خمسون (شعر)
أمجد ناصرخمسون (شعر)هل هناك مجلة عربية اتخذت من الشعر عنوانا لها قبل مجلة (شعر) اللبنانية؟قد لا يكون.كانت هناك (الرسالة) و(ابولو) و(المقتطف) و(الأديب) و(الآداب) و(الهلال) و(الزهور) و(التطور) الخ.. هذه عناوين عكست تنوعا في المفاهيم والاهتمامات الادبية والاجتماعية التي لم يكن الشعر بعيدا عنها ولكنه لم يكن في قلبها. لم يكن عنوانها.كان يوسف الخال القادم من تجربة امريكية يعرف مجلة امريكية رائدة بالاسم نفسه تصدر في شيكاغو قدمت للعالم القصائد الاولي لإيليوت وأزرا باوند (وهما اسمان سيتكرران كثيرا في الادبيات الشعرية العربية الخمسينية والستينية) فأنشأ مجلة عربية حملت اسم المجلة الامريكية وتطلعاتها من اجل شعر حديث، لكن كان علي المولود العربي، علي عكس سميَّه الامريكي، ان يشق، بأصابع غضة، طريقا له في ارض وعرة وفضاء محتدم، فالشعر الامريكي هو، علي نحو او آخر، امتداد للشعرية الاوروبية التي كانت قد انجزت ثورات متعاقبة في شكل الشعر ومعناه، ولم يكن هذا هو حال الشعرية العربية التي طلع فيها العدد الاول لمجلة (شعر) قبل خمسين عاما بالتمام والكمال.المجلة الاقرب لـ(شعر)، في تطلعها التجديدي، كانت (الآداب). لكن الآداب كلمة تحيل الي معني عام، الي كتابة تتضمن الشعر، كجنس ادبي، وتتجاوزه الي غيره. لم تطرح (الآداب) نفسها منبرا مكرسا للشعر، فهي احتفت بالشعر، التفعيلي خصوصا، الا انها اهتمت، ايضا، بأجناس ادبية اخري (كالقصة مثلا) فيما انصب اهتمام مجلة (شعر) علي الشعر نفسه، كتابة وترجمة ونقدا.هكذا جعلت مجلة يوسف الخال الشعر (رسالتها) وعنوان معركتها في قلب الثقافة العربية، ولم يخف الخال، ولا غيره من اقطابها، ارتباط (معركة) الشعر بالوعي الحضاري العام، بالعقل وانساق التفكير، بالتراث وكيف نتعامل معه، باللغة ونفض غبار البلاغة الذهبي عنها. الشعر، بهذا المعني فعل تغيير، ولكنه لن يكتب هذا التغيير ما لم تتغير البيئة المنتجة له.وهنا تتقاطع (شعر) مع (الآداب) في ربط الكتابة بالتغيير وان اختلفتا علي شعار التغيير وفلسفته. كان لـ (شعر) بعد ليبرالي فضفاض فيما رعت (الآداب) التزاما فكريا قوميا ذا نفحة وجودية ويسارية.هذا تمكن ملاحظته من التسمية نفسها: شعر. فهي لا تصدر من أل تعريف، ولا من مطلق، بل مما يشبه المجهول والنسبي. انها ليست (الشعر) كله، ولا تحتكر تسميته وتمثيله وانما هي اقتراح له بين مقترحات اخري. وهذا يفسر انعكاس الشكلين الشعريين الموجودين في اللحظة العربية (العمود والتفعيلة) علي صفحات المجلة، اضافة ( وهنا تكمن ريادة شعر) الي شكل سيسمي، مرة، باسمه الصحيح، ومرة، ملتبسا: قصيدة النثر.هنا الاضافة التي ستسجل لمجلة (شعر) حتي لتكاد ان تقترن بها، رغم أن حيز الشعر التفعيلي كان، علي ما أظن، أكبر من شعر (قصيدة النثر). ومن الحيز الأخير ستطلع الموجة الثانية من قصيدة عربية تتطلع الي دفع التحديث الشعري الي ابعد مدي ممكن.***لست من جيل مجلة (شعر) ولا حتي من الجيل الذي تلاه، ولكن تأثري، شخصيا، بما فتحته هذه المجلة من آفاق امام القصيدة العربية كان اكثر، ربما، من اي مطبوعة أدبية عربية اخري، فالاسئلة التي طرحتها (شعر) علي الحياة الثقافية العربية تعدت، كما اسلفت، سؤال الشعر ذاته، بما هو فن مخصوص، الي التفكير بمصادر الشعر ووظيفته وبالحياة العربية التي كانت تجتر قديما (تسميه تراثا) علي غير صعيد وتحاول اعادة انتاجه، هذه الاسئلة التي طرحتها المجلة ظلت تدوم في الفضاء العربي حتي بعد ان توقفت (شعر) وتفرق شمل القائمين عليها.وعندما جئت الي بيروت في اواخر السبعينات كانت الشعرية العربية قد انتقلت الي طور اخر غير طور مجلة (شعر)، غير ان اسئلة المجلة ورموزها والتجديد الشامل الذي دعت اليه ظل موجودا علي نحو او آخر في الساحة الشعرية.