صبوة في خريف العمر بين ارادة المصالحة وغواية المكاشفة

حجم الخط
0

صبوة في خريف العمر بين ارادة المصالحة وغواية المكاشفة

د. سعيد كريمي صبوة في خريف العمر بين ارادة المصالحة وغواية المكاشفةلم تعد الرواية اليوم حكرا علي الأدباء بحصر المعني، بل تحولت الي فضاء فكري وجمالي تؤمه مختلف الأقلام ذات المرجعيات والتخصصات المختلفة والمتباينة. فقد كتب الرواية كبار الفلاسفة أمثال جان بول سارتر، وامبرتو ايكو، وعبد الكبير الخطيبي، ومحمد عابد الجابري، وبن سالم حميش، والميلودي شغموم… كما اشتغل بها كذلك المؤرخون من أمثال عبد الله العروي، وأحمد التوفيق… والمهندسون من قبيل عبد الرحمن منيف، والساسة من طينة أندري مالرو، وفرانسوا مورياك، وجاك أتالي، وحسن أوريد.ولعل السر في ذلك يعود الي كون هذا الجنس الأدبي المنفتح يمنح للمؤلفين والمبدعين امكانيات هائلة وغير محدودة للتعبير عن أفكارهم وتصوراتهم الفكرية والجمالية عن طريق التقرير أو الايحاء، أو عبر التصريح أو التلميح، خالقين مجموعة من الشخصيات الورقية التي تنوب عنهم في تبليغ ارسالياتهم ابداعيا، متفادين مغبة الخطاب السياسي المباشر الذي قد لا تسمح سياقات أو مواقع البعض منهم في الافشاء به علي رؤوس الأشهاد.وتعتبر رواية المفكر المبدع حسن أوريد ـ وهي ثالثة عقده ـ صبوة في خريف العمر بمثابة مرافعة سياسية في قالب فني وجمالي. كما أنها أيضا تؤسس لفلسفة روائية جديدة تمزج بين حسن تمثل اواليات اشتغال السرد، والابتعاد عن طرح المواقف الفكرية الجاهزة. وتروم في المقابل فتح نقاش سياسي فكري مغلف بمسحة روائية يؤمن بالاختلاف في اطار الوحدة، ولا يصادر الرأي الآخر، بل يناقشه ويحاوره، تاركا للقارئ حرية الحكم واتخاذ الموقف المناسب. وهذا ما يسميه امبرتو ايكو بالعمل المفتوح L’uvre ouverte.1 ـ بلاغة العنوان وقوة اشارته:ان اختيار حسن أوريد عنونة روايته بـ صبوة في خريف العمر ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة لامعان كبير، وتدبر أكبر، ووعي لافت بالأهمية القصوي التي يكتسيها العنوان باعتباره عتبة لولوج المتن الروائي. ولكونه أيضا بمعية الغلاف والرسومات والألوان عناصر أساسية لمراودة المتلقي/القارئ عن نفسه علي حد تعبير رولان بارت، والدفع به الي الاقبال بنهم علي قراءة العمل الأدبي دفعة واحدة. واذا عدنا الي ايتمولوجية كلمة صبوة عند ابن منظور في لسان العرب، فاننا نجدها تعني جهلة الفتوة واللهو من الغزل . ومنه التصابي والصبا… ويقال صبا الي اللهو صبا وصبوا وصبوة. قال زيد بن صينية. الي هند صبا قلبي وهند مثلها يصبي… وفي الحديث وشاب ليست له صبوة أي ميل الي الهوي . (2)واذا كانت الصبوة مرتبطة بربيع العمر، فان حسن أوريد أسقطها علي خريفه. وهي المفارقة اللافتة التي قد تعطي للقارئ عناصر أولية لتلقي المتن والامساك ببعض تلابيبه. غير أن أفق انتظار هذا القارئ المحتمل يظل مفتوحا ومشرعا ما دام أن مؤلف هذا العمل الروائي ليس شخصا نكرة ولا متطاولا أو متطفلا علي عالم السرد، بل هو كاتب متمرس يعرف حق المعرفة سراديب ودهاليز وجماليات الكتابة. كما أن القوة الدلالية والرمزية لهذا العنوان لا تعفينا من الاطلاع علي فحوي الرواية الطافحة بمجموعة من السلوكات والتمظهرات التي تشي بصبوة السجلماسي في خريف عمره باعتباره الشخصية المحورية في هذه الرواية. الا أن صبوته ليست عاطفية جارفة، بل صبوة محتشمة مطرزة ببصمة المثقف والأب المتمرس الذي يلجم نفسه ساعة الضعف ولا يأخذ الأشياء علي عواهنها.