا المسرح إلا مسابقة النصوص التي أعلنت عنها مديرية المسارح والموسيقي. وأخيرا تبقي إشكاليات مسرح الطفل لدينا تشكل جزءا من إشكاليات المسرح والثقافة في سورية عموما.2