علينا ان نتذكر ان يوسف الخال، راعي المجلة، ربط في محاضرة مبكرة له بين القصيدة والعالم، بين التجربة الشعرية وزمن انتاجها، واظنه استخدم مصطلح الاتباعية (وانا اكتب، هنا، من الذاكرة، او ما تبقي من فكرة الخال في ذاكرتي وليس من وثيقة امامي) وهذا مصطلح سنراه يتكرر، لاحقا، في تنظيرات ادونيس حول القدامة والحداثة والابداع والاتباع، المهم ان الخال اشار كذلك الي ان تغيير القصيدة لا يتم الا من خلال تغيير النظرة الي العالم. هذه فكرة مبكرة ومهمة وهي، علي الارجح، كانت مثار سجال في الساحة الثقافية العربية بخصوص الشعر، تحديدا، والادب علي نحو عام.كما ان علينا ان نتذكر، نحن الذين سنكتب ما يسمي قصيدة النثر، لاحقا، ان اول تنظيرات واعية في خصوص هذا النوع الشعري كتبت في مجلة (شعر) سواء من خلال ترجمة ادونيس وانسي الحاج لفصل من كتاب سوزان برنار، او من خلال مقالة لادونيس انطلاقا من تنظير سوزان برنار كما ان علينا ان نتذكر، نحن الذين سنحار حيال هذه التسمية ونتحفظ عليها، ان اول التباس حول هذا النوع الشعري صنعته هذه المجلة ايضا. فراح الشعراء يكتبون قصائد علي غرار الماغوط معتبرين ذلك قصيدة نثر، وهي، قياسا بالاصل الغربي، لم تكن سوي قصيدة حرة.مفيد ان نتذكر، كذلك، ان المجلة حاولت ان تكون للشعر قضيته الخاصة به، لا باعتباره صوتا لقضايا اخري حتي وان كانت مقدسة كالقضية الفلسطينية، وهذه فكرة لم يتم تقبلها تماما في لحظتها، وان كانت ستعود بعد ان تتواري الشعارات الكبيرة وتخمد نيران النضال البلاغي. وهنا اتذكر رسالة من يوسف الخال الي السياب ينفي فيها، علي ما يبدو، اتهام الشاعر العراقي له بعدم اهتمامه شعريا بقضايا الواقع العربي، فيقول الخال انه يهتم بهذه القضايا ولكن الفرق بينه وبين الذين يسميهم السياب (ولا يذكر الخال اسماءهم) هو في المفهوم الشعري، وليس في عدالة او اهمية تلك القضايا.ولكن عندما نتحدث عن مجلة (شعر) فنحن نتحدث، في الوقت نفسه، عن مجلة (الآداب) رفيقتها في الفترة والمكان وشريكتها في السجال حول الشعر والثقافة والحرية وقضايا الحياة العربية، ولا شك عندي ان الفصل بين المجلتين واسئلتهما والمجال الذي تحركتا فيه لا يجدي نفعا في فهم قضية مجلة (شعر)، فرغم ما بدا من انقسام حاد بين المجلتين، او بين الفكرتين اللتين دعتا اليهما، الا ان هناك تأثرا وتأثيرا متبادلين بينهما. ولكن هذا ليس مجال الحديث عن الترابط، او حتي الانقسام حول الافكار بين هاتين المجلتين الرائدتين، فلذلك مجاله الخاص، وبالعودة الي مجلة (شعر) اقول ان تأثيرها في الشعرية العربية من الكبر بحيث يمكن القول ان هناك قصيدة عربية قبل (شعر) وقصيدة اخري بعد صدورها، وهذه مهمة لم تقيض، حسب ظني، لأي مطبوعة اخري. هناك فضل اخر لـ (شعر) هو في ربط الحداثة والتجديد بالترجمة او بالتثاقف بين القصيدة العربية وما يكتب في الغرب. ترجمات (شعر) كانت رائدة علي هذا الصعيد، وهي اسهمت، كما اعتقد، في عرض صورة مختلفة للشعر امام الشعراء العرب.كما ان من (شعر)، وفيها، تبلورت تجربة ادونيس وطلعت تجربة انسي الحاج الخاصة، المتمردة، الهاذية، غير المسبوقة في الشعرية العربية، ومنها عرفنا الماغوط الذي لم يكن له مثيل في شعر تلك الايام، وتعرض السياب لتأثيرات اجوائها التجديدية، وبدأ نزار قباني يختلف، وقدم جبرا ترجمات وافكارا نقدية، وحصلنا علي شوقي ابو شقرا الخ..هكذا عندما جاء جلينا السبعيني وجد روادا واسئلة مطروحة بجرأة وعمق علي الحياة العربية، وكان هناك اول الطريق الذي شقته الحداثة وكانت قصيدة النثر قد ولدت وانتجت شعراء كبارا. ليس هناك منصف من الاجيال الشعرية العربية اللاحقة لا يقر بدين ، غير مباشر، لهذه المجلة ولأسئلتها، رغم المسار الاعمق الذي شقته تجربة الجيل الذي انتمي اليه، وهي، حسب تصوري، التجربة التي جذرت، نهائيا، بذور الحداثة ووضعت ما يسمي بـ(قصيدة النثر) في قلب الشعرية العربية علي نحو لم يعد ممكنا معه الرجعة الي الوراء.ولكن كل هذا المنجز الجديد لم يكن ممكنا، ايضا، لولا الارض التي مهدت لها مجلة (شعر) وجعلتها تربة صالحة للقصيدة التي ستأتي لاحقا وتذهب بفكرة تجديد النص الشعري العربي وفتحه علي فضاءات الشعريات العالمية الي مدي بعيد.0