في البراءة الأولي للكتابة

حجم الخط
0

في البراءة الأولي للكتابة

في البراءة الأولي للكتابة هناك قول ذكي وذو أبعاد هامة للكاتبة الأمريكية السوداء، الافريقية الأصل، توني موريسون، ضمنته اجابة عن سؤال حول كيفية تأليفها لروايتها حبوبة وجهه اليها احد الصحافيين، ونشرته مجلة أمريكية. مفاد هذا القول أن موريسون قرأت العديد من الروايات، ولما لم تجد الرواية التي أرادت، وربما تمنت أن تقرأها، توجهت الي أدواتها الكتابية وشرعت في كتابة روايتها حبوبة .حين قرأت قول موريسون، تداعت أسئلة عديدة علي ذاكرتي، فهل الكاتب يكتب، لأنه لما يعثر بعد علي ما أراد أن يقراه من أعمال أدبية وابداعية، كما فعلت موريسون؟ أم تراه يكتب لأنه يريد أن يكون واحدا من الكتاب الذين يشار اليهم بالبنان، كما يتضح من العديد مما نقرأه يوميا وندير له ظهورنا آسفين علي الوقت الذي أضعناه في قراءته؟موريسون أدركت ما انبغي ادراكه أولا وهو أن الكتابة الابداعية الحقيقية ينبغي أن تقدم ما هو مختلف وجديد، والا ما الذي يمكن أن يدفعنا لقراءة كتاب، مهما قل عدد صفحاته أو زاد، ولماذا نحن نقرأ الكتب أساسا؟ أنحن نقرأها لمجرد أن نزجي أوقات الفراغ؟ أم نقرأها لأننا نريد أن نضيف تجارب أخري الي حيواتنا القصيرة علي هذه الأرض؟ ان الواحد منا يقرأ الكتب لأنه يريد أن يطلع علي تجربة أخري، عالم آخر، لا يمكنه أن يطلع عليهما، في فترة قصيرة من الزمن، هي عمره، مهما طالت هذه الفترة أو قصرت. لهذا بامكاننا أن نؤكد ما سبق وردده أكثر من مفكر وكاتب، وهو انني أقرأ لان حياة واحدة لا تكفيني .هذا القارئ يبحث عن الكتب ويقرأها، لأنه يريد أن يعيش حياته في عمقها، بمعني انه يريد أن يعيش حياة الوعي والادراك، وان يجعل لهذه الحياة معني. القراءة، لهذا، تمنح حياتنا هذا المعني، وتجعلنا اشد وعيا لمعني الحياة، وغوصا في أعماقها الغنية. لهذا نحن نقرأ الكتب. اننا نقرأها كي نطلع علي تجارب أخري وحيوات أخري، ما كانت حياتنا القصيرة تمكننا منها، لولا الكتب. بناء علي هذا، يمكننا أن نقول ان كل كتاب مختلف وجديد، هو عمر آخر يضاف الي عمرنا، وتجربة أخري تقربنا من المعني العميق لجوهر الحياة. تري ماذا أرادت توني موريسون، أن توصل الينا من قولها المثير؟ أأرادت أن تقول لنا، بذكاء امرأة خبرت الكتابة والحياة وسبرت أغوارها العميقة، انها أرادت أن تقدم الينا ما هو جديد ومختلف؟ ولهذا استحق ما كتبته أن نقرأه وان نطلع عليه وان نستفيد مما تضمنه من تجارب؟ أم أرادت أن تقول انها طلبت من نفسها ما يطلبه كل كاتب مبدع وحقيقي ويريد أن يكون فعلا، لا كلاما فحسب كما يحصل بين ظهرانينا، وهو أن يقدم ما هو جديد ومختلف، والا لماذا يكتب وينشر ما يكتبه؟اعتقد أن موريسون أرادت هذا كله، وربما أكثر. أرادت أن تقول لنا ان تأليف كتاب جديد ونشره، ينبغي أن يتضمن ما هو جديد، عما سبق وقرأناه من كتب، والا لماذا نتعب أنفسنا ونقرأ ما سبق وقرأنا مثله؟ أرادت أن تقول لنا، ان الكتابة الجادة هي رفض لسلطة أي نص سابق، وانها نظرة من زاوية جديدة متمردة، تطمح الي اضافة ما هو مختلف الي ذاكرة مُعاينها، لهذا فانها تستحق أن تتابع ويتم التمعن فيها.حين قرأت قول موريسون هذا، ثارت في نفسي هواجس كامنة، فلماذا نحن نكتب اذا كان ما ننتجه لا يضيف جديدا الي ما سبق وقدمه سابقونا من الكتاب المبدعين؟ ولماذا ننشره اذا سبق ونُشر مثله؟ ثم لماذا نحن نبقي أسري نصوص قديمة، وبامكاننا أن نفتح أبواب نصوص أخري مغلقة، هي نصوصنا القائمة علي رؤانا الخاصة بنا. أو لم نتفق بعد علي أن الكتابة الأدبية الابداعية هي رؤية أو وجهة نظر خاصة للواقع وأشيائه المحيطة بنا؟ أو لم نتفق علي أن الهدف من الكتابة لا يختلف عن الهدف من القراءة، وهو مد الحياة بنسغ حياة أخري؟انني اطرح هذه الأسئلة وسواها، كلما قرأت ما هو غير أصيل ويكرر كتابات سبق وقرأنا مثلها عند هذا الكاتب المبدع أو ذاك، بل انني لا أتردد في طرح هذه الأسئلة وأمثالها كلما قرأت عملا أدبيا مفتعلا يتعمد أن يقدم ما هو جديد ومختلف الي قارئه تعمدا، فالكاتب المبدع، كما هو لدي موريسون، لا يفتعل الكتابة وانما هو يبحث عنها في براءتها الأولي، وفي اختلافها الحقيقي وليس المزيف، ويقدمها بالتالي كمساحة خاصة من روحه وليس كمساحة لاستعراض المعارف والادعاءات، مثلما يفعل العديدون من الكتاب في أنحاء مختلفة من العالم ومن بلادنا بالتحديد.ناجي ظاهررسالة علي البريد الالكتروني6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية