شاحنة المجانين للأوروغوايي كارلوس ليسكانو: الوسَخَ باب آخر في اتجاه معرفة الذات!
عبد الله كرمون شاحنة المجانين للأوروغوايي كارلوس ليسكانو: الوسَخَ باب آخر في اتجاه معرفة الذات!من بعض عادات السجين: أن يري دون أن ينظر، أن يسمع دون أن يستمع،أن يعرف دون أن يُبدي ذلك .ص.40. الحرية، بالنسبة لي، خلال سنوات، وإلي الأبد، هي أن أركض لدي الغروب في سهل شاسع أبيض! فقط بعد مضي سبع وعشرين سنة علي الوقائع استطاع الكاتب الأوروغوايي كارلوس ليسكانو أن يستعيد، بكلمات شديدة، لفحة سنوات كان فيها مع آخرين داخل شاحنة المجانين ، ما صار اليوم عنوانا لكتابه الأخير، الصادرة مؤخرا ترجمته إلي الفرنسية لدي دار بييلفون. هذه الشاحنة التي قادته، هو ورفاقه، من نزل قلعة السجن إلي عالم تشكلت فيه، منذ لحظات تسرب ألسنة النور الأولي، أول عتبات اللامعقول التي سوف تجعل الكاتب يحس بزحزحة صورة العالم واهتزازها أمامه وإن كان عازما علي الاستمرار في السير. سريعا ودون هدر الوقت. في ذلك الصباح شعرت بأنني أمتلك حياتي، وأنها لي، فقط لي، ويمكن لي أن أفعل بها ما أشاء. انتبهت في الحين أن ذلك أشد صعوبة منه علي أن تكون سجينا .لقد سبق له أن خط في كتابه السابق طريق إيتاكا ، أولي رواياته المنشورة بالفرنسية سنة 2005، ثمرة سنوات ما بعد خروجه من السجن. دون أن يذكرها آنذاك، ثمة بعد، ما دام يتحدث ثمة عن ضياع آخر في أرض الهجرة السرية وما يعنيه كل ذلك من إصرار علي ضبط سلامة رؤية شخصية خاصة إلي الأشياء. إذا كانت طريق إيتاكا ، رواية استرسال فلسفي ذي طابع عبثي بالغ الوعي بتفاهة إيمان وتصديق لأوهام يومية، فإن شاحنة المجانين نفسها تفرض كتابةُ الكاتب فيها شق خندق شاسع بين الكلمات واحتوائها لعواطف ما أو لرغبات إثارة قارئ ما.ليس يعني ذلك جفاف أو برودة أسلوب بقدر ما يتعلق الأمر بوعي خاص يرمي إلي عزل الأشياء والأحاسيس عن ضخامة مفاهيم ما تحيل عليها عادة. وخاصة بعد سقوط جدار برلين. فلاديمير بطل طريق إيتاكا تَيمُّنا من والديه الشيوعيين بلينين، في جرعات خيال يستثمر حياة ليسكانو بل أفكاره عن الحياة، ثم يقدم لنا عبر ثلاثمئة صفحة، توقف الأشياء عن صيرورتها لما تصير. إذ الكاتب نفسه يصرح في نص مواز: انني لست فلاديمير! فثمة إذن خيبة أمل في العلاقة مع بلاد أوروبا التي خانت الصورَ المنسوجة عنها في الذهن ما يتراءي لمن يحط قدمه ثمة لأول مرة. إضافة إلي استيائه من حياة البيت لدي إنغريد، أو الأقسي والعبثي أن يجئ، إذ يستفهم نفسه هل تجشم كل ما تجشمه في وصوله إلي السويد كي يصير ثمة أبا لبنت ليس يريدها وليس يري في نفسه سوي أبا سيئا. أفظع أبوة كما يتخيلها. يقول: النساء لا يُجدن شيئا أفضل يفعلنه من دون الزيادة في النوع، بغباء، كما لو أنه ليس ثمة من شيء أهم من ذلك. وكأن اللذة ليست تساوي شيئا في ذاتها .من البلاهة أيضا بمكان محاولة تعلم اللغة السويدية، رغم محاولاته التي باء أغلبها بالفشل، إذ رأي أن تلك اللغة في نظره لم توجد سوي كي يتحدثها السويديون وحدهم.