قراءة في كتاب العقلانية النقدية عند كارل بوبر (2 من 2)
الخارجون من المجتمعات المنغلقة لديهم نزعة الارتداد للماضي ويجب محاربة ايديولوجية الحنين بالفكر الحردعوة للعمل من اجل جعل الحياة اقل خطرا وظلما والعقلانية الطوباوية ارتكبت جرائم بحق الاجيالقراءة في كتاب العقلانية النقدية عند كارل بوبر (2 من 2)عرض: د. سعيد بوخليط ـ هيغل وحربانأغلب أفكار هيغل، تم التعبير عنها سابقا مع هيراقليطس وأرسطو وكذا فلاسفة الأنوار، يشير بوبر. كما أن إسهامات هيغل الشخصية، تخفي وراء التحليلات العميقة والغامضة تراجعا عن مكتسبات العقلانية.تبقي للدياليكتيك وفق الترسيمة والخطاطة الهيغلية: الأطروحة ـ نقيض الأطروحة ـ التركيب أهميته. قد يكون وصفا مستساغا لبعض التطورات الفكرية، لكن كذلك من اللازم تجنب بعض الالتباسات: ليست الأطروحة هي التي (تنتج) من ذاتها نقيض الأطروحة ولكن وضعنا النقدي. كما أن التركيب لا يتأتي من (الصراع) بين الأطروحة ونقيض الأطروحة ولكن بالتأكيد عن صراع بين أفكار كثيرة (ص 33).رغم ذلك، هناك تصور قد يظهر هيغل بمثابة مبدع حقيقي. يتعلق الشأن بكونه مؤسس ما يسمي بـ: وطنية اليمين. إلا أن بوبر يقارب هذا المفهوم بنوع من العبثية، ساعيا إلي تفنيد الأسس التي قد يتوخي تصور كهذا إيجادها من أجل تبرير خلاصاته.أدي مفهوم وطنية اليمين وبتعهدات هيغل، إلي ظهور التأكيدات الأساسية والمسوغات التاريخية لظهور الفاشية: مفهوم شعب موحد بفكر وطني، ومحكوم عليه بمصير واحد (ص 33).ليس هناك معيار مقبول حسب بوبر من أجل تحديد: الوطن. سواء إذا اعتمدنا علي اللغة أو استنادا علي تصور أحادي النظرة فيما يخص تطور حضارة ما، التي هي في كل الأحوال ثمرة اختلاط بين شعوب أجناس مختلفة.فأطروحات مثل: 1 ـ ان شعبا لا يؤكد ذاته إلا بالحرب ضد شعوب أخري.2 ـ وان فكر الشعوب يجد أقصي تعبيره في الدولية، التي لا توجد فوقها أية أخلاق أو عدالة.3 ـ اعتبار الفرد مجرد أداة في خدمة الدولة الوطنية.4 ـ تمجيد أبطال وعباقرة الأمة…أفكار وأخري، أعطت لهيغل مسألة الريادة في إشعال حربين عالميتين وبالأخص الثانية.في إطار الأفق نفسه، يرفض بوبر كذلك التصور التاريخاني لمقاربة المجتمع الإنساني، أي لتلك المنهجية التي: ترتكز علي تفسير الأفكار وموضوعات المعرفة، إلخ نتيجة تطور تاريخي. أو النظرية التي تكون علي ضوئها الحقيقة تاريخية ( ص 34). رؤية تعتقد بمصير للتاريخ الإنساني، يتوخي هدفا معينا عبر سلسلة من المراحل الضرورية.هذا الموقف الشمولي للتاريخانية، يجعلها ضمن المنظور الذي تبنته الطوباوية، وهي بالمناسبة أول التيارات التي جاد لها بوبر ، كلاهما يدعو إلي رؤية تغير المجتمع كليا، وليس هناك إمكانية لتقويمه جزئيا: تتوحد التاريخانية والطوباوية في تمازج مفارق داخل أغلب النظريات الثورية. إن بوبر وهو يدافع عن سياسة إصلاحية، كان عليه إذن رفض الخاصية اللاعقلانية للأسطورة التاريخية (ص 34 ـ 35).بعد أن سعت التاريخانية عبر العصور والحقب، الي إيجاد مبررات موضوعية لتأكيداتها. وصلت في نهاية القرن التاسع عشر، وتحت تأثير الداروينية إلي أن تأخذ شكلا علمويا. أي أنه من الممكن دراسة القوانين التي تحكم المجتمع الإنساني، حيث يمكننا التنبؤ والتكهن بمستقبل المجتمع.لكن بوبر بأطروحة كتابه l’historicisme Misڈre de قارب هذه الصيغة اللاعقلانية للتاريخانية انطلاقا من تأكيده علي فكرة أن: التاريخ له معني، وكذا معرفة مراحله المستقبلية لا يمكنها أن تقوم علي معرفة موضوعية بالواقعة الاجتماعية (ص 35).هناك نوعان من الدلائل بخصوص مسألة علمية أو لاعلمية الطرح التاريخاني: توجد من جهة بعض الأطروحات اللاطبيعية أو السلبية ، والتي ترفض مسألة تطبيق العلوم الفيزيائية علي العلوم الاجتماعية نظرا لـ: 1ـ انتفاء الثابت في التاريخ الإنساني.2 ـ لا يمكن لتجربة أن تتكرر: بما أن المجتمع قادر علي التعلم، فإنه لا يتفاعل أبدا مرتين بنفس الطريقة مع نفس الواقعة: من النادر أن تحدث أزمتان اقتصاديتان لنفس السبب (ص 36).3 ـ تداخل عالمي الملاحظ وكذا الشيء الذي يلاحظه، أي كونهما ينتميان لنفس العالم. وتظهر صعوبة ذلك خصوصا في السوسيولوجيا، فلا يمكن أن تكون الممارسة العلمية للباحث محايدة. لأن له طموحات وأهدافاً. إلي جانب وجهة النظر الأولي، تلجأ التاريخانية كذلك إلي الأطروحات الطبيعية أو الوضعية، سعيا للتقريب بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية بخصوص بعض المحاور، انطلاقا من فهم، يؤكد علي أن التاريخاني حتي ولو استحالت عليه مسألة إعطاء قوانين ستاتيكية لنسق اجتماعي معين، فبإمكانه البحث في القوي التي تحدث التحولات الاجتماعية ومن ثم تقديم القوانين التي تحكم تطور النسق كليا وبالتالي المراحل التي يمر من خلالها إلي المستقبل. تكفينا مثلا معرفة التناقضات التي تعيشها الرأسمالية حتي نتكهن بانهيارها وانتقال المجتمع إلي المرحلة الاشتراكية. النقد الذي وجهه بوبر ، استبعد كليا إمكانية أن تنهض العلوم التاريخية بتنبؤات كتلك، لأنها بحسبه تفترض مفهوما مغلوطا لمناهج العلوم الطبيعية.1 ـ لا تكمن مهمة العلم في إعطاء تنبؤات مطلقة، لأن ذلك تحكمه قواعد وسياقات معينة، وعلي مستوي التنبؤات التاريخية، فلا يمكنها أن تكون شرطية إلا في نظام منغلق. والحال أن المجتمع الإنساني ليس كذلك.2 ـ لا يمكن أن تقوم قاعدة لتطور التاريخ الإنساني.3 ـ عوض البحث عن إيجاد قاعدة لذلك، يمكننا فقط وصف ميولات داخل هذا التاريخ. إلا أن الميول لا تخول الحق في التكهن. لذلك بعد أن صاغ بوبر مجموعة من الانتقادات المنهجية في كتابه Misڈre de l’historicisme فإنه اقترح تفنيدا للتاريخانية أو الحتمية التاريخية مظهرا أن كل تنبؤ مطلق بالمستقبل مستحيل لأسباب محض منطقية، لأن التاريخ الإنساني في العمق، يجب التفكير فيه كشيء غير قابل للتحديد (ص 38).لكن حتي وإن كان هناك اختلاف بين مختلف العلوم الطبيعية والاجتماعية فإنها تستند علي مبدأ وحدة المنهجية العقلانية يؤكد بوبر . لأنها توظف نفس المنهجية الفرضية ـ الاستنباطية.دفاع عن الشروط التاريخية والحضاريةكيف دافع بوبر ، من خلال كل كتاباته عن الشروط الحضارية والتاريخية والمعرفية التي تقود بالتأكيد إلي استمرار وبقاء المجتمع المنفتح ؟ ولعل موقفه الصارم كذلك من دوغماطيقية وحتمية النظرية الماركسية، يعبر دائما عن نفس الرؤية الفكرية. وإن ظل ماركسيا أو اعتبر نفسه كذلك علي الأقل لبضعة أشهر، كما أشار في سيرته الذهنية. لكن لأسباب ذاتية وأخري موضوعية مرتبطة بشروط فكرية، تخلي نهائيا عن تصورات ماركس.ظل بوبر يرفض كل نظرية دوغماطيقية. وقد مثل مبدأه المعرفي الشهير: قابلية التكذيب Faillibilisme سلاحا كبيرا لمواجهة التبرير الحتمي والمطلق الذي يمكن أن تتوخاه أية نظرية سواء كانت معرفية أو إيديولوجية. وإن كنت أعتقد صعوبة الفصل بين المنحي الإيديولوجي والمعرفي. وقد كان لظهور الفكر الإينشتايني ونظريته النسبية من خلال الأفق المعرفي الجديد الذي أرسته، أثره الكبير علي بوبر ليجعل من إينشتاين إذا نموذجه النظري أو المقابل الموضوعي لماركس. يقول بهذا الخصوص: (سيكون لفكر إينشتاين تأثير راجح علي تفكيري الخاص لمدة طويلة. ربما أكثر التأثيرات أهمية) (ص 56).لقد أظهر المسار الإينشتايني السهولة التي يستسلم بها الفرد لإغراء التوتاليتارية وانقياده وراء الأنسقة المغلقة. في المقابل سيؤكد إينشتاين علي ضرورة إخضاع الفرضيات للتجربة. وقد تكفي ملاحظة سلبية واحدة حتي يتم الاعتراض علي المسألة.هناك كذلك واقعة شخصية، عاينها بوبر عن قرب أبعدته نهائيا عن الانجذاب أو التعلق بالنظرية الماركسية. يتمثل الأمر، في الحدث المأساوي الذي أدي إلي قتل كثير من الشباب الشيوعي والاشتراكي الذين كانوا قد تظاهروا أمام المفوضية المركزية للشرطة بفيينا ، بإيعاز من الشيوعيين وذلك لمساعدة بعض المعتقلين الشيوعيين علي الهرب من قبضة البوليس.لكن إطلاق هذا الأخير للنار اتجاههم أدي إلي مأساة حقيقية: لقد أفزعتني وصدمتني شراسة البوليس، ونفسي كذلك. لأنه بدا لي كماركسي، كان لي نصيب من المسؤولية في هذه التراجيديا. تؤكد النظرية الماركسية، علي أن صراع الطبقات يجب أن يتقوي حتي يتم الإسراع بمجيء الاشتراكية. تؤكد كذلك، بأنه إذا كانت الثورة يمكن أن تؤدي إلي بعض الضحايا، فإن الرأسمالية قد أغرمت فعلا بذلك أكثر من الثورة الاشتراكية بكاملها . (ص 56 ـ 57). ويضيف بوبر : لقد أدركت الخاصية الدوغماطيقية للاعتقاد الماركسي، وغطرستها الفكرية المذهلة. كان شيئا مرعبا أن تدعي نوعا من المعرفة يقتضي المجازفة بحياة الآخر من أجل عقيدة مقبولة بطريقة غير نقدية، أو سعيا وراء حلم قد لا يمكنه التحقق. إن ذلك يستوجب بالأحري اللوم عند مفكر، أي شخص يمكنه القراءة والكتابة. لقد كان محزنا أن يتم اقتناصنا بهذا الشكل (ص 57).لا شك أن أهم ثوابت النظرية السياسية الماركسية، تأكيدها علي أن الدولة مجرد أداة للهيمنة الطبقية ووسيلة للاستغلال السياسي لصالح الطبقة النافذة اقتصاديا. يفند بوبر هذا الطرح، مدافعا بكل قوة عن وجود الدولة، لأنه يمكنها فعلا أن تقاوم المصالح الخاصة وتحد من السلط الذاتية. وفي جميع الأحوال، ليس هناك من وسيلة للفعل إلا عن طريقها.كما يرفض بوبر الخاصية اللاعقلانية للتاريخانية الماركسية من خلال ميلها للثورات العنيفة. قلت يمقت العنف، ويري بأن تبني العنف الثوري أو الطريقة التي تقوم علي انتظار الثورة نوعان من الخطر: 1 ـ من الصعب أن تتخلص ثورة ما من ممارسة العنف علي معارضيها.2 ـ يؤدي فشل الثورة إلي الفاشية نتيجة الإحساس بالخوف.لكن علي الرغم من قدرية ماركس السياسية، فإن بوبر يشير أيضا إلي الخاصية الإنسانية التي تتضمنها هذه النظرية.ما هو المجتمع الذي يتوخاه بوبر ، وكذا ماهية الشروط السياسية والاجتماعية لهذا المجتمع المنفتح؟ الذي يشكل بكل بساطة سدا منيعا أمام كل محاولة سياسية أو اجتماعية تتوخي الارتداد إلي المجتمع المنغلق.قبل الحديث عن خاصيات كل مجتمع علي حدة، أي المنفتح والمنغلق، تجب الإشارة إلي مسألتين أساسيتين: من جهة، استعار بوبر مفهومي المنفتح والمنغلق من برغسون لكن: بمعني مختلف شيئا ما ووفق تمييز عقلاني وليس دينياً… للتذكير، فالمنفتح عند برغسون يتمثل في كل مجموعة (أخلاقية، اجتماعية.. إلخ). تنفلت من خنق دائرة القواعد المغلقة والصلبة، ومنفتحة علي طفرة الحياة والإبداع (ص 66 ـ 67).الشيء الثاني، هو تحديد عصر بيرقليس، كلحظة تاريخية أساسية بدأ فيها الانتقال من المجتمع المنغلق إلي المنفتح. انتقال، قد يتهدده دائما زيف العقلانية الطوباوية، ثم وجود قوي تحن باستمرار إلي هذا المجتمع المنغلق.المقارنة بين المجتمع المفتوح والمغلقما هي أوجه الاختلاف والتعارض بين المجتمع المنفتح والمنغلق؟ہ لا يفصل المجتمع المنغلق بين قوانين الطبيعة وتلك التي جاء بها الإنسان. ويقدس كثيرا الطابوهات والإكراهات.ہ في حين أن المجتمع المنفتح لائكي La•que، ينظر إلي المؤسسات كإبداعات إنسانية.ہ المجتمع المنغلق سلطوي، يرفض الفكر النقدي.ہ علي العكس يمكن أن نمارس منهجيا وبكل حرية الفكر النقدي داخل المجتمع المنفتح وهو ما يفسر أهمية الفلسفة والعلم داخل هذا المجتمع.ہ يرفض المجتمع المنغلق كل إمكانية للتطور متوخيا البقاء مماثلا لذاته.ہ علي النقيض يتطور المجتمع المنفتح باستمرار، رافضا كل سكينة أو مهادنة مع ذاته.ہ المجتمع المنغلق، مجتمع عشائري لا يؤمن بالفرد. من ثم ضعف تحمله الاختلاف والتعدد.ہ أما المجتمع المنفتح، فيجعل من الفرد قيمته العليا. وهو ما يعطي لكل واحد الحق في أن يحدد اختياراته الشخصية، وليس هناك من مماثلة أوتوماتيكية كما يعتقد البعض استنادا إلي زعم أفلاطوني بين الفردانية والأنانية، لأنه بكل بساطة يمكن لمجموعة ما: أن تكون أنانية والفرد غيريا، بل يمكننا القول إلي حد ما بأن الآخرية تفترض الفردانية. ألم تظهر ذلك المسيحية والكانطية بتعريفهما للأخلاق من خلال التعامل مع الشخص الآخر كغاية (ص 68).الحنين إلي المجتمع المنغلق، يعطي في العمق حسب بوبر إمكانية النزوع نحو التوتاليتارية. وهذه النوستالجيا تتأتي أساسا، لأن الانتقال التاريخي من المجتمع المنغلق إلي المنفتح أدي إلي إحداث صدمة للوعي الإنساني. هل هناك خوف إذن من الارتداد نحو المجتمع المنغلق؟: الإنسان حسب التحليل النفسي ينجذب حتما وبشكل ارتدادي إلي المرحلة الطفولية (بل ومرحلة ـ قبل الولادة)، فإنه كذلك في كل مرة تظهر فيها صعوبة، يتم الانجذاب نحو نسيان الذات والانصهار في الجماعة. وكذلك الرغبة في الاحتماء من قبل قوة فوق بشرية ذات تراتب طبيعي، كل ذلك يشكل نزوعا قويا (ص 69).فالخروج من المجتمع المنغلق شكل إزعاجا للحضارة ، وما زال البعض يحلم خاصة مع الفاشية وبشكل أقل مع بعض الحركات الشيوعية إلي بعث سلطوي لهذه الوحدة المجتمعية.الوسيلة الأساسية حسب بوبر ، لكي نحارب ونهزم هذه الايديولوجيا التي تقوي الحنين إلي المجتمع المنغلق هو دعوة الأفراد لكي ينهضوا بالمجهود النقدي والدفاع عن الفكر الحر، مما سيؤدي معه إلي الإيمان الحتمي بالعقلانية النقدية والتي أوجد لها بوبر قنوات علي مستوي مجموع فلسفته أي فلسفة العلوم والفلسفة السياسية من أجل أن يحل العقل النقدي محل العنف. ونتعلم أساسا: قتل الأفكار بواسطة نقاش عقلاني عوض التضحية بحاملي هذه الأفكار (ص 63).عقلانية جديدةيدعو بوبر بهذا الصدد إلي عقلانية سياسية حقيقية، مقابل الصورة العفوية التي يمكن أن تأخذها هذه العقلانية المحكومة برؤية طوباوية، والتي باسم البحث عن تحقيق السعادة للجميع، ارتكبت جرائم وجرائم في حق هذا الجميع، وتمت التضحية بأجيال وأجيال.يعترض بوبر علي التصور الذي ينطلق من مبدأ: أن العقلاني، وحده ذلك الذي بإمكانه مقاربة المجتمع ككل. وبالتالي لا يبحث إلا في التأثير علي مستوي هذا الكل. يحيل أصل هذه الفكرة علي الوعي بأنه في مجتمع ما وكذا بالنسبة لكل حقيقة فإنه مغفل ومخدوع ذلك الذي لا يري إلا أجزاءهما المتباعدة (ص 74)، خاصة مع التحليلات الهيغلية التي أكدت علي واقعية مبدأ وحدة الأجزاء داخل الكل. ثم النظرية الماركسية بعد ذلك، التي نظرت إلي المجتمع كحصيلة للصراعات الطبيعية والتمظهرات الاقتصادية لذلك. لذا أصبح الاعتقاد بأن التغير المجتمعي لا يتم إلا برؤية نسقية علي مستوي المجموع وكل إصلاح جزئي محكوم عليه بالإخفاق والفشل.ينتقد بوبر هذا المخطط الطوباوي ساعيا أيضا إلي إظهار وهمية توخيه العقلانية، وهو في الواقع لا يمثل إلا تراجعا إلي مستوي العماء الذاتي. دلائـل بوبر بهذا الخصوص:1 – لا يمكننا معرفة هذا الكل أو التأثير فيه. وكل نية تتغيا ذلك فإنها تلاحق الزيف: الاعتقاد بممارسة علم يلامس الكلية الاجتماعية أو القيام بفعل كلي مسألة وهمية: الكلياني فقط شخص غير مدرك للطبيعة الانتقائية لتدخله في الواقع، لذلك يتفاعل بطريقة غير نقدية. ما يفسر خطأه خلطه بين فكرتين: كلمة (كل) تحيل سواء إلي كلية خصائص الشيء أو (بعض مميزات الشيء موضع التساؤل، تلك التي تجعله بالأحري يبدو كبناء منظم أكثر من كونه مجرد تراكم). وحدها الكليات بهذا المعني الثاني يمكن دراستها. لكن ينبغي أن نري إذا أمكنها، أن تكون أقل فورية أو أكثر تجريدية، فهي في العمق كذلك جزئية مثل الخصائص الأخري (ص 75).يجب أن تكون رؤيتنا للواقع وعلاقتنا به انتقائية، لأنه تستحيل كل إمكانية للضبط الكلي للمجتمع. وحتي من الناحية المنطقية، فإن كل ضبط دقيق للعلاقات الاجتماعية يؤدي مرة أخري إلي خلق علاقات اجتماعية جديدة وهكذا دواليك أي أن عملية الضبط ترتد إلي اللانهائي. كما أن عملية المراقبة الكلية، وفق هذا المنظور الكلياني تذهب بالتأكيد إلي اختزال تعدد العلاقات وإلغاء الاختلافات.2 ـ الدليل الثاني الذي جاء به بوبر يشير إلي: استحالة تهيئ معرفة ضرورية قصد إيجاد مخطط كلي لمجتمع مثالي، المعرفة الوحيد التي نملك تتأتي من تجارب متفرقة. وفيما يخص المجسمات الطوباوية التي يمكننا إعدادها، فلا نملك الوسائل لاختبارها ومعرفة قيمتها (ص 76).يستسيغ الطوباوي العنف بسهولة، ويفترض أسوأ الديكتاتوريات والأنظمة السياسية. من الناحية البيداغوجية التعليمية، فإن المفكر الطوباوي يتحول حتما إلي شخص دوغماطيقي، لأنه يحرم نفسه إمكانية اكتشاف أخطائه وبالتالي التعلم والنجاح. فالمجرب الطوباوي، يكون مجبرا علي إسكات نقدات الآخرين بالقوة إن لزم الأمر.في مقابل كل ذلك ، يدعو بوبر إلي تبني منهجية تجزيئية أو بشكل من الأشكال انتهازية . مما يتحتم معه، أن تكون للإنسان عقلانية تقنية.سيتكلم بوبر كمصلح سياسي عن الذهنية التكنولوجية و التكنولوجية المجزأة ، محددا في نفس الوقت هدف كل سياسة لحماية الناس شيئا فشيئا، للتخفيف من المعاناة وتحقيق قدر كبير من المساواة عن طريق مجموعة من المؤسسات السياسية تحمي الناس أولا ضد أنفسهم. حقا هم: طيبون، ولكن حمقي ومتقلبون (ص 55).وقد وجد بوبر في الليبرالية السياسية مجموعة من المميزات أعطاها تفضيلا عنده، يقول: أعتقد أن ما نحن قادرون عليه، هو العمل بالنسبة لكل جيل تقريبا علي أن تصبح الحياة شيئا ما أقل خطرا وجورا (ص 55). فالمهم هو السعي إلي محاربة الآلام الفعلية والواقعية.أما المؤسسات السياسية فإن بوبر يشبهها بالمعاقل: قد لا تكون فعالة إلا إذا كان لها جنود ملائمون (ص55). من اللازم أن تكون لها القدرة علي جعل الأفراد أحرارا في أن يتصرفوا وفقها، ثم التعود علي تحمل النقد لأنه الأداة التي تمكنها من التحسن.أما قضية السيادة La souverainetژ انطلاقا من سؤال : من الذي يجب أن يحكم؟؟ . فلا تهم بوبر ، لأن الشيء الضروري يتمثل بشكل خاص في مراقبة الحاكمين.تلك إذن بعض أفكار بوبر السياسية، وتصوراته لكيفيات تنظيم العلاقات بين الناس ونضاله الفكري لتشييد أسس مجتمع منفتح يؤمن بالاختلاف والتعدد والمؤسسات الحرة.لكن تظل للنظرية المعرفية العلمية والفلسفية البوبرية، أهمية قصوي في جغرافية إبستمولوجية القرن العشرين، حيث غيرت مجموعة من الثوابت والماقبليات في فهمنا للعلم والممارسة العلمية. ولا شك أن تأطير بوبر معرفيا لما يسمي ب: قابلية التكذيب، ووقوفه علي قابلية النظرية المعرفية باستمرار للخطأ، شكل قطيعة مع كل دوغماطيقية علموية: تجعلنا نعتقد بأن العلم ينفتح وينتهي علي معارف مطلقة، ويخلق وهما بخصوص طبيعـة العلم الحقيقيـة (ص31).اشادة دائمة بلاادرية سقراطلقد أشاد بوبر بشكل مستمر، بالمقولة السقراطية: أعرف أني لا أعرف شيئا . وأعلن تأثره بالمسار الإينشتايني، معارضا في المقابل لماركس وفرويد لكن تنبغي أيضا الإشارة إلي ضرورة تمييز قابلية التكذيب عند بوبر، عن الشكية، حتي وإن كان هناك تداخل بين المفهومين اللذين ينتميان إلي التراث الثقافي للقرن العشرين.إذا كان قد جعل من لاأدرية سقراط شعارا يختزل به تبسيطيا نظريته ومفهومه للمعرفة، فإن بوبر انتقد من جهة ثانية، في إطار اسم الماهوية l’eentialisme التصور الأرسطي الذي أكد بأن العلم يمكنه أن يسعي إلي تفسير نهائي يعمل علي إدخال الماهيات، واضعا نفسه، في موقع ثالث بين الموقف الوسائلي أو الأداتي، وانحيازه لجانب من المفهوم الجاليلي للعالم، بعد أن قام بحذف جوهريته والإبقاء علي العناصر التي تؤكد النقد الأداتي.حينما ينتقد بوبر الماهوية، فإنه يتوخي ضرب تلك النظريات التي تؤكد علي إمكانية صياغة نظرية للتفسيرات النهائية: داخل ماهية العلم .. لا يمكننا أن نعرف أو نقف علي الماهية أو الطبيعة الجوهرية للأشياء (ص31). لا يمكننا في العلم، توخي أو ادعاء إقامة نماذج تفسيرية نهائية. قد لا تعطي لذاتها إمكانية أن تكون بدورها قابلة للتفسير. فكل نظرية حسب بوبر ، عليها أن تتضمن وتحيل منذ البداية الي استراتيجيات دحضها. يرسم بوبر لمفهومه عن الماهوية مسافات تطول أو تقصر ارتباطا بالبعد الإبستمولوجي الذي يريد الاشتغال عليه، يقول : أسلم … إراديا بالماهوية لأن أشياء كثيرة تختفي عنا وبالتالي فإن قسما منها قابل للاكتشاف. أرفض إيحاء القولة المأثورة لفتجنشتاين : اللغز لا يوجد أبدا، ولا أتوخي أبدا انتقاد أولئك الذين يبحثون عن فهم ماهية العالم (ص 30).لكنه يؤكد في السياق ذاته ، بأن كل نظرية ليست إلا فرضية، أو بشكل دقيق، يعتقد بوبر بأن النظريات يمكن أن تكون مفيدة تقريبا، ثم علي وجه التقريب كذلك لا يمكنها أن تكون صحيحة أو خاطئة.وما يؤكد قطعه مع التطور الأحادي الكلياني لجدلية الصواب والخطأ كما كان الأمر مع النظرية المعرفية داخل التيارين الأساسيين في تاريخ الفلسفة: العقلانية والتجريبية. إيجاده لموقع ثالث يدافع عن الحقيقة/ التطابق، أي الحقيقة التي تطابق الوقائع، بعد أن وظف أعمال تارسكي حول الحقيقة وحساب الأنظمة.وقد اشتق بوبر سنة 1960 مفهوم: Vژrisimilitude، أو التقرب من الحقيقة. وذلك ، حتي يظهر: بأنه ليس من باب افتقاد المعني، التكلم عن كون نظرية خاطئة يمكنها أن تكون (أكثر قربا من الحقيقي)، مقارنة مع أخري .. إن قولا خاطئا بإمكانه وهو يتيح فرصة استخلاص نتائج أكثر دقة، أن يكون له محتوي من الحقيقة أكثر إفادة وغني من قول يعتبر صحيحا (ص 77). لكن ذلك لا يعني ضرورة الاكتفاء بالأقوال والنظريات العلمية الخاطئة، فالمسألة ليست بهذا المعني.يحدد بوبر تعريفه للنظريات العلمية قائلا: النظريات شبكات موجهة للقبض علي ما نسميه بالعالم (ص 70). ومهمة العلم تفسيرية أساسية، حيث يتموضع بوبر وبشكل قصدي: ضمن المنظور الذي جاء به أمثال: بلانك وميرسون، والذين توخوا التركيز علي الخاصية التفسيرية حقا للنظرية العلمية، في مقابل الاتجاهات الوضعية أو الأداتية للإبستمولوجيا المعاصرة (ص71).نتحدث عن تفسير واقعة ما، حينما يتم استنباطها من قاعدة عامة مع ربطها ببعض شروط الانطلاق التي يسميها بوبر بـ الشروط الأولية ، مع ضرورة أن نتجنب تلك التفسيرات السيئة أو تفسيرات لهذا الغرض adhoc: والتي ليس لها إلا الظاهرة التي تتوخي تفسيرها، وإلي حد ما التفسيرات التعميمية من نمط : البحر هائج لأن مزاج نيبتون سيء. وهو ما يتأكد في كل مرة يكون فيها نيبتون سيء المزاج، فإنه يثير البحر (ص 72).تظل التفسيرات منفتحة علي إمكانياتها باستمرار، لكن حتي لو وصلنا إلي أكثرها عمقا، فليست هناك تفسيرات نهائية. قد نقف علي بعض ملامح خطاطة بوبر للتفسير الاستنباطي في: ـ تساعد علي الفهم النظري للعلم، كما تفسر العلم في أبعاده التطبيقية.ـ ننتقل فيها من المقدمات المنطقية إلي الخلاصات.ـ تستهدف إيجاد مجموعة من الشروط الأولية والتي تمكن من الوصول إلي أهداف معينة بناء كذلك علي بعض القوانين.ـ إمكانية توظيف نظريات زائفة لعدم توفر الأفضل.ـ التأكيد علي إمكانية أن تدحض ملاحظة واحدة النظرية بأكملها.ـ يمكننا الحكم علي قيمة نظرية قبل اختبارها استنادا علي غني محتواها.ـ نحتاج إلي معلومات عن الكون، وليس لبداهات وحقائق غير مفيدة: نفضل محاولة تسعي إلي معالجة مسألة غير ذات قيمة بحدس جريء. حتي ولو ظهرت علي الفور خاطئة، بجردها لوقائع حقيقية لكنها بلا أهمية (ص 74).ـ نقف علي نظرية ما بالروائز والاختبارات لتأكيدها واستخلاص: مجموعة من التنبؤات الدقيقة بواسطة شروط أولية إضافية مع مماثلة هذه التنبؤات بالملاحظة (ص 73).بوبر والميتافيزيقياوماذا عن موقف بوبر من إشكالية القضايا الميتافيزيقية؟ سعت بوفريس إلي تصحيح معلومات عن بوبر ، تحولت مع مرور الوقت خاصة عند غير العارفين بفكر الرجل إلي بداهة. يتعلق الالتباس بتصنيفه ضمن إطار المفكرين الوضعيين وربطه بحلقة فيينا . والصواب، هو أن بوبر مفكر عقلاني، ولم يشكل أبدا طرفا في الحلقة بالرغم من علاقته بمفكري وعلماء فيينا، خاصة إذا كنا نقصد بمفهوم الوضعية هنا، كل مقاربة تفضل العلم وبالضبط العلم الطبيعي من أجل تدقيق نتائجها في تقابل مع أنواع الخطابات الأخري.تقول بوفريس : بينما يتجه من جهة اهتمام الوضعيين إلي استبعاد ادعاءات المتافيزيقيا المعرفية، وقيمها الأخري مهما كانت والتي يقبل بها بعض الفلاسفة باعتبارها نتيجة لا يمكن تجاوزها، فإن فشل المتافيزيقيا كمعرفة عقلانية، يشكل إذن رهان الوضعيين. يتوخي قسم من مجهود بوبر ، رد الاعتبار إلي الميتافيزيقيا ورؤيتها المعرفية (ص 61).يميز بوبر بين القضايا الفلسفية والقضايا الميتافيزيقية، مع رده الاعتبار للميتافيزيقا ضد وضعيي حلقة فيينا وكذا فتنجنشتاين الذي نفي وجود القضايا الفلسفية، فالأمر لا يعدو أن يكون مجرد مربكات Puzzle لسانية، بينما بوبر دافع عن الوجود الحقيقي للقضايا الفلسفية.دعا الوضعيون إلي معيار التحقق كفاصل بين العلم واللاعلم، في حين جاء بوبر بمبدأ قابلية الدحض مميزا بهذا الصدد بين الحقول المعرفية والنظرية التالية: 1 ـ منطق ورياضيات، حقل ما يمكن البرهنة عليه أي الفكر. غير المعرفة (الحدسية) كما تتجلي في: 2 ـ المعرفة التجريبية و 3 ـ الميتافيزيقا (ص 59).تتميز العبارة الميتافيزيقية عن النظرية العلمية، بأنها قابلة للاختبار ومن غير الممكن التحقق منها أو دحضها ، لهذا السبب يرفضها الوضعيون، فهي فاقدة للمعني والحقيقة وكذا القيمة. علي العكس يؤكد بوبر علي قابلية العبارة المتافيزيقية للتدليل والنقد. وقد ألهمت بعض النظريات الميتافيزيقية العلم، بعد أن أصبحت قابلة للاختبار.أما عن نقاش بوبر المستفيض لفكر الفيلسوف هيوم أو إعادته تقويم إشكالية هيوم ! فقد تأسس أولا وأخيرا علي قضية الاستقراء L’induction التي يسميها بوبر قضية هيوم . لأن هذا الأخير هو أول من شكك في صحة الاستقراء من الناحية المنطقية.يؤكد بوبر بأن : الاستقراء كـ(انتقال بواسطة عدد معين من الملاحظات الجزئية إلي قاعدة عامة، مع عدم استناده في ذلك علي عدد محدود من الحالات، ولكن علي كل الحالات) أسطورة. فالعلم التجريبي لا يقوم علي الاستقراء، لكن علي التخمينات والتفنيدات (ص 48).مع رفض بوبر للاستقراء، اعتبر بأن النقد الذي جاء به هيوم في كتابه: L’enquگte sur l’entendement humain للأسس المنطقية للاستقراء: جوهرة بدون ثمن فيما يخص نظرية المعرفية (ص 49).ميز هيوم بين علاقات الأفكار، أي ميدان اليقين الذي يتأتي من كل تأكيد يكون حدسيا أو برهانيا يقينيا، يتجلي في الهندسة والجبر وعلم الحساب. ثم علاقات الوقائعية، والتي عكس القضايا اليقينية تتضمن التناقض: نؤكد بامتياز فيما يخص الوقائع ، أن الشيء الوحيد بالنسبة للتجريبي يتجسد في الشهادة الفعلية للحواس وعند الاقتضاء الصلات اليقينية لذاكرتنا (ص 49).واستدلالات الوقائع حسب هيوم ، تقوم علي علاقة السبب بالنتيجة والتي نصل إلي معرفتها عن طريق التجربة انطلاقا من العادة أو التعود ثم دور التكرار في تشكيل التعود L’accoutumance: ليست العلية بمبدأ يدير الأشياء، بل تختزل إلي (مبدأ للطبيعة الإنسانية)، و(الحتمية شيء يوجد في الفكر وليس في الأشياء). ولا يمكن لمبدأ العلية أن يقوم بناء علي عاداتنا الاستقرائية، لأنه هو ذاته ليس إلا تعبيرا لهذه العادات (ص50). لذلك اعتبر روسل Ruel بأن: (فلسفة هيوم سواء كانت صحيحة أو خاطئة، تمثل إفلاسا للقرن الثامن عشر العاقل (ص 50)، لأنه بوقوفنا مع هيوم علي دلالة محض سيكولوجية للعلية قوض بلا شك من قيمة معرفتنا، وألغي كل اختلاف أو تمايز بين الفكر العلمي المضبوط وظواهر الحياة الوجدانية حتي في أشكالها اللاعقلانية.ينهض مشروع بوبر إذن علي تجاوز هذه الوضعية العبثية والمنغلقة لنظرية المعرفة عند هيوم لأنه (رمم العقلانية العلمية بحله قضية العلم التجريبي الأساسية وكذا علاقات التبرير بين نظرية عامة ثم سلسلة تعابير الملاحظة). (ص 51).يفصل بوبر بين العلية والاستقراء. لا تحيل العلية بالنسبة إليه كما هو الأمر مع هيوم إلي قوة سيكولوجية بل توجد قياسا إلي قاعدة عامة، وينظر إلي السبب كعلاقة استنتاجية، واضعا الضرورة المنطقية وليس الطبيعية حيث يسترشد بوبر باكتشاف تارسكي Tarski لعلم الدلالة.يدخل بوبر مفهوم القاعدة في مقاربته للعلية إضافة إلي مصطلحي: السبب و النتيجة . يؤدي التقاء القاعدة بـ الشروط الأولية أو السببية إلي استخلاص النتيجة. تتأسس منهجية بوبر علي جدلية: المحاولة / الخطأ. تنفي كون صياغة النظريات العامة يرتبط بتراكم الملاحظات. والعلم، لا يقوم علي الاستقراء، ولكن يتأتي أساسا من التخمينات والتفنيدات: (لا يمكن تأكيد عبارة عامة انطلاقا من عبارة أو عبارات خاصة ولكن يمكنها أن تدحض بواحدة منها. لا تبرهن مئة ألف إوزة بيضاء علي أن كل الإوز أبيض، ولكن يكفي وجود إوزة سوداء حتي تصبح قاعدة (كل الإوز أبيض) باطلة (ص 53).التزييف هو الأساس الصلب لمعرفتنا. نوظف الملاحظة قصد إبطال الحدوس النظرية، وتزييف الفرضية الموجودة قبلا. لذا، فإن نظرية بوبر توفق بين التصورين العقلاني والتجريبي: التجربة تحسم النظرية، لكن إقامة النظرية لا يمكن أن تتم انطلاقا من التجربة. بهذه التوليفة المنهجية، يعتقد بوبر بأنه قد حسم في قضية الاستقراء. تقول بوفريس : لقد تحاور بوبر مع هيوم بطريقة تقديرية ونقدية، إنه كانط Kant القرن العشرين (ص 65).تلك في تقديري الشخصي، كانت أهم التدقيقات النظرية لهذا العمل الذي سعت عبره بوفريس، الي القيام بمتابعة سريعة واستكشافية لأوليات الفكر البوبري. وطبيعيا، لا تخرج كل إشارة أو وصية محتملتين هنا، علي حتمية الرجوع إلي الأصول والمصادر لكي يتمثل القارئ عن قرب سعة نسق معرفي كبير، كما حدث مع مفكر إنساني اسمه: كارل بوبر.عنوان الكتاب بالفرنسية:1Renژe Bouveree : le Rationalisme critique de Karl Poقراءة في كتاب العقلانية النقدية عند كارل بوبر (2 من 2)er. Ellipses. 2000. ہ كاتب وباحث من المغرب 7