السياسة والدين عندما يستخدمان لقتل الامة

حجم الخط
0

السياسة والدين عندما يستخدمان لقتل الامة

د. سعيد الشهابيالسياسة والدين عندما يستخدمان لقتل الامةالسياسة والدين، عنصران جوهريان في الاحتقان الامني والاجتماعي الذي يسود العالم الاسلامي اليوم. فكلاهما قادران علي توحيد الصف والموقف، وكلاهما مؤهلان لاحداث الفرقة والتمزق. ويتضمن جوهر كل منهما عناصر الائتلاف والاختلاف معا. فان قيل ان الأزمة في العراق سياسية أمكن توفير كم هائل من الأدلة لدعم تلك المقولة، وان قيل انها ذات طابع ديني فهناك من الأدلة ما يكفي. وحتي في فلسطين، فالخلاف بين منظمتي حماس وفتح سياسي ـ ديني ايضا، لان حماس تنطلق في رفضها الاحتلال الصهيوني علي اسس دينية، وتشعر ان التزامها الاسلامي لا يسمح لها بقبول الاحتلال. واذا كان هناك اتفاق بين الناس علي ان السياسة مسؤولة عن الحروب بين الامم والتوترات الامنية داخل الاوطان، فان موقع الدين في الخلافات الفكرية والصراعات الدموية ليس واضحا بالدرجة نفسها. وربما سبب ذلك ان السياسة معنية بشكل مباشر بشؤون الناس وحقوقهم ونمط ادارة بلدانهم، بينما يفترض في الدين عادة ان يكون شعورا داخليا يدفع للتقوي والعدل والروحانية، وبالتالي يفترض ان يكون عامل تنقية للنفس والاهواء، ليصبح عنصرا مهما في الاجتماع البشري. غير ان الملاحظ في تطورات الاوضاع في العالم الاسلامي تداخل العنصرين بشكل واضح ومتين، بحيث يصعب تفكيك المعادلات السياسية بدون الاستعانة بالتكوين الديني للمجتمع او الهوية العقيدية للعناصر السياسية. ولكن ثمة فرقا جوهريا بين العنصرين، وهو ان الدين الفطري يتسم بالنقاء والطهر والروحانية، ويدفع اهله، ان صدقوا في انتمائهم اليه والتزامهم بمبادئه ومثله، للانسلاخ من القيم الدنيوية والتحلي بأرفع القيم الروحية والأخلاقية. فالأخلاق تمثل جوهر الدين وبدونها لا يكون الدين دينا، برغم انها لا تحظي عادة باهتمام اهل الدين دراسة وتفعيلا. فاذا كانت هناك ممارسة دينية قاصرة عن الحفاظ علي حقوق الناس وضمان أمنهم ومعتقدهم، فليس ذلك بسبب الدين ونصوصه وقيمه، بل نتيجة قصور القائمين عليه.ليس الهدف هنا الخوض في مناقشات فكرية حول السياسة والدين، بل محاولة استقراء الاوضاع التي تعصف بالمنطقة للتعرف علي دور هذين العنصرين في ادارة هذه الاوضاع، وتعقيدها او حلحلتها. في البداية يجدر القول بعدم وجود مجتمع بشري تنعدم فيه الحالة الدينية. غير ان الحضور الديني فيه قد لا يستتبعه تمازج مباشر مع الممارسة السياسية. مع ذلك تبقي ثمة قوة مختزنة مرشحة للنهوض في الوقت الملائم لتوجيه الممارسة السياسية. فمثلا عندما كان الاتحاد السوفياتي في ذروة قوته، استطاعت الايديولوجية الشيوعية قمع الحضور الديني علي الساحة السياسية، واختصر حضوره في اماكن عبادية محدودة يؤمها كبار السن من المسيحيين والمسلمين. وما ان لاحت مؤشرات التغيير، وبرزت بوادر تفتت الكيان السياسي العملاق، حتي اصبح الدين قوة فاعلة في السياسة المحلية، فاذا بالكنائس تنتعش مجددا، واذا بالمسلمين ينهضون لاستعادة هويتهم الدينية، ويطالبون بالحقوق التي سلبت منهم علي مدي سبعة عقود سابقة. وبسقوط الاتحاد السوفياتي، اصبحت الكيانات المكونة له سابقا ذات اتجاهات سياسية ـ دينية واضحة. فدول البلطيق اظهرت هوياتها المسيحية ونشطت فيها دور العبادة وحددت انتماءها المسيحي بدون مواربة. بينما انتشرت في جمهوريات آسيا الوسطي ظاهرة الانتماء الاسلامي علي نطاق واسع. فأصبحت دول مثل اذربيجان وتركمانستان وكازاخستان وغيرها تستعيد هويتها الدينية، وتحتضن حركات اسلامية فكرية ومسلحة. وبعد عقود من القمع، أصبحت الشيشان تمثل تحديا جديدا لروسيا، علي نمط يقترب من النمط الافغاني في الثمانينات. الاتحاد السوفياتي كان يمثل نظاما فيدراليا محكوما بسلطة مركزية قوية استطاعت قمع الظواهر الدينية واحتواء القوميات في اطار نظام ايديولوجي علماني يحاصر الفكرة الدينية ويسعي لتجميع طيف من الاقوام المتباينين في اديانهم واعراقهم، ضمن منظومة سياسية ايديولوجية لم يشهد العالم لها مثيلا في العصر الحديث. هذا النمط السياسي المتميز استطاع البقاء علي مدي سبعة عقود، ولكنه كان يحمل تناقضات داخلية، فكرية وعقيدية وادارية، ادت الي تداعيه وسقوطه، وقيام انظمة جديدة بديلة، لن يكون بالامكان اعادة لملمتها في منظومة سياسية فاعلة. وقد فشلت المحاولات التي طرحت لاستبدال الاتحاد السوفياتي بمنظومة الدول المستقلة التي لم تتحول الي كيان بديل فاعل. والسؤال هنا: من الذي يستغل من؟ بمعني هل الساسة هم الذين يحركون العامل الديني في بلدانهم؟ ام ان اهل الدين هم الذين يسعون لتحريك اوضاع بلدانهم علي اسس دينية وباندفاع عقيدي؟ وعلي وجه التحديد: من الذي يضع اجندة العمل السياسي خصوصا في بلداننا العربية التي اصبحت تعاني من اضطراب سياسي وامني غير معهودين؟ هل الساسة هم الذين يستغلون الدين؟ ام ان اصحاب العقائد هم الذين يسيسون الدين؟ هذه التساؤلات تطرح هنا في محاولة للتعرف علي ديناميكية التغيير المفروضة علي هذه البلدان، والتي اصبحت غير محكومة بانماط واضحة من نظم التغيير وتوجهاته واهدافه. والخشية ان تكون هذه البلدان سائرة علي الطريق الي المجهول، وما يستتبع ذلك من مخاطر كارثية علي هذه الاوطان. هناك الآن صراع بين العلمنة و الأسلمة ، ولكن هل حقا ان الانظمة العلمانية التي تحكم دول المنطقة علمانية ام انها تستغل الدين لخدمة قضاياها السياسية؟ ولكي تتضح الصورة أكثر يمكن صياغة التساؤل علي النحو التالي: لماذا بادر بعض الانظمة العربية للتنظير لمقولة الهلال الشيعي مع علمه انها مقولة لن تتوفر الامكانات الموضوعية لقيامها؟ أليس ذلك محاولة لاستغلال الدين من اجل خدمة السياسة التي يتبناها؟ كان المتوقع ان تبادر تلك الانظمة لتعميق الشعور القومي والتحرري لدي شعوب المنطقة، وليس اثارتها بطرح افتراضات ذات طبيعة دينية تعمق حالة البلبلة والتوتر كما هو الوضع عليه الآن. أوليس هذا الطرح محاولة من انظمة غير دينية لحماية انفسها باستغلال المشاعر المذهبية لدي شعوبها؟ ولماذا تنفق انظمة محددة جزءا من الاموال النفطية الهائلة لترويج مذهب فقهي واحد يكفر غيره من المسلمين، في الوقت الذي لا تمارس هذه الانظمة فيه فكرة مقاومة القوي الاجنبية، ولا تواجه فيه المحتلين الصهاينة، ولا تروج مقولات الاستقلال عن الغرب خصوصا الولايات المتحدة؟ فعندما يصبح الساسة دينيين أكثر من علماء بلدانهم ومريدي المشروع الديني، يتضح ان للساسة دورا كبيرا في استغلال الدين لاهداف سياسية بعيدة عن مقاصد الدين والشريعة. والامر نفسه ينطبق علي القطاع الديني الذي يعلن بوضح رغبته في اقامة الخلافة الاسلامية . فهل هؤلاء جادون في اقامة الحكم الاسلامي الحقيقي في بلدانهم؟ وهل تنسجم اساليبهم مع نقاء اطروحة الاسلام وقيمه؟ وماذا عن تحالفاتهم مع جهات معروفة بعدائها للمشروع الاسلامي من الذين اقاموا انظمة حكم مفرطة في العلمانية؟ وماذا تعني محاولات الالتفاف علي المفارقات العقيدية لدي بعض الحلفاء من اجل ضمان الدعم المالي والامني والسياسي من قبل النظام السياسي العلماني؟ وأين الخطوط الفاصلة بين الاستنصار للمشروع والتحالف غير المقدس مع القوي التي تتبني اطروحات مناوئة بشكل جوهري للمشروع الاسلامي؟ ثم ماذا يعني تكفير من يختلف في بعض فروع الدين، بينما يتم التحالف مع من لا يعتقد بـ حاكمية الاسلام اساسا، ويعتقل النشطاء الاسلاميين، حتي وان كانوا يمارسون نشاطاتهم علنا بأساليب سلمية هادئة؟ ففي مصر مثلا يعتقل رموز الاخوان بالمئات، ويحاكمون، ليس بالتهم التقليدية المعروفة كالتخطيط لاسقاط نظام الحكم بالقوة، بل لانهم يمارسون دورا سياسيا ضمن نصوص الدستور. اشكالية التداخل بين السياسة والدين لها مصاديق كثيرة في عالم السياسة العربي والاسلامي. في الاسبوع الماضي اثيرت في العاصمة البريطانية اشكالية حول محتويات مناهج المدارس الاسلامية، وبالخصوص اكاديمية الملك فهد، بدعوي ان بعضها ينص علي وصف النصاري واليهود بأوصاف لا تليق. وبعد نفي اولي من ادارة الاكاديمية، اعلن مسؤولوها حذف نصف صفحة تشير الي ذلك. جاء ذلك علي خلفية الاتهامات التي وجهتها الادارة الامريكية في اعقاب حوادث 11 سبتمبر باحتواء مناهج التعليم لدي المدارس الدينية في السعودية وباكستان، مفاهيم تؤدي الي تطرف الشباب. وقد تعاطت حكومتا الدولتين مع تلك الاتهامات بشكل جاد، لاحتواء الموقف ومنع استغلال ذلك للترويج ضد انماط الحكم فيها. غير ان اشكالية تكفير المسلم الآخر ما تزال قائمة، ولعلها في صلب الازمة الطائفية التي تعصف بالمنطقة وتهدد نظمها الاجتماعية والدينية بالتدمير. وثمة ملاحظة قيمة طرحها الازهر الشريف في هذا الجانب. هذه الملاحظة ان الازهر رفض مبدأ تكفير المسلمين ومن بينهم الشيعة، مؤسسا موقفه علي أسس دينية، ولكنه استدرك قائلا ان للسياسة دورا في ذلك التكفير وما يصاحبها من فتن داخلية. هذه الاشارة تؤكد التداخل بين السياسة والدين، والممارسات الاستغلالية للدين، بتفصيلاته وتشعباته الفقهية والمذهبية، لدعم مواقف سياسية محددة. وما دامت المشكلة سياسية بشكل اساسي، فمن الصعب احتواؤها من خلال الحوار الفقهي القائم علي اسس علمية. ولذلك، فبرغم الجهود المتواصلة في الشهور الاخيرة من قبل العلماء والمثقفين لاستبعاد اطروحات التكفير واضعافها، فما تزال هي الفكرة المهيمنة علي الساحة السياسية. وفي هذا المجال يمكن استحضار الجهود الكبيرة التي