يستغرب ثانية بخصوص مشهد ولادة إنغريد لابنتهما إذ يري وهو يقول: كيف استطاعت، كيف استطاعت أن تسقط هذا الشيء الذي يزن كيلوغرامين علي الأقل، هكذا من بين فخذيها؟ إن ذلك حدث فلسفي علي الإطلاق. أفهم الآن فقط أن يصير الذين يرون ذلك مجانين .أمور أخري بالغة تَحْدث في برشلونة المدينة أو بالأحري إحدي ساحاتها المعروفة حيث حط فلاديمير رحاله فيها، سواء اليوم الذي قرر فيه أن يمد يده متسولا أو لما قرر، أشجع قرار، أن يتوقف عن العمل ويظل مستلقيا في ركنه من ساحة ريال ، متلذذا بجرعات من نبيذ أحمر. الركن الذي قُدر علي في الكون . أعلنَ: يلزم أن نرفض أن نعمل تماما، وأن نجلس وسط الشارع حتي الموت. فإذا كان ثمة واحد يفعل ذلك فسوف يفعله ثان، ثم خمسون وألف. من الواضح أن رجال الشرطة سوف يأتون كي يروا ماذا يجري. رجال الشرطة الذين ينفعون في هذا النوع من الأمور، إذ يجدون كل الحلول، هؤلاء الرجال الشجعان! لكن لو كنا ملايين يجلسون في الشارع، فثمة إذن سوف تتغير الأمور . أو أفكاره عن الأوروبيين هؤلاء الذين يقضون حياتهم في حروب إبادة السود وغيرهم كما كتب. اليوم الذي يتوقفون فيه عن ذلك فلأنهم فقط يتأهبون لحروب جديدة. يعتقد الرجل الأبيض (الأوروبي) منذ الأبد، بأنه قد هبط من الشجرة وأن كل الآخرين ما يزالون ثمة في علوها، يأكلون الكوكو ويبحثون عن القمل علي أبدانهم . كتب في طريق إيتاكا ، دوما، الذي يغش القدرُ فيه بخصوص وعوده ويخلف أغلبها: وأنا جالس علي مقعد بالساحة قدام المتحف البيداغوجي، في خضم الشفقة التي أثيرها، ألفيت بعض ارتياح نفسي، وقلت في نفسي بأن هذه العزلة، بالرغم من كل شيء، قد يكون لها جانب إيجابي . وانتهز فرصة أن يومئ إلي أحد مستخدميه الذي يرجع الفضل له في وقوعه في حال التشرد (حصوله كما يقول علي سكن جديد)، يخطط دعاءً علي شرفه: أتمني أن يتعفن كبده، رئتاه، وخصيتاه !في طريق إيتاكا استطاع ليسكانو أن يعيد النظر في نظم اجتماعية وسياسية موضوعة من قبل وبشكل مسبق وثابت، وانتقد بشدة عن طريق فلاديمير شقاء كل المهمشين، حتي في اختيارهم أحيانا لنمط عيش وتفكير أو آخر، بأسلوب أخاذ، يتخلله كثير من صيغ الشتم ذات وقع دعابة، وصوت خفي يتوجه دوما في حمية خاصة من السارد إلي البطل متي لم يكن، في أقصي العمق، هو نفسه بطل حكيه. لقد تجنبت طويلا أن أسقط، وإن كنت أرغب أن يحدث لي ذلك سريعا! لكن إذا كانت السعادة غير موجودة )ف) يلزم اختراعها !تلتقي رواية طريق إيتاكا مع شاحنة المجانين حول نقطة البحث عن الحرية: ففي الرواية الأولي يتطلع البطل دوما إلي بيت علي طرف شط ما، هانئ حيث تخيم السعادة والحرية المطلقة. وإن كان فهمه للحرية قد ارتبط نوعا بفهم صوفي يشهد بكون الملكية تتعارض مع الحرية وبالتالي مع السعادة. أفكر هنا في عبارة لبوذا عزيزة علي كازانتزاكيس يقول فيها: أنَّ الذي لا يملك شيئا يكون حرا !أما في الرواية الثانية فالحرية تتراءي للكاتب علي أنها سهل غير متناه، صاف، في ضوء المغيب. أركض عبر هذا السهل، وأمضي في الوجهة التي يحلو لي في اتجاه الأفق . ثمة إذن شرارة مبحث كاتب خارج من غيهب السجن بعد ثلاث عشرة سنة، حيث اكتشف الكتابة، إذ كان يدْرس الرياضيات قبل اعتقاله بداية السبعينيات من طرف النظام الديكتاتوري ببلاده.أهم ما يثيره هذا الكتاب عن السجن هو ما يراه أثمن ما يمكن أن يحصل من كل خسارة الحبس، كل الأشياء التي نفتقدها ثمة ولسنا نراها تحدث وتمضي في الغياب، أو حتي هذا الجسد، جسد المعتقل، ينمو وينفصل عن وعي المعذّب، ويصير كينونة أخري، ينهار أو يصمد رغم الزج به أحيانا في دهاليز تجتاز درجة المقاومة المعقولة.ليست شاحنة المجانين من تلك النصوص المعهودة عن السجون، إذ ما أكثرها في كل اللغات، ذلك أن ليسكانو لم يعمد إلي الحديث المفصل عن كل طرق التعذيب ومعاناة المساجين وكيف تمت كل عمليات الجلادين ضدهم.الكتاب مجموعة من الفصول المتفرقة مرقمة تتداخل فيما بينها وليس يمضي الحكي فيها في خط مسترسل وممتد، بل تستشرف، في الزمن الماضي نفسه، وتستعيد أحداثا قد خلت. يشير في البدء إلي طفولته حيث تعلم أن يتعرف الساعة وكأن ذلك من أهم اختبارات حياته ما دامت مسألة الزمن سوف تشكل بؤرة هامة في زمكان لحظة النزول إلي جحيم قلاع السجون.يطرح ليسكانو إذن في هذا الحكي الذي ليس لنا أن نبحث فيما إذا كان النص خياليا أم لا، إذ أن ميثاق ما بيننا أن الأمر يتعلق بحياة كارلوس في السجن.لم يتحدث ليسكانو عن أفكاره ودفاعه عنها ولا عن واقع الأوروغواي آنذاك ولم يتحدث عن جدوي دخوله إلي السجن ولا عن الهدف من ذلك، ولم يتحدث عن أنشطته السياسية والتي قادته بطبيعة الحال إلي الاعتقال والتعذيب، ولم يشر إلي التنظيم السياسي الذي انتمي إليه ولا شيئا من هذا القبيل ما لم يكن مجرد إيماء طفيف.السبب والهدف الأساسيان في كل هذا هو أولا أنه لم يكتب عن السجن إلا بعد كل هذه السنوات الطويلة والتي تفصله عن تلك التجربة، إذ خشي في البدء أن يكون ما يكتبه عن تجربة اعتقاله كراسا مضجرا ورتيبا، غير أنه، في نظري، قد وقع في نفس الفخ، وصار ما كتبه الآن أبعد عن تجربةٍ ذات اشتداد فكري وعاطفي، نلمح ذلك في جفاف وانقطاع هائل عن حس وزمان ومكان تلك التجربة. فإذا كان هذا هو السبب في كون النص لم يُحِطْ بمدارات أخري خاصة بالسجن وما أدي إليه، فإن هدف ليسكانو ثانيا، كان مختلفا، إذ لم يرد ذلك، وكأنه قد تخلص من تلك اللوثة التي قادته إلي نضال ما، يقول أنه وإن يشك فهو لم ينقطع قط عن الإيمان بالكائن الإنساني. أمر جيد إذن علي كل حال.ذلك أن الكتاب ينطوي علي تمرين ما، حتي أنني لم أضع تمارين الحرية كعنوان لمقالتي سوي بعد أن خلصت إلي أمر أن الكاتب يسعي إلي تجريب خطوه نحو الحرية وكيف نستطيع أن نكون بالفعل أحرارا. يقول وهو يتمرن علي الحرية، إذ المفردة مفردته: … سوف أستمر في البحث عنها. ذلك أنني أعتقد أحيانا أني وجدتها مثلما أحس في أحايين أخري أنني قد فقدتها . فهو إذ يضع هوامش عن فصول سجنه، يستأنف القول كالتالي: يتبادر إلي أحيانا أن سنوات سجني قد حرمتني من حظوظ ما، أن أدرس مثلا، غير أنني لم أحس أبدا أنها قد أفقرتني.. .ليس يسهل كثيرا أن يتحكم في الزمن بضبطه له، ذلك أنه يشير بخصوص معارف جد بديهية أو لازمة لتضييق مزدوج في السجن ذاته ولدي هواجس حرية تنأي حتي في اقترابها يقول: فإذا كان ثمة يوم أقل قبل الخروج إلي الحرية فلأننا قضينا يوما أكثر في السجن . مثلما يكتب تنويعا آخر: في السجن، عندما يجيء الليل، يقول سجين : يومٌ أقل. كي يجيبه آخر يوم ينضاف . هذا رهين بالزاوية التي نرغب أن ننظر فيها إلي الأمور . لم يراكم ليسكانو تفاصيل كثيرة، بل قال أشياء منفردة ومشتتة عن علاقته بجسده، الذي يصير نفسه كائنا منفصلا عنه، هذه الكتلة التي يستهدفها السجن أولا قبل أن يدمر الروح. في مثل الاعتقالات التي كان ليسكانو نفسه ضحيتها يجيء التعذيب منذ البدء، يحتاج الجلاد أن يعذب كي يستل من فم المعذَّب اعترافات مثلما هو متعارف عليه ومعروف في كل زمان وكل مكان اعتقالٍ ديكتاتوري. شاء ليسكانو أن يحاول نوعا من التحري حول نفسية شخص الجلاد، ما فعله أيضا آخرون من قبله، ما هي الجذور النفسية والاجتماعية لشخص الجلاد؟ كيف يستمتع بعذاب الآخر. أمر آخر هو أن الجلاد ليس يحكي أبدا لأبنائه كل تجاربه الفظيعة مع السجناء. هل يمكن أن يقول لأولاده أنه تمكن أن يصدع رأس سجين؟ هل يمكن أن يتبجح بقساوة قلبه أمامهم؟يكتب ليسكانو: لربما ينحت الجلاد عن الكائن الإنساني مفهوما يكون هو الوحيد الذي يتوصل إليه. عملية أن يسقي الألم لا بد أن يكون تجربة فريدة . يمضي كي يقول أن تحويل كائن إنساني عادي إلي متألم رث ومصاب، يصرخ ويستجدي ويجرجر ذاته لابد أن يمنح رؤيةً عن الكائن الإنساني، رؤية ليست تمنحها أبدا الحياة بين ظهراني الناس .هذا الجلاد، كما يقول عنه مرة أخري، يغبط السجين أفكاره، علاقاته، التزامه السياسي، يغبطه معارفه، ثقافته، الكتب التي قرأها، يغبطه زوجته المسجونة هي أيضا أو الموجودة في السرية. فإذا كان تحمل السجين للتعذيب أمرا معتبرا فإن الجلاد، كما كتب، ليس يتحمل أن يَجْلِد لساعات طويلة. كما أسلفت فإن نص كارلوس ليسكانو هو مجرد تمارين، إن لم يتعلق الأمر في مجموعه بأمر الحرية، فإن الكاتب حريص فيه علي طرح كثير من التساؤلات حول رغبته أن يدرك كيف يتقدم الجلاد. أليس يتعرف علي ذاته ويكتشف أكثر فظاعة دوره السافل في سلسلة أو دركات خدمات الإنسان. يقول: أرجو ألا يموت قبل أن يعرف ذاته أكثر . كل ذلك دون أن يهتم أكثر بحال السجين، أليس عليه هو نفسه، إن لم يكن الأولي بذلك أن يتعرف أكثر علي ذاته من داخل تجربة اعتقاله الشرسة والحرجة معا. من هنا شاء أن يثير أمورا ليست مستبعدة بتاتا من أمر معرفة الذات إذ يقول: الوسخ باب آخر في اتجاه معرفة الذات. الروائح الكريهة، البول علي الملابس، اللعاب وبقايا الطعام علي اللحية، الشعر الملبد والذي لم يغسل منذ أسابيع، الجلد الذي يشرع في الانسلاخ عنا، لغياب الشمس والنظافة. كل هذا يثير التقزز. لا أحد يتحمل شخصا آخر في نفس الحالة قربه. لكن يلزمه تحمل لذاته .هدف الكاتب إذن نشر بعض فوضي أو تساؤلات مضنية، إذ رغم كونه تحدث عن بعض وسائل تعذيب وعن بعض لحظاتها، فإنه لم يحاول مع ذلك أن يزعج راحة القارئ بتفاصيل ذات وقع آني شديد، لأن ما يصبو إليه لا يتموقع في نصب سيرك تراجيدي ما.استملح لديه، رغم ألم اللحظة، حديثه عن اعتقال فرانسيسكو ذلك الرفيق باسمه المستعار، حيث يبدو الألم وإظهاره شديدين مع تشظٍّ تام في أمر إبراز ذلك. في الوقت الذي فكر فيه الكاتب عن هلع لو يخرجونهم جميعا ويقتلونهم يقول: ألحظ أن الفكرة ليست تخيفني، ليس ذلك من شجاعة ولكنه عن نقصان شعور! ، مع أن عروة بن الورد قال في أمره بالذات: لست جزعا، (أي من الموت) فهل عن ذاك من متأخر؟ .قيل للكاتب كسجين مأخوذ من زنزانته هل يعرف شخصا شاؤوا أن يجعلوه علي مرآه. فرانسيسكو الذي يعرفه جيدا. غير أنه لا يريد البتة مثل كل رفيق ومعتقل حر وشريف أن يقدمه لهم. ليس يعرفه. يقول عنه: فرانسيسكو ينظر إلي، لا يتكلم، ولا يحرك رموشه، لا يغمض عينيه ولا يقدم لي الإشارة التي أنتظرها منه. قلت في نفسي بأنهم أنهكوه تحت التعذيب وأنه لم يعد يحتمل، كل هذا حدث في بضع ثوان . غير أنهم في الواقع، لم يجعلوه يري سوي جثة رفيقه إذ قتلوه في ظروف ليس يدركها. لكن الذي أزعجه هل مات فعلا قبل أن يوجه إليه نظرة ثقة كان مداها أنه لن يخونه قط، ذلك أنه رفيق فر من قبضة زبانية النظام منذ زمن. كل ما تاق إليه أن يكون فرانسيسكو قد فهم من نظرته إليه أنه لن يقدمه علي طبق من ذهب للعدو، يجد أن من شرف كرامة الآخر وقدره ألا يهمس بدليلٍ ما تجاهه. ولما كان ثمة فرانسيسكو قد مات كان ما حز في نفس الكاتب هو أن يدرك متي مرر خطابه لرفيقه، إذ يفضل بشدة لو كان يسمعه ويدرك إذ يري موقفه علانية. ليس يمكن له أن يدرك ذلك أبدا.من كل ما يمكن أن نطلق عليه قسوة، أري أنه هنا موت أبوي ليسكانو وهو في السجن. لما ماتت الأم، ضاق الأب تماما إذ دون تلك المرأة لم يكن بوسعه قط أن يحيا دونها ما دفعه فجأة إلي الانتحار. لذا كانت فترة سجن ليسكانو طموحا هائلا لأن يري بعد أبويه. أو ليزور قبرهما. ما لم يتح له قط. ليس ثمة من قبر لهما معا.ما تدبر السجين أمره خلال السجن هو أن يصير كاتبا إذ كتب أمورا كثيرة، طيلة سنوات سجنه، ما تمكن منه بعد سراحه. وإن كان في النص نوع من كتمان حول قراءات السجين بغض النظر عن قوله عن كونه قرأ كثيرا بين الرديء والجيد كل شيء كقولنا عنه بين الغث والسمين، ما دام ليس يختار قراءته. فقط اسم كاتب مذكور في الكتاب هو راي برادبويي الأمريكي (المولود سنة 1920)، صاحب كتابات في الخيال العلمي، إن لم يكن ما شده إليه، إن كانت قراءته له عن اختيار، حسب زعمي، هو انشغاله الكبير حول فكرة الموت.ليسكانو إذن كاتب يستفز علي جبهات كثيرة. فشاحنة المجانين ليست تؤكد قراءتها الأولي كيف يصير هؤلاء مجانين، بل عن أي جنون يتحدث الكاتب. هل هو جنون من يغادر السجن، إذ يجن بمرأي النور: أي الحرية؟أم جنون من يطمح إلي تغيير العالم؟أم أن شاحنة المجانين (أي شاحنتهم فعلا) قد أقلت مساجين سياسيين قضوا سنوات كثيرة في الظلمة؟أم أن هؤلاء بسبب أفكارهم ليسوا سوي مجانين؟!أسئلة ضخمة وهائلة يليق بها جواب ما. أما ليسكانو فيقول: هيأت فراشي، عاودت ترتيب أمتعتي، جلست أنتظر. لست أدري ماذا، لكنني يلزم أن أنتظر شيئا. سوف أعرف ذلك بعد زمن طويل: جلست الآن أنتظر شاحنة المجانين، تلك التي سوف تنقلني يوما في سفر عبثيٍّ نحو الحرية .شاعر من المغرب يقيم في باريسQMK0