الولايات المتحدة فتنة الوهم وتوازن النقائض: انطباعات شخصية (1 من 4)
في حي هارفي شبان صغار يرتدون ملابس رثة وسيدات بدينات يدفعن القليل لقاء مواد غذائية بدون فيزا كارد !جماعات تحريض استغلت معاملة العرب الدونية للسود.. واخذت تتهمهم بنقل مليوني اسود عبر الاطلنطيالولايات المتحدة فتنة الوهم وتوازن النقائض: انطباعات شخصية (1 من 4)بسام الكعبي تغيّرت ملامح الموظف الامريكي في مؤسسة الضمان الاجتماعي وهو ينظر نحوي ونحو زوجتي فتنة من فوق إطار نظارته الطبية قبل أن يعتذر: لا يوجد ذكر لدولة تسمي فلسطين في لائحة البلدان التي تعترف بها حكومتي ثم صمت لحظة. طلبنا منه البحث عن الضفة الغربية وغزة في لائحته الامريكية، عاد ببصره إلي شاشة جهاز الكمبيوتر المثبت أمامه، ثم تنفس بهدوء قائلا: دولتكم علي اللائحة وعليكما الآن استكمال تعبئة طلب بطاقة الضمان الاجتماعي ذات المفعول السحري بتسهيل مختلف المعاملات والوثائق في الولايات المتحدة.غادرنا مكتب الضمان الاجتماعي في بلدة فانكوفر الامريكية الواقعة جنوب ولاية واشنطن وشمال مدينة بورتلاند في الساحل الغربي علي أمل تسلّم البطاقات خلال اسبوع كما وعد الموظف الحكومي.. وبالفعل لم يمض سوي ستة أيام حتي تسلّمنا عبر البريد ثلاث بطاقات ضمان اجتماعي: واحدة لي واثنتين لنجلي نضال ونادين عشية الرابع من تموز (يوليو) وهو اليوم الوطني الذي تحتفل به الولايات المتحدة باستقلالها منذ أكثر من مئتي عام، وتصادف مع مرور شهر علي وصولنا الي امريكا.تسلمت زوجتي بطاقة الضمان الاجتماعي والاقامة الدائمة قبل سنوات عديدة ثم حصلت علي الجنسية الامريكية وشرعت باجراءات معاملات الهجرة الخاصة بنا نحن الثلاثة منذ أواخر عام (2004) مستفيدة من قانون امريكي حديث نسبيا يضمن منح الجنسية فوراً للأبناء، حتي ولو بالتبني، دون سن الثامنة عشرة شريطة أن يحمل احد الوالدين الجنسية الامريكية.وفق القانون الجديد الذي دخل حيز التنفيذ منذ عامين تقريباً جهزنا كل الأوراق والمستندات اللازمة لمعاملات الهجرة واستنفذنا جهداً ومالاً لاستكمال الطلبات حسب متطلبات القنصلية الامريكية في القدس.. سلّمناها عبر البريد ثم تحدد لنا موعد مع مسؤولي الهجرة في القنصلية أواخر شهر شباط (فبراير) 2005.الاجتياز القاتلأقلتنا الحافلة من دوار المنارة في رام الله باتجاه الجنوب حيث يكمن حاجز قلنديا العسكري، كانت الطريق الضيقة رطبة، والحافلة القديمة تتراقص نحو اليمين واليسار وقد شارفت علي الموت في قبضة سائق شاب متهور، بينما تنذر السماء بمطر شديد. قطعنا حاجز الاحتلال، وواصلنا الطريق التي تمتد نحو ثلاثة كيلومترات في شعب متعرجة داخل بلدة الرام حتي بلغنا الحاجز العسكري علي مدخل ضاحية البريد، ثم ركضنا علي منحدر ترابي لتجاوز جنود الحاجز، و نجحنا في بلوغ حافلة مقدسية أقلتنا إلي باب العامود أحد الأبواب السبعة القديمة في السور التاريخي للمدينة المقدسة.وعلي مقربة من باب دمشق أو بوابة العامود، كان المراجعون العرب واليهود ينتظرون بطوابير طويلة علي المدخل الرئيسي للقنصلية الامريكية، وبعد انتظار قهري تمكنا من تجاوز البوابة الأولي ثم انتظرنا للمقابلة الشخصية، ومن طاقة زجاجية صغيرة أطلت موظفة عربية تطلب كل المستندات اللازمة: كفالة مالية وتقريرا صحيا شاملا- يتحمل مسؤوليته طبيب فلسطيني معتمد برسم مئة دولار للشخص الواحد – وصورا شخصية وجوازات سفر. تيّقنت أن كل شيء جاهز بما في ذلك أكثر من ألف دولار تدفع نقداً كرسوم لثلاث تأشيرات هجرة.. انتظرنا حتي حان دورنا مع القنصل الامريكي الذي أطل من خلف زجاج، والسؤال الوحيد اليتيم توجه به إلي زوجتي: لماذا لا تسددين الضرائب المالية ؟ أنا مقيمة في رام الله منذ سنوات طويلة ولا أعمل في الولايات المتحدة. إذاً اشرحي ذلك في مذكرة وارسليها عبر البريد مع جوازات السفر الخاصة بزوجك وإبنيك.انتهت المقابلة وانطلقنا في شوارع المدينة المقدسة التي حرمنا من دخولها سنوات طويلة: هنا قضيت خمس سنوات رائعة عندما التحقت بوظيفتي كمحرر في صحيفتي الفجر و الشعب المقدسيتين، هاجمتني الأمكنة واشتعلت ذاكرتي بحكايات المدينة المثيرة وقصص زملاء المهنة وشغب الأصدقاء وخَفَر الصديقات متداخلة مع أحياء البلدة العتيقة وساحة المسجد الأقصي المبارك وكنيسة القيامة المقدسة والبوابات القديمة وحارة النصاري وشارع الأنبياء وشارع صلاح الدين، تجولت غريباً في معظم هذه الأمكنة التي غادرتها منذ سنوات بعيدة ووقفت وحيداً علي بوابتين مغلقتين لصحيفتي الشعب و الفجر لقد أصبحتا رماداً حزيناً من الماضي.. هل باتت مؤسسات المدينة المقدسة غارقة في حصارها وأحزانها إلي هذه الدرجة من التمزق القهري؟ قتلتني الأسئلة المتفجرة أثناء مغادرتي مساءً مدينة التاريخ التي لا أعرف متي سأعود إليها وألتقيها.. هي قريبة جداً للأمكنة وللقلب، لكن الطواف في أماكنها المقدسة بات صعب المنال!!.لم تمض سوي عشرة أيام حتي تسلّمنا عبر البريد السريع الجوازات الفلسطينية الثلاث تحمل ثنايا أوراقها الزيتية الجميلة ثلاث تأشيرات هجرة صالحة مدة ستة أشهر منذ آذار (مارس) وحتي أيلول (سبتمبر)، وقد فرضت علي الفور تحديا: هل نستطيع ترتيب أمورنا ورزم حقائبنا وحجز تذاكرنا مع بداية شهر حزيران (يونيو)؟ انشغلنا علي مدار شهرين في ترتيب أمور المغادرة التي ترافقت مع ضغط تشطيب بيت جديد رحلنا إليه.جسر الكرامةمع نهاية الامتحانات المدرسية كنا جاهزين للانطلاق، قطعنا جسر الكرامة مساء الرابع من حزيران (يونيو) 2005 بعد معاناة شديدة وفرتها الطرق الالتفافية وحواجز الاحتلال مضافاً اليها الاجراءات الادارية لمكاتب سيارات الجسر والمعابر والشرطة والاستراحة وتكلفة المغادرة الباهظة: أجرة المسافر الي مدينة أريحا عشرون شاقلاً، وعند توجهه إلي استراحة الجسر فانه مجبر علي دفع خمسين شاقلاً أكثر من نصفها أجرة الأمتار القليلة بين أريحا والاستراحة.ولحظة دخولنا الاستراحة ، وهي اسم حركي للمشقة، انهالت علينا التذاكر من كل صوب: دفعنا في المتر الأول رسوم كل طرد ثم دفعنا للعتال الذي لمس الحقيبة فقط، واشترينا تذاكر صعود باص الاستراحة ثم دفعنا رسوم مغادرة قدرها 23 ديناراً، وأخيراً سددنا ثمن الاوكسجين الذي حجزته رئاتنا قبل أن نجتاز أمتاراً قليلة نحو الشرق، وواصلنا عملية الدفع في الجانب الأردني: عشرة دنانير بدل عدم ممانعة وكذلك أجرة الباص من نقطة الجسر وأجرة النقل إلي عمان.. وبحساب بسيط اتضح أن كل مسافر عبر جسر الكرامة يدفع من عمره القصير عشر ساعات قاتلة ومن جيبه المثقوب مئة دولار لضمان اجتياز ثمانين كيلو متراً من المشقة والانهاك بين رام الله وعمان بمعدل دولار وربع للكيلو متر الواحد !!.هل الاستراحة التي لا تحمل شيئا من مواصفات اسمها ضرورية كمحطة للمسافر؟ هل تتلاشي الأعباء المالية والمعنوية عن كاهل المغادرين والقادمين عبر جسر الكرامة لينال شرف اسمه ؟ ظلت هذه الأسئلة تطرق علي خزان رأسي حتي غلبني النوم، وقبل انتصاف الليل كنا ننفض إرهاقنا علي مقاعد فندق غربي العبدلي في عمان.بعد مراجعة روتينية للأمن الأردني حصلت علي إذن بالسفر عبر مطار عمان وانطلقنا عصر السابع من حزيران (يونيو) إلي المطار الدولي للمغادرة علي متن الخطوط الجوية الملكية الأردنية إلي شيكاغو. دقق موظفو المطار بأوراقنا وجوازات سفرنا وحقائبنا ثم دخلنا قاعة الانتظار استعداداً للتحليق جوا.13 ساعة الي أُوهير اتجهت الايرباص الضخمة بلون ظهرها الرمادي المميز إلي مطار أُوهير في شيكاغو، أطلق عليه هذا الاسم نسبة إلي أحد قادة الولايات المتحدة العسكريين في الحرب العالمية الثانية، ذابت الطائرة الأردنية في السماء كانبوبة صغيرة علي متنها 250 راكبا تحملهم بين جناحيها علي ارتفاع 11 ألف متر وبمعدل سرعة يصل الي 900 كم في الساعة وبدرجة حرارة خارجية تبلغ نحو الخمسين مئوي تحت الصفر، قطعت أكثر من عشرة آلاف كيلومتر في غضون ثلاث عشرة ساعة من الطيران المتواصل قبل أن تهبط علي مدرج أُوهير الدولي.طوال ساعات مريرة من الطيران تكدس المسافرون في مقاعدهم الضيقة، كان يخفف عنهم قليلاً عرض أفلام حديثة علي شاشات تلفزيونية مثبتة أمامهم فيما تصلهم الموسيقي عبر سماعات خاصة تم تثبيت أسلاكها بجانب المقاعد ناهيك عن خدمات مميزة لطاقم المضيفين والمضيفات الذين قدموا وجبتين متواضعتين خلال الرحلة التي اجتازت فيها الطائرة المحيط الأطلسي وواجهت مطبات هوائية صعبة تغلبت عليها إلي أن حطت في مطار دولي مزدحم بحركة الطيران بمعدل ثلاث طائرات في الدقيقة الواحدة.كانت صالات المطار مزدحمة بالمسافرين تكشف عن إيقاع سريع للحياة الامريكية:ينتظر ركاب الطائرات القادمة من مختلف بقاع العالم دقائق قليلة قبل تفحص وثائقهم والتقاط حقائبهم، المغادرة سريعاً الي شيكاغو المزدحمة التي يعيش فيها نحو أربعة ملايين نسمة. سلمنا مغلفات معاملات الهجرة وفق تعليمات مسؤول ملف الهجرة في القنصلية الامريكية بالقدس التي تشترط تسليمها مغلقة تماماً في أول نقطة حدود يتم اجتيازها إلي الولايات المتحدة.. ومن خلف زجاج بسيط تسلمت موظفة حكومية في المطار الأوراق وأرشدتنا للانتظار بمكان مجاور لمكتبها، وبجوار عشرات المنتظرين في صالة هادئة بملامح صينية وهندية واوروبية وشرق أوسطية، كان المنتظرون بأعمار مختلفة يحملون بين أيديهم مغلفات الهجرة، بينما ينادي موظف بملامح آسيوية علي أسماء المنتظرين بلغته الانكليزية التي تتداخل معها لهجته الخاصة، فيما يبدو وقع الأسماء غريبا نوعاً ما حتي علي أصحابها، وعندما سمعنا أسماءنا اتجهنا إليه وتأكدنا من صحة وثائقنا.. بصّمنا بالابهام علي جوازات السفر الفلسطينية بجانب التأشيرة وسلمنا له المعاملة واستلمنا الجوازات وغادرنا نبحث عن حقائبنا قبل الالتقاء بالأهل الذين ينتظرون علي بوابات صالات القادمين.حملنا الحقائب علي العربات الصغيرة وانتظرنا دورنا في التفتيش الروتيني: هل تحملون مواد غذائية؟ لا نحمل. هل تحملون أكثر من عشرة آلاف دولار للشخص الواحد؟ طبعا لا نحمل. إذاً رافقتكم السلامة، وخرجنا من القاعة دون أن تمّس حقائبنا.كان شقيق زوجتي حسن صالح وقرينته أم احمد بانتظارنا، شاهد نضال ونادين خالهم لأول مرة، تبادلنا الأحاديث السريعة ثم حملنا الأمتعة إلي سيارته وقادنا إلي ضاحية اوكلون علي بعد 40 ميلاً من المطار، تداخلت سيارته مع حركة آلاف السيارات التي كانت تجتاز بجنون الطرق السريعة والجسور المخيفة حول مدينة شيكاغو، وعلي الفور أدركنا خطورة الموت قتلاً في الشوارع المزدحمة التي لا ترحم وسر حوادث السير التي تبتلع مئات المركبات وعشرات الركاب والسائقين عند ارتكاب أخطاء في شوارع مكتظة يحكمها قوانين سير واضحة وصارمة وتحت رقابة مستمرة لشرطة المرور.اجتزنا حواجز الكترونية علي الطريق السريعة التي تعرف بـ الهاي واي وسمعنا صوت صفير يصدر من جهاز صغير مثبت علي الزجاج الأمامي للسيارة يعلن عن حسم نصف دولار من الحساب البنكي الشخصي كرسم لاجتياز الطريق السريعة، وبدون دفع الرسوم المقررة يتعرض السائق لمخالفة قدرها عشرون دولارا، وتثبت المخالفة أجهزة تصوير اليكترونية قادرة علي التقاط لوحة السيارة المخالفة. ومع كل اجتياز تدفع السيارة الصغيرة نصف دولار من خلال الدفع الاليكتروني وحوالي دولار للدفع اليدوي في صندوق خاص أو لموظف الكابينة المرابط علي الطريق، وكلما كان حجم السيارة أكبر كلما كانت رسومها المالية أعلي. وقدّر أبو أحمد بأنه يدفع شهرياً نحو مائة دولار كرسوم مرور علي سياراته الثلاث الخاصة كلما اجتازت الطرق السريعة حول شيكاغو، وبحسابات بسيطة يتضح أن الشركات الخاصة التي تتولي صيانة الطرق السريعة تجمع سنوياً مئات الملايين من الدولارات تنفق جزءاً منها في الصيانة وفتح طرق جديدة لتخفيف الازدحام وتسهيل حركة مرور المركبات.شبكة الطرق السريعة من مسؤولية الشركات الخاصة التي تتولي صيانتها بعقد سنوي مع الحكومة الفدرالية في الولاية، فيما يسدد السائق من حسابه الشخصي رسوم الصيانة.. بدأنا نلمس بالواقع حجم الفواتير الشهرية المترتبة علي المقيم في الولايات المتحدة، وقبيل وصول البيت سدد أبو احمد فاتورة الطريق السريعة، فاتورة استخدام كراج للسيارات مجاور للمطار بقيمة عشرة دولارات للساعة الواحدة وتحسم من الحساب البنكي الشخصي من خلال فيزا كارد تمرر عبر جهاز خاص يصدر ورقة تعليمات تتضمن ساعة بدء انتظار السيارة وتثبت علي الزجاج الأمامي ودون ذلك يتعرض صاحبها لمخالفة مالية باهظة عندما يقوم الشرطي بتفحص المركبات، وكذلك فاتورة بنزين السيارة حيث تدفع بشكل غير مباشر..وأدركنا فيما بعد أن الفواتير الشهرية التي تهبط علي الدَخْل المالي للأسرة وتهدد بتآكله فعلياً يقترب عددها من العشرين فاتورة حساب.رصاصة للفتي الأسودضج الأسبوع الأول لاقامتي علي إيقاع حادثين مثيرين: فقدان طالبة مدرسة ثانوية خلال رحلة صيف في إحدي الجزر الواقعة بولاية ايلينوي علي بحيرة ميشيغن، وإعلان مشرفة الرحلة بأنها لن تعود إلي بلدها دون اتضاح مصير طالبتها المفقودة، وتجوّل آلاف المتطوعين في الجزيرة بحثاً عنها ليظهر لاحقاً أنها تعرضت للخطف والقتل دون أن يرشد القاتل لمكان الجثة. الحادث الثاني يتعلق بقرار قضائي يقضي باستخراج رفاة فتي أسود من قبره للتأكد من سبب وفاته مقتولاً بطلقة في رأسه بعد اعتراف رجل أبيض بأنه قام بتصفيته احتجاجاً علي سخريته في مطلع الستينيات من امرأة بيضاء. وأدت عملية قتل الفتي الأسود الي تعزيز نشاط حركة الحريات المدنية في الولايات المتحدة احتجاجاً علي طغيان العنصرية.وأعلنت أواخر تشرين الأول (اكتوبر) 2005 وسائل الإعلام وفاة روزا باركس عن عمر يناهز 92 عاما في مدينة ديترويت بولاية ميتشيغن، الخياطة السوداء البسيطة التي أطلقت عام 1955 شرارة العصيان المدني الذي أعلنه السود في الولايات المتحدة، وقد تحول العصيان الي مواجهات مسلحة مع السلطة الفيدرالية وأدي إلي تعديل قوانين التمييز العنصري.نقل جثمان روزا بطائرة من ديترويت الي مبني الكونغرس في واشنطن، ومن المطار نقل بموكب جنائزي مثير يتقدمه باص يعود لعام 1957، سجّي الجثمان في مبني الكابيتول علي غرار ثلاثين شخصية اعتبارية فقط حظيت بهذه التشريفات منذ عام 1852م، وهي أول سيدة تتلقي هذا التكريم وثاني شخصية من السود.انحني أمام نعش أم الحقوق المدنية الرئيس الامريكي جورج بوش وزوجته لورا فيما انتظر الآلاف قرب مبني الكونغرس رافعين لافتات: شكراً يا روزا باركس.خطت باركس سطورها في تاريخ الولايات المتحدة عندما رفضت ذات يوم بارد من كانون الأول (ديسمبر) في مدينة مونتغمري بولاية ألاباما أن تخلي مقعدا علي متن حافلة كان مخصصاً للبيض، وأدي رفضها هذا إلي اعتقالها من قبل الشرطة، فقرر السود مقاطعة وسائل النقل العام احتجاجاً علي التمييز ضدهم وذلك في خطوة تاريخية جريئة قادها رمز الحقوق المدنية بأمريكا القس الشاب مارتن لوثر كينغ. استمر الاضراب 381 يوماً، وتوقف عندما نجح المحتجون في انتزاع حكم قضائي ينهي الفصل بين البيض والسود في وسائل النقل العام، إلا أن النضال تواصل حتي تم اقرار قانون الحقوق المدنية عام 1964.وعلي خلفية هذه الجرائم أسس المحامي مارتن لوثر كينغ حركة الحريات المدنية وبرز كزعيم اسود في مواجهة الاضطهاد العنصري، ووصف كينغ في كتابه التحرك نحو الحرية الذي صدر عام 1958 موقف روزا باركس بأنه تعبير فردي عن الاشتياق للكرامة الانسانية والحرية. ولم يتمكن الزعيم لوثر كينغ من إتمام نضاله الاجتماعي حيث تعرض للاغتيال في الرابع من نيسان (ابريل) عام 1968 في بلدة ممفيس بولاية تنسي عندما أطلق قناص النار علي رأسه من خلال نافذة فندق أقام به للتضامن مع إضراب عمال المرافق الصحية. وواصلت أرملة الزعيم كينغ حتي قبل رحيلها مطلع عام 2006 مطالباتها المتكررة للقضاء الامريكي، الكشف عن الجهة التي تقف وراء الاغتيال، ورغم أنها لم تتلق حتي رحيلها إجابات واضحة، لكنها ظلت رغم مرضها وتقدمها في العمر (78 سنه) تواصل نضالها للكشف عن القاتل المأجور والدفاع عن حقوق السود علي خطي زوجها الراحل.لقاء تداعيات في ضاحية اوكلون جنوب شيكاغو دخلنا أول مبني تجاري ضخم يدعي وول مارت وهو سلسلة من المحلات الواسعة التي تبيع كل شيء تقريباً، كان الزبائن يدفعون عرباتهم في كل اتجاه يحملون أكثر من احتياجاتهم. المختصون في مجال كبح رغبات الاستهلاك لدي الأفراد، أكدوا أن الدافع وراء توفير العربات الواسعة نسبيا في المحلات الكبيرة يهدف إلي إغراء الزبائن بتحميلها بالمواد الضرورية وغير الضرورية، وهو شكل ابداعي ، إذا جاز التعبير، في فن التسويق الذي يغري الزبائن بشكل غير مباشر من أجل تعبئة سلالهم بالبضاعة.تمتلك وول مارت شبكة واسعة جداً من المحلات في جميع الولايات المتحدة، يعمل فيها نحو نصف مليون مستخدم، وقد انتظم العاملون فيها في إطار نقابي خاص بهم، وخاضوا مواجهة مع الشركات العملاقة التي تتحكم برأسمال المحلات، وهدد العاملون باعلان إضراب مفتوح عن العمل إذا لم تطرأ زيادات فعلية علي الرواتب. محلات وول مارت تستقبل زبائنها علي مدار الأربع والعشرين ساعة، وهي جاهزة لمراكمة ديون المستهلكين. في أحد مداخل وول مارت تفاجأت بالسيدة نَسَبْ مفلح التي تنشط بمنظمة أهلية مقرها وسط الضفة الغربية تعني بالدراسات والأبحاث الخاصة بأطفال فلسطين.بادرتني مبتسمة: أنا هنا لمتابعة علاجي من سرطان الرئة. لكن تبدين مرتاحة وأعصابك متماسكة. الآن فقط هادئة، لقد تسلمت منذ ساعة واحدة نتائج ايجابية للفحوصات الطبية من إحدي كليات الطب المتخصصة في شيكاغو تؤكد أن التشخيص السابق غير صحيح.كانت تبدو ملامحها مرهقة مع أنها في العقد الثالث من عمرها كشفت أنها اجتازت مرحلة قاسية عندما شخّصت عيادة طبية متخصصة في الضفة الغربية بأنها مصابة بسرطان الرئة، علي الفور اتخذت قراراً بالمغادرة إلي أمريكا للعلاج، واكتَشَفتْ هنا أنها غير مصابة بالسرطان، هل يعقل أن يكون التشخيص الطبي لعيادة متخصصة في هذا المستوي المتردي وهل من مساءلة ؟؟ذكريات عن مرض فلسطينيغادرت الوول مارت متمنياً لها شفاء تاما مسترجعاً عشرات القصص الأليمة عن المرضي والأطباء والمستشفيات والعيادات والتعامل الفظ القاسي مع المراجعين وألهبت بعض الحكايات نيران ذاكرتي:في مطلع التسعينات عندما كنت محرراً في صحيفة يومية بمدينة القدس، وصلتني رسالة من مواطن يشكو فيها أمره، نشرنا رسالته في زاوية القراء حرفيا: نقل ابنته الحامل إلي مستشفي في شمال الضفة لضمان ولادة آمنة، تبين أن حالتها صعبة فتقرر نقلها إلي مستشفي آخر في مدينة أخري، نقلت علي حمالة سيارة الإسعاف وعند تشغيلها تبين أن البنزين قد نفد منها، أبدي والد الحامل استعداده لدفع تكاليف محروقات سيارة الإسعاف التي نقلت المرأة الحامل إلي ثلاث مستشفيات في شمال الضفة دون أن توافق إدارة إحداها علي استقبال الحامل دون مبرر حتي وصلت جثة هامدة في نهاية المطاف فحجزت مكاناً في غرفة الموتي بالمستشفي، جهّز الرجل جثمان ابنته للدفن وقبيل مغادرته المستشفي قدم المحاسب كشف الحساب متضمناً أجرة سيارة الإسعاف واستخدام نقالة الموتي !!يخلق الاهمال والتعامل الفظ مع المرضي والمراجعين في بلادنا إشكاليات كبيرة، ويعرض أحياناً الطاقم الطبي لاعتداءات المواطنين، أذكر قصة اعتداء أشقاء في شمال الضفة علي طاقم طبي أشرف علي ولادة شقيقتهم الشابة وقد أبدي الطاقم ارتباكاً كبيراً أثناء عملية الولادة رافضا الافصاح عن خطورة الحالة، وعندما توفيت الحامل مع جنينها خرجت إحدي الطبيبات مبتسمة وهي تعلن خبر الوفاة، فانقض الأشقاء علي الطبيبة وأفراد الطاقم وأوسعوهم ضرباً.مطلع التسعينات كان الشاب أيمن عزمي غائباً عن الوعي ممدداً في سريره بغرفة الانعاش المُرَكز بمستشفي مقدسي يعاني آلاماً حادة في الدماغ غيبتّه عن الوعي، وقد وصلت والدته في حالة انهيار من الولايات المتحدة، كانت تبكي دماً فوق رأس نجلها فيما كان أفراد الطاقم الطبي المشرف علي قسم العناية الحثيثة يتبادلون النكات السخيفة والتعليقات الباهتة حول مكتبهم داخل القسم.خجلت من سلوكهم وطلبت من أحدهم البحث عن مكان آخر لتبادل التعليقات احتراماً لذوي المرضي الذين يرقدون علي أسرتهم في حالة خطيرة، أجاب بفظاظة: يومياً نتلقي عشرات الحالات وليس سهلاً التضامن صمتاً وحزناً مع ذويهم طوال الوقت.أعتقد أن الجميع يمتلك ذخيرة من القصص حول العلاقات الطبية بين الطاقم الطبي والاداري المشرف من جهة والمريض وذويه من جهة أخري، بعضها ايجابي وكثير منها سلبي مشوه فرضته الظروف القائمة وسلوك عنيف لأفراد يتفجرون علي الدوام غضباً وقهراً.تداعيات قصص المرضي وذويهم تداخلت مع اصرار نَسَبْ مفلح النجاة بحياتها رغم تكلفة العلاج الباهظ في الولايات المتحدة خاصة لمن لا يمتلك تأميناً صحياً. بقالات هارفي في الاسبوع الثاني كنت أقف علي مدخل بقالة متواضعة في حي للسود يدعي هارفي يقع باحدي ضواحي شيكاغو، يمتلك البقالة صديقي عبد الرحمن نزال وشريكه المهندس فايز، يكاد مدخلها الضيق يتسع لمرور شخص واحد فيما يعلو صوت جهاز التبريد القديم بشكل مزعج دون أن ينجح بتخفيض درجة حرارة حزيران (يونيو) الملتهبة، في حين يتصبب الشاب الممتليء هاني عرقاً وهو يبيع الزبائن السود سجائر قليلة ومواد غذائية شحيحة.. كان البائع هيثم يتعامل مع الزبائن من داخل غرفة زجاجية معزولة بقضبان حديدية، والدخول إليها يوفره باب حديدي موصد جيداً، ومن خلال فتحة صغيرة كان يتسلم نقود المشترين تنتصب فوق رأسه كاميرا متواضعة في محاولة لتوثيق حالات انتهاك مرتقبة.أشار البائع هاني، الفلسطيني الأصل أردني المولد، نحونا للدخول بسرعة إلي زنزانته الزجاجية، أجاب مبتسماً علي ردة فعلنا ودهشتنا كاشفاً سر هذه الرقعة الضيقة التي يقضي فيها يومياً نحو اثنتي عشرة ساعة واقفاً علي قدميه بأجرة تدور في فلك الحد الأدني للاجور (ستة دولارات للساعة الواحدة): ربما يقي هذا الزجاج طلقة قاتل جاء يبحث عن حصيلة المبيعات اليومية التي يتراوح معدلها ألف دولار وأشار مبتسماً إلي ركن في البقالة: هنا في تلك الزاوية تعرضتُ لمحاولة قتل، وصُوب مسدس قاتل منذ ثلاث سنوات باتجاه رأس صاحب المحل، وأوشكت حياته علي نهايتها لولا تردد القاتل في الضغط علي الزناد .وهاني شاب في مطلع الثلاثينات، وصل الولايات المتحدة منذ ثماني سنوات تقريباً قادماً من الأردن، وحتي الآن لا يمتلك إقامة شرعية، وحاول الحصول عليها من خلال اقترانه بامرأة مكسيكية لكنها باتت تبتزه وتحصل منه علي ما تريد من أموال لقاء صمتها علي وضعه غير الشرعي، لم يعد قادراً علي تحمل هذا الوضع ووصل معها في النهاية إلي صفقة تقضي بان يدفع لها ما تريد من أموال جراء استكمال أوراق الطلاق!! كنت أستمع بهدوء للقصص المتنوعة التي يرويها هاني حول ظروف الحياة التي تحاصر معظم الذين يعرفهم من المهاجرين العرب، تدخل عبد الرحمن نزال (39 سنه) الذي ولد في بلدة قرب القدس وغادرها طفلاً صغيراً بعد حرب 1967 إلي الأردن حيث أنهي دراسته الثانوية بتفوق والتحق بكلية الطب مدة ثلاث سنوات لكنه غادر إلي الولايات المتحدة ويعمل حالياً في حقل المختبرات الطبية: أذكر تماماً محاولة قتل تعرضتُ لها شخصياً عندما هاجمني رجل أسود قبل سنوات هنا في هذه البقالة، آمراً تحت تهديد السلاح كل الأموال التي بحوزتي، وضع المسدس في رأسي وأدركت أنها النهاية وبدأت تلاوة الشهادة، عندها ظن المُعتدي أنني اشتمه فازداد غضباً وكاد يضغط علي الزناد لولا تدخل بائعة سوداء كانت تعمل معي، أكدت له أنني لا أشتم بل أُؤدي طقوس الموت، وأشارت إليه بأن يأخذ كل الأموال علي أن لا يؤذي أحداً، وبالفعل خطف كل الأموال وخرج مسرعاً لنهب محل آخر مجاور يمتلكه عربي من اليمن، قاومه ورفض الاستجابة إلي تهديده بتسليم كل المال، فأفرغ الرصاص في رأسه، وبعد وقت قصير اعتقل القاتل وصدر بحقه حكم بالسجن المؤبد..ماذا لو قاومتُ قليلا أين سيستقر الرصاص في رأسي وهل كنت ستسمع مني حكاية موت شكلت مفصلا حيوياً في حياتي؟ .عبد الرحمن متزوج وله ثلاثة أبناء، نجح في حياته المهنية وقد نال درجة الماجستير في التحاليل الطبية والتحق بطاقم شركة مرموقة بمجال تخصصه المخبري، لكنه عاني سنوات طويلة سابقة من الاقامة غير الشرعية وظروف عمل صعبة، وتمكن مؤخراً من الحصول علي بطاقة غرين كارد وفرها تعاقد عمل مع المؤسسة الطبية التي يعمل بها حالياً منذ أربع سنوات. بدأ حياته الطلابية متأثراً بتيار إسلامي في الأردن وبعد هجرته أصبح ليبراليا يتقبل مفاهيم مجتمعية أخري لكنه حافظ علي تديّنه، في حين بدأ شريكه المهندس فايز حياته الطلابية متأثراً بالاتجاهات القومية اليسارية ثم نقدها وتفحص نقاط ضعفها النظري حسب رأيه فتخلي عنها وأصبح متديناً.البقالة ضيقة، يبدو أنها لا تتسع لضيف وبائعين وأصحاب محل وعدد من الزبائن، وفر فايز صناديق حليب فارغة من البلاستيك القوي، جلسنا عليها قرب مدخل المحل، وتحت درجة حرارة مرتفعة أدار فايز، وهو رجل أعمال ناجح وكريم من قري نابلس الجنوبية، نقاشاً طويلاً رغم أنه لا يضيع وقته عادة بالحوار أثناء عمله واختتم بمعادلة ثقافية نمطية وشائعة: العبيد مجموعة امريكية كسولة لا تهتم بالعمل اطلاقاً وليس لها طاقة عليه ولا تستطيع أن تكسب مالاً لذلك تستحق حياة الفقر .للأسف تنتشر مفردة العبيد كمصطلح له دلالة عنصرية بين أوساط المهاجرين العرب، رغم أن الغالبية العظمي من المكسيكيين والصينيين والعرب والمسلمين يعيشون في ظروف اقتصادية تضعهم في مرتبة العبيد؟الاعتقاد أن الفقراء كسالي يخدم ثقافة سلطوية مهيمنة عالميا بتحالفات اقليمية تساعد علي استمرار النهب الاقتصادي وتعبيد طريق الاستغلال، هناك قوانين واجراءات معقدة أعترف أنني أجهلها تضع السود خاصة والملونين عامة في هذه المرتبة المتدنية للمجتمع الامريكي.أتفق مع فايز أن الجميع سواسية تحت القانون ويأخذ كل مقيم فرصة متساوية وبامكان أي فرد أن ينجح اقتصادياً وينتقل من فئة محتاجة الي أخري أحسن حالاً شريطة أن يعمل بمثابرة ووفق القانون، ولكن هناك ظروف موضوعية وشروط، آمل أن أدركها يوما ما، تقف عقبة أمام السود لنيل حقوقهم المدنية كاملة.النقاش امتد لوقت طويل حتي أحرقتنا شمس شيكاغو، ولم نصل إلي قواسم مشتركة وفايز دافع عن مفاهيم سائدة تتعلق بقواعد توزيع الثروات وتمايز الطبقات الاجتماعية وتمترس حول فكرة أن الملكيات لا شأن للانسان فيها. استخدام مصطلح العبيد محظور تماماً وفق القوانين الامريكية ولكنه للأسف دارج علي ألسنة العرب وآخرين من البيض وغيرهم، لكن اللافت أن بعض الباعة العرب يعملون في وسط أحياء السود الفقيرة ويعيشون علي أرباح ما يسمي بـ شيكات التموين الحكومية أو فود ستامب التي توزع علي المحتاجين السود لشراء المواد الغذائية الأساسية لأفراد أسرهم وخاصة الأطفال منهم. التحريض ضد العربسمعت أن كثيراً من الباعة العرب وغيرهم جمعوا ثروة طائلة من خلال كوبونات التموين الحكومية التي كانت تستبدل بنصف قيمتها الفعلية نقداً.. ولكن في الفترة الأخيرة زادت الرقابة والقيود بشكل ملحوظ علي عملية صرف الشيكات الحكومية لأغراض الغذاء وبات أي متلاعب عرضة لنار الاجراءات القانونية.المفارقة أن تعامل بعض الباعة الدوني مع السود أوجد مناخاً من التحريض علي القضايا العربية، ونجحت مؤسسات معادية ببث دعاية مسمومة حول مسؤولية عرب شمال افريقيا بنشاطهم كوسطاء استهدف نقل عشرين مليون أسود إلي امريكا واوروبا عبر بوابات المحيط الأطلسي، وشهدت عمليات بيع العبيد مقتل ستة ملايين أسود أثناء اجراءات الترحيل بحراً علي مدار سنوات عديدة.. ومع أن أوساط بيضاء وطوائف دينية في هولندا اعترفت بمسؤوليتها عن نقل السود من افريقيا إلا أن التحريض لا زال متواصلاً تجاه العرب، وهناك مَنْ يتحمل في الطرف العربي بمواقفه ومسلكياته مسؤولية النفخ في جمر التحريض تجاه العرب.قبل مغادرة البقالة العربية في حي هارفي، دققت ملياً لآخر مرة في الزبائن: شبان صغار يرتدون ملابس رثة وقبعات غريبة يتوقفون بسياراتهم القديمة المتهالكة يترجلون منها لشراء سيجارة أو سيجارتين، وسيدات بدينات يدفعن القليل لقاء مواد غذائية محدودة، كثير من القطع المعدنية الصغيرة تبادلها البائع والمشتري في حين أن الصورة النمطية للامريكي أنه يدفع عبر فيزا كارد !!غادرت الحي مع صديقي عبد الرحمن، وفي الطريق أشار إلي بقالة اليمني الذي قتل بالرصاص، وبدا المحل عن بعد كأنه سجن مقيّد بشبك حديدي.. وفي الطريق أيضاً شاهدت محلات عربية مشابهة لمهاجرين من الأردن وفلسطين وسورية وغيرهم، كانت اليافطات الصغيرة تحمل أسماء عربية بحروف انجليزية.المحلات التجارية الضخمة التي تعرف باسم المول غير موجودة علي الاطلاق في أحياء السود، بينما تنعدم البقالات المكسيكية والعربية والصينية الصغيرة في أحياء البيض، المعادلة واضحة: السود لا تتوفر لديهم القدرة الشرائية لتعبئة العربات بالبضائع والدفع حسب نظام الفيزا كارد ، وهم جاهزون حسب رأي أصحاب الشركات العملاقة لنهب البضائع دون أي حساب لأجهزة الانذار التي تكشف السرقات أو الخوف من رجال الحراسة، بينما يمتلك معظم البيض قدرة شرائية وأموالاً، تجعلهم يتجنبون شراء احتياجاتهم من المحلات الصغيرة للملونين.وفي إطار تبادل الاتهامات بمسؤولية المخالفات تنتشر مفارقة بصيغة ســـــؤال بين الشــــبان العرب: عندما يكون في السيارة أسود ومكسيكي، هل تعرف مَنْ هو السائق: مَنْ؟ السائق طبعاً.. رجل شرطة!!ذكرت إحصائية امريكية عام 2004 أن حوالي 1500 مكسيكي يتدفقون يوميا علي الحدود الامريكية بحثا عن عمل، التقط مخرج سينمائي مكسيكي تزايد هذه الظاهرة فأنتج فيلماً بعنوان طريق الشيطان يروي قصة حقيقية لمجموعة شبان يقررون الهجرة الي الولايات المتحدة، وأثناء عبورهم صحراء أريزونا