بذلت في اجتماعات العلماء المسلمين في القاهرة وطهران وبيروت ودمشق والدوحة ومكة المكرمة بهدف احتواء الفتنة الطائفية. حضر هذه المؤتمرات كبار علماء المسلمين من كافة المذاهب، واصدروا بيانات وتوصيات قوية لاحتواء المشكلة والحفاظ علي ما تبقي من وئام في الجبهة الاسلامية الداخلية. مع ذلك، تتواصل اساليب التفكيك والتمزيق وكأن شيئا من هذه المؤتمرات واللقاءات لم يكن، ويبقي صوت السلاح هو الفيصل. فمن المسؤول عن ذلك؟ ونظرا لتواصل الازمة، وشعور الجميع بالانعكاسات الخطيرة لها علي واقع المسلمين في الحاضر والمستقبل، تتواصل الجهود بين المفكرين والعلماء لتثبيت أسس العلاقات في ما بين المسلمين. وهذه جهود مشكورة تستحق التقدير والتشجيع. مع ذلك تبدو الجهات المعنية بالجانب الديني أضف من ان تؤثر علي مجريات الامور في الشارع، خصوصا عندما يكون السلاح سيد الموقف، وتتلاشي قيمة الانسان. وهنا يتبادر الي الذهن المزيد من التساؤلات حول المشكلة: أين ينتهي دور العلماء ويبدأ دور الساسة في مشروع الاحتواء والوئام؟ ومن الذي يصر علي استهداف وحدة الامة في مكوناتها السياسية والدينية؟ هل هناك اختلاف كبير بين الخلاف الذي يبدو ظاهره سياسيا كما حدث بين حماس وفتح في فلسطين، والخلاف الطائفي الفاقع في شوارع بغداد، من حيث المنطلقات والدوائر التي تقف خلفه والآثار المترتبة عليه؟ ما دور الفقه في احتواء الخلاف السياسي؟ وما دور السياسة في احتواء الاختلاف الديني؟ السياسي والديني، عنوانان للأزمة، ولكل منهما ممثلوه ومنطقه واخلاقياته وآفاقه. فأين ينتهي الدين لتبدأ السياسة؟ هل كانت الاجابة علي سؤال كهذا واضحة في اذهان رواد الصحوة الاسلامية الذين استنهضهم انتصار الثورة الاسلامية في ايران قبل قرابة العقود الثلاثة؟ ام ان ذلك النهوض كان ردة فعل ضرورية لم يسبقها تفكير واعداد يناسبان حجم المشروع الاسلامي الناهض؟ اولئك الرواد ذهب الكثيرون منهم الي ربهم، اما بالاستشهاد اعداما او تعذيبا، او استجابة للامر الالهي بالموت، فهل انتهي المشروع الاسلامي معهم، ام انه مستمر؟ يصعب القول بانتهاء مشروع تحتضنه امة عملاقة كأمة المسلمين، ولكن الحديث عن بقائه محوط بالتساؤلات والشكوك والمصاعب. فما هي معالم هذا المشروع الذي يأتي بعد تجربة مريرة أريقت فيها الدماء وأزهقت الارواح؟ وهل من معالمه مضاجعة اعداء الامة؟ ام القتل علي الهوية؟ ام تسليم شؤون الدين الي المراهقين والجهلة من غير العلماء والفقهاء؟ ام المهزومين امام الطغيان الامريكي ممن يصافحه ويسايره ويضاجعه؟ الي متي يسمح للمستبدين باستغلال الدين وتوجيهه لخدمة انظمة حكمهم، عندما ينصبون انفسهم حماة عن هذا المذهب او ذاك، ويذرفون دموع التماسيح ويلبسون اردية التصوف؟ وأخيرا فمن السذاجة بمكان مسايرة من يسعي للحفاظ علي موقعه السياسي او الديني بأساليب التخدير والتضليل وتشويش المفاهيم، في الوقت الذي لا يحركه ضمير يتألم من سقوط ضحايا القائد السياسي والزعيم المذهبي. فكيف يسمح للأمة بان تنحر في الميدان المذهبي بأيدي أبنائها المغرر بهم من أعدائها؟ 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية