مرح علي حافات الكون: جمال يذهب الي فتنته في لحظة تداعيه
فاروق يوسفمرح علي حافات الكون: جمال يذهب الي فتنته في لحظة تداعيهلم تكن عينا مستعارة من الواقع، تلك العين التي صور مانويل الفريز برافو (1902 ـ2002) بها ومن خلالها وقائع حياة يومية عابرة. كانت تلك العين عينه الخبيرة تماما والبريئة من غير أي شك. مثلما خلقها الله ومثلما الهمها قلب الشاعر في أعماقه بصيرة استثنائية. كتب برافو بنظرته المتوترة والمتشنجة تلك سيرة مواطنيه في ذلك البلد الذي كان يوصف دائما بانه قريب من الولايات المتحدة، بعيد عن الله، المكسيك التي يمكن أن نراها بعين برافو بخبرة يأس ضروري. لم يكن برافو ليقيم في الظل، مثلما هم مواطنوه الذين صورهم في غفلة منهم وفي لحظة سهو. كان لديه ما يفعله من اجل أن يصل الي جوهر الحقيقة التي تعذبه بصريا لكي تتاح له فرصة القبض علي ذلك المعني الخفي الذي يتخلل حياته ويشوشها. حين نتطلع الي صوره (بالابيض والاسود دائما)، نشعر اننا نقبض تدريجيا علي واحد من اهم المفاتيح السرية التي تجعل من الدخول الي الشخصية المكسيكية فعلا ميسرا. فالمكسيك التي نراها في تلك الصور صامتة، متأملة، غاصة بالتعبير المتأني هي عينها التي ينعم الفنان في البحث عن تأويل معرفي لما ينتج عنها بصريا. انها تقيم في المسافة بين العين التي تري وتلاحظ وتندهش والعين الثالثة التي تسترسل في تفسير ما تراه معرفيا. تقاطع ضروري من اجل أن تكون بلاد عريقة كالمكسيك موجودة مثل لقية مدببة وملساء. خبرة الالم لدي برافو هي التي صنعت تلك اللقية. فالوقائع العابرة هي مثل الاشياء اليومية قد نشك بوجودها لو لم تستول عليها عين الساحر لتستدرك بها خطأ ممكنا، يستغيث به الواقع. مشاهد قد تتكرر يوميا مثلما نتكرر نحن كل لحظة، لكن هناك دائما في اعماق كل ما يتكرر لحظة استثناء يستيقظ فيها الخيال علي فجيعة ماهرة في صنع تجلياتها. لدي كل فنان نظرة يوليوس قيصر الاخيرة قبل أن يطلق صرخته الشهيرة: حتي أنت يا ولدي التي وهبها شكسبير لغته حين قال: حتي أنت يا بروتس . أكل هذا الذعر من أجل صورة؟ 2في أحد أزقة باريس عثرت ذات صباح من عام (2001) علي منضدة دائرية شبيهة بتلك التي احتضنها الشاعر الفرنسي جاك بريفير في واحدة من أكثر صوره شهرة. كانت المنضدة التي عثرت عليها كالاخريات في المقهي الباريسي الزاحف علي الرصيف، غير أنني اردت من خلال استعارتها خياليا القيام بفعل نزق يذكرني بباريس. جلست وراءها كما فعل الشاعر الفرنسي من قبل وطلبت من محمد سيف تصويري. ماذا كانت النتيجة؟ الان كلما انظر الي تلك الصورة اتذكر هيأة محمد سيف وهو يلتقطها. كان غافلا عني ولم يكن قادرا علي التقاط الوحي المرح الذي يقف وراء رغبتي تلك. كانت لديه يومها لحية غريبة الشكل وكانت هناك جمل كثيرة تدور في رأسه لاقناع نقابة العمل باسترداد حقوقه التي يتوقع أنها ستهدر. لم يصنع سيف المعجزة التي كنت أسعي الي ابتكار ما يشبهها. كانت عينه لا تري المسافة التي تفصله عني. مضي الي مباشرة ليقيدني بهيئتي التي كنت عليها في تلك اللحظة. وهي هيئة فارقتني منذ تلك اللحظة وذهبت الي غيابها. 3 كما لو أننا كنا نسكن هناك منذ الابد. الصور التي تحتوينا وتجعل من أجسادنا مادة لالهامها التصويري تخدعنا لنكون من خلالها أشياء جاهزة للاستعمال. كل صورة هي خلاصة واقعة لم يعد في الامكان تكرارها أو الاقبال عليها. دائما وفي كل صورة هناك ما نفتقده، ما نحِن اليه، ما كنا فيه وقد تلاشي كغبار. نحن هناك في الصورة ملقي بنا لنكافح قدرا يهبها هيئة الأشكال الجامدة. يمتحن المرء ذاكرته حين يري صوره الشخصية القديمة، لا رغبة منه في الوصف بل لاستعادة شعور كامن في مكان ما من وجوده الذي تداعي. الصور تمهد لغيابنا وتتركنا علي الطريق، في الغرف، علي السلالم، في الأسرة، بين الجدران، في العراء كما لو اننا شظايا متناثرة من اساطير انكسرت قوالبها المتماسكة وفقدت هيبتها. الصور في حقيقتها نوع من الرؤيا التي تنذر بالنسيان. لذلك تغيظنا أحيانا كل محاولة للتصوير تذكرنا بالمرآة. تلك الالة التي لا تتوقف عن النظر المتلصص الذي لا يعبأ بأي محظور أخلاقي. الامريكية ماجي هاسبروك ذهبت الي مناماتها لتصنع اسطورة للجسد المضاد، ذلك الشيء الذي يتهدده الغياب كما لو أنه منذور لفكرته عن فناء ممكن في كل لحظة. ماجي هذه تصنع صورها بعيني رسام لا تكفان عن اللحاق بخيال يديه. صور ماجي تهب الواقع طابعا سحريا يلغي المسافة بين ما نحلمه وبين ما نعيشه. وقائع طريفة تقيم في حساسية هي في طور التشكل. في كل صورة من صورها تنمو للبشر أجنحة تحلق بهم لتعيدهم الي كون لم تعد العودة اليه ممكنة إلا عن طريق الفن. ولكن هل رأي ادولف هتلر صورته في باريس بعيني خياله ايضا؟4صورة هتلر تلك تشبه صور ملايين الاشخاص ممن زاروا باريس، من قبل ومن بعد. فالمرء يحلم بالاستيلاء علي باريس من خلال برجها الشهير (ايفل). كنت هناك حقا . وهي جملة سياحية ربما لم يكن هتلر يفكر بها في تلك اللحظة من جحيمه الشخصي. الشيء الذي هو برج ايفل كان بالنسبة لهتلر هو خلاصة خبرته في اخضاع المدن العاصية، ولم تكن صورته هناك إلا دليلا علي انتصار فكرته عن ارادة القوة الوحيدة في العالم التي كان يمثلها. ولكن هل رأي هتلر صورته تلك؟ مثلما فعلت أنا مع منضدة جاك بريفير فعل هتلر من قبلي مع برج ايفل. التقط صورة ومضي. مثلما فعلت تماما. لقد انفصل عن جسده ليبقي علي فكرته التي هي اساس رغبته في أن يكون موجودا في باريس ولو من خلال صورة. يمكننا أن نتخيل أن الزعيم الالماني الاشهر في التاريخ قد حضر الي باريس من أجل التقاط تلك الصورة، التي يمكننا أن نتخيل ايضا أنه لم يرها. كانت فكرة الصورة تعنيه أكثر من الصورة ذاتها. كانت تلك الصورة في حد ذاتها واقعة شبيهة بواقعة احتلال باريس، بل انها بالنسبة لهتلر أكثر تشبثا بالتاريخ. من يري تلك الصورة لا يمكنه أن يتخيل هتلر في صفته سائحا في تلك اللحظة المدوية من التاريخ. ولو كان الهنغاري روبرت غابا (1913 ـ 1954) هو الذي التقط تلك الصورة لكنا عرفنا حقائق أخري عن تلك المناسبة.5غابا عاش الحروب كلها (الحرب الاهلية الاسبانية والحرب الثانية وحرب فيتنام التي قتل فيها). في يومياته هناك أيضا صور نادرة لبيكاسو وماتيس، غير أنها كانت مناسبات لراحته بين حربين. صور غابا لم تكن تعني بتفسير الوقائع، كانت هنالك واقعة مطلقة تريد الذهاب اليها وتأكيدها. صوره تلك أشبه ما تكون بجمل مستعارة من ارنست همنغواي الذي عاش شيئا من شقاء غابا. الحرب في صفتها عنوانا لقدر يمكن التحايل عليه أو التسلي اثناءه. ولقد اختفي غابا مثلما اختفي من قبله الفرنسي انطوان دي سانت اكزوبيري. الاثنان كانا يبحثان عن واقعة شخصية في حرب لم تترك لأحد حرية التفكير بنفسه أو الاكتفاء بأحلامه. كان غابا يصور أشخاصا أو أشياء، غير أن اولئك الاشخاص كانوا منذورين لقدر جماعي وتلك الأشياء كانت موجودة في سياقها التاريخي. لقد انتحل غابا دور المؤرخ في طريقه الي جمال، كان في لحظة الخلق تلك يتداعي.شاعر وناقد من العراق يقيم في السويدQTS0