تتمحور أحداث هذه الرواية حول شخصية السجلماسي المدغري الذي عاد الي أرض الوطن بعد عقود من المنفي الاضطراري القسري… وبعد سنين طويلة من النضال السياسي المستميت علي مختلف الجبهات، تبخرت أحلامه، ليستقر بالمغرب ويكتشف واقعا جديدا معقدا لا عهد له به. وتقوده مصادفة غريبة الي اللقاء بالشابة مارية التي سيتعلق بها وتتعلق به رغم فارق السن الكبير بينهما. وهو ما سيسفر عن تعرية بعض الحقائق الصادمة في حياتهما معا. 2 ـ اللعبة السردية: لم يكتب حسن أوريد روايته صبوة في خريف العمر بمنطق التتالي السردي الكلاسيكي المبني علي الخطية المباشرة والتتابع الدرامي البسيط للأحداث، بل عمد الي نوع من التقطيع الشبيه شكلا بالفصول غير المعنونة للنصوص المسرحية. حيث يمكن استبدال مقطع سردي بمقطع آخر داخل فضاء الرواية دون أن يحدث ذلك أي خلل هيكلي في التصور العام، ما خلا المقاطع المتعلقة بحكاية السجلماسي مع مارية المبنية علي نوع من الخطية، والمنطلقة من بداية ووسط وتطور درامي ثم نهاية. وقد لجأ حسن أوريد في مساحة كبيرة من الرواية الي استعمال تقنية التبئير الخارجي Focalisation externe لتمكين الراوي من معرفة كل شيء عن شخصياته وتأويل كل السلوكات والأحداث. ففي معرض تقديمه لشخصية أوديل مثلا يقول: أوديل تتكلم علي شكل كل الفرنسيات المتوسطات. أوديل لا تري ضيرا أن تبيع المجتمعات الفقيرة طبيعتها لارضاء نزوات الأغنياء كما تبيع امرأة جسدها . (3)ثم يسهب في صفحات أخري في تشريح طبيعة شخصيتها المجسدة لثقافة المرأة الغربية الميالة أكثر الي النرجسية وحب التمتع بالحياة والواقعية البراغماتية. وفي المقابل، يقدم لنا جانبا من شخصية السجلماسي المحورية علي النحو التالي: لم يحب المدينة…فاس، بل أعرض عنها ورأي فيها صورة لمغرب محافظ عتيق… تلك كانت نظرة خياراته السياسية والمذهبية…وكان رد فعل لصورة الاستقلال التي لم تستجب للصورة الزاهية التي حملها هتافهم وصراخهم وهم في مقتبل العمر… ثم جذوره من وسط متواضع في منطقة نائية علي تخوم الصحراء بواحة مدغرة . (4) فالراوي اذن يمتلك سلطة المعرفة، حيث يبسط هنا بعض العوامل التاريخية والموضوعية التي ساهمت في تكوين شخصية السجلماسي.ولتنويع اشتغال الجهاز المفاهيمي للعبة السردية، لجأ حسن أوريد كذلك الي التبئير الداخلي Focalisation interne الذي تتفوق فيه الشخصية علي الراوي من حيث مستوي الرؤية والفهم والقدرة علي تأويل الأحداث والوقائع. ولتوضيح ذلك نسوق ما فاهت به الشابة مارية التي ارتبطت عاطفيا بالشيخ السجلماسي الذي لم يكن يعرف عنها سوي مظهرها الخارجي: غبطت دوما ابنتك، لأنك لم تتخل عنها لا في وجدانك ولا في سلوكك. تمنيت لو كان لي شيء طفيف أثبت به الذاكرة. منديل من أمي. صورة لأبي. لا شيء. لو لم تكن دادة مباركة لما عرفت أني مبتورة… قالت اني أنا لقيطة من تزنيت… .(5) وهذا الاعتراف والبوح لم يكن الراوي العارف بكل شيء علي علم بفحواه، بل كان يجهله تماما لتسحب سلطة المعرفة منه، وتتحول الي شخصية مارية، ويصير التبئير داخليا بعدما كان خارجيا. وهذا التنويع السردي هو تكسير لرتابة الحكي، وتقليعة جمالية تشي باتقان المؤلف لآليات السرد.في هذا الاطار لجأ أيضا الي السرد الخارجي Rژcit extradiژgitique ما دام أن هناك راوياً للوقائع والأحداث يتحدث بضمير الغائب عن طريق التداعي الحر La rژtrospection بالعودة الي الماضي لاستعادة وتفسير حاضر شخصية معينة كما هو الحال مع سعيد الذي فقد عقله. نفر من حوله الجميع. انتبذوه لهذيانه وحديثه المعاد. انمحت من أحاديثه كل القضايا الجوهرية التي عاش من أجلها… .(6) بالفعل، فقد كان سعيد مؤمنا حتي النخاع بالقومية والوحدة العربية، حيث ناضل وكافح لتحقيق هذا الحلم. الا أنه أمام تتابع الخيبات والاخفاقات والانكسارات لم يستطع المقاومة، فاستسلم لليأس الذي انقلب الي هذيان وخبل وجنون.واستعمل المؤلف كذلك السرد الداخلي Rژcit intradiژgitique الذي يستخدم عادة في السيرة الذاتية حين فسح المجال لبعض شخصياته لكي تتحدث مباشرة كما هو الشأن بالنسبة الي ابنة السجلماسي ايطو التي حرمته منها زوجته أوديل، والتي حدثته بعد فراق دام سنوات طوال بما يلي: أنا يا أبتي أتألم كذلك.حينما أري أترابي مع آبائهم أعرف أنك تتألم…ارجع من حيث أتيت الي بلدك، أو الي بلد آخر. تزوج. أنجب أبناء. أبناء تعيش معهم وترتبط بهم. أبناء تحبهم ويحبونك .(7)وانسجاما دائما مع تنويع حسن أوريد للعبته السردية، استخدم تقنية السرد الدرجي Le rژcit ˆ tiroir التي تتعدد فيها الحكايات المستقلة بذاتها علي الرغم من أن الراوي واحد. حيث لا تربط حكاية السجلماسي مع أوديل، أو حكايته مع سعيد، أو حكايته مع السي علي المناضل الأمازيغي، أو مع أحمد الحرزي المعتقل السياسي، أو مع حمادي، أو مع الطبيب الاسلامي…أية صلة، اللهم حضوره مع هذه الشخصيات باعتباره الخيط الناظم، ومحور الحكاية الكبري المتضمنة لحكايات صغري. وهو ما يصطلح علي تسميته في السرديات بالترصيع Ench‰ement. 3 ـ ارادة المصالحة وغواية الكاشفة:من الصعب التسليم باقحام عمل حسن أوريد صبوة في خريف العمر في اطار الواقعية باعتبارها فلسفة ورؤية فكرية وجمالية، حيث تتراوح كتابته بين الاغتراف من معين الواقع طورا، والتحليق في معالم الخيال تارة أخري.كما أن التباس مفهوم الواقعي ومتاخمته لمفاهيم أخري من قبيل الحقيقي، يجعل النبش والحفر في مدي واقعية هذه الرواية أمرا غير ذي بال. وعليه، فان ما يلفت الانتباه منذ القراءة الأولي لهذا العمل هو تنوع القضايا السياسية الكبري المطروحة، وعمق الخلفية النظرية التي تناقش بها، وجمالية اللغة التي تنزاح في بعض الأحيان عن أدبية الأدب بحكم طبيعة المواضيع التي تناقش لتعود للارتماء في ظلاله الوارفة. ونجد أنفسنا بين حمأة أوريد السياسي والمثقف العضوي، وبين أريج حسن الأديب والروائي ذي الحس المرهف. وهي ثنائية تنبلج وتخبو بين تفاصيل هذا المتن السردي. جاء اصدار هذه الرواية في زمن الانصاف والمصالحة، والعهد الجديد الذي وان اختلفنا في تقييمه سياسيا، يظل عهد الانفراج والحرية النسبية للصحافة، وطي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، وأفول سنوات الجمر والرصاص والاعتقالات السياسية التعسفية العبثية، والاختطافات العشوائية المجانية…ولعل اختيار المؤلف لشخصيته الرئيسية السجلماسي الذي عاني من المنفي الاضطراري بالجزائر وفرنسا لعقود من الزمن، وعودته الي بلده المغرب في هذا الظرف بالذات، عنوان لوضع العهد القديم قيد المساءلة والمكاشفة، والانفتاح علي العهد الجديد بأسئلته الكبري وانتظارا ته المتنوعة والمختلفة.لقد تصالح السجلماسي ذو الأصول الفيلالية المدغرية مع مدينة فاس رمز البورجوازية المحافظة، وهو الاشتراكي الثوري. وتجلي ذلك في اختياره لها دون المدن الأخري كفضاء يعيش ويقضي فيه ما تبقي من سنوات عمره. وهو موقف يعبر عن القطع مع الأحكام القبلية الجاهزة التي تنطوي علي كثير من التمحل والاعتساف. فقد استعاد عبر فاس برمزيتها وماضيها التاريخي والثقافي عبق الحياة و ذاته التي طوح بها المنفي والترحال الجسدي والفكري (8). وقبل طي صفحة الماضي السياسي الأليم، ارتأي المؤلف قراءة بعض تفاصيله عبر أغلب شخوصه الذين اكتووا بلظي هذا الماضي وكانوا ضحاياه بامتياز. لكنهم بفضل ارادتهم القوية، وثقافتهم، وتكوينهم، استطاعوا تجاوز تلك الفترة المأساوية من حياتهم وان لم يقطعوا معها نهائيا، حيث يظل الماضي جاثما بظلاله الكثيفة علي الحاضر. دون أن يعني ذلك أنهم غرقوا في اليأس واستسلموا له، بل ان جلهم أقبل علي الحياة بنهم، ولكن برؤية جديدة استبدلوا من خلالها الصبوة بالحكمة. بالفعل، فقد عمدوا الي النقد والنقد الذاتي لقراءة الحاضر والآتي كما هو الحال مع المعتقل السياسي السابق الحرزي الذي قرأ الواقع قراءة استيعابية تدمج كل القوي السياسية بما في ذلك الحركة الاسلامية برمزها عبد السلام يسن الذي بعث اليه برسالة من داخل السجن. وهذه الرؤية الاستيعابية التي تجافي الاقصاء وترفضه، هي أس وجوهر الحداثة الفكرية والسياسية التي تؤمن بالاختلاف، وتقبل بالآخر أني كان توجهه ومرجعياته. وهو ما لم تؤمن به أجيال السبعينات ذات الفكر الأحادي الرؤية.وقد كرس المؤلف هذا التوجه المبني علي محاورة ظاهرة الاسلام السياسي من خلال السجلماسي الذي فتح حوارا مع طبيبه المنتمي لجماعة العدل والاحسان المحظورة، ووعد بقراءة كتاب عبد السلام يسن حوار مع الفضلاء الديمقراطيين رغم أنه يختلف مع الاسلاميين مرجعيا وايديولوجيا في تبنيه للعلمانية التي تحترم الدين وتخدمه وتعتبره أمرا شخصيا بين الخالق والمخلوق.وقد عالج أوريد في هذا المتن السردي بعض القضايا الراهنة الأخري، وأبدي فيها رأيه بشجاعة علي لسان شخوصه من قبيل العولمة، والقومية العربية، والفرنكوفونية، والتكنوقراط، والصحافة، والثقافة، وحتي حملة التطهير… والأمازيغية التي شكلت هاجسا كبيرا لديه، حيث أنها لم تنصف تاريخيا، وحان الوقت ليرد اليها الاعتبار، وتختلف النظرة اليها باعتبارها مكونا أساسيا من مكونات هوية الانسان المغربي المتعددة الأبعاد. ومن اللافت للانتباه أن النبش في ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، والحفر في ماضي مارية العائلي الشخصي كان الهدف منه واحداً، وهو استجلاء الحقيقة أولا، وقراءة صفحة الماضي قبل طيها، والتأقلم مع الواقع الجديد المبني علي قيم التسامح والاختلاف واحترام الآخر.عود علي بدء:اذا كانت الرواية في جوهرها نسيجا بنيويا شديد الترابط والتعالق بأكثر من وشيجة ووثاق، وتروم تحقيق غايات جمالية وأخري معرفية، فان رواية صبوة في خريف العمر يمكن أن تحقق للمتلقي متعة متابعة وقراءة تفاصيل الحكاية الكبري ـ السجلماسي ومارية ـ كما يمكن أن تمده بحزمة من الأفكار والتصورات المؤسسة والعميقة حول بعض القضايا الكبري الشائكة الماضية والآنية والمستقبلية التي تنطوي علي الكثير من اللبس والغموض من خلال الحكايات الصغري الموازية. وبهذا يكون حسن أوريد قد جمع بين الحسنيين بتجريب كتابة حاشية روائية علي هامش الواقع بلغة تنفلت في غالب الأحيان من معجم الخطاب التقريري، لتبحث عن عوالم أدبية خيالية، تحفر عميقا في نفسية الانسان وكينونته لاستكناه دواخله الجوانية العميقة، لتصل الي نوع من التطهير الأرسطي الذي يمكن المرء من نسيان الماضي الأليم، ويفتح صفحة جديدة عنوانها: لنزرع بذور الأمل حتي تعيش الأجيال اللاحقة صبوتها في مقتبل العمر لا في خريفه!الهوامش1- صبوة في خريف العمر.منشورات مركز طارق بن زياد. آذار (مارس) 2006.2- ابن منظور لسان العرب. المجلد الخامس. دار الحديث. 2003 ص 274/2753- صبوة في خريف العمر ص 30.4- المرجع نفسه ص 11.5- المرجع نفسه ص 115/116.6- المرجع نفسه ص 61.7- المرجع نفسه ص 32.8- المرجع نفسه ص 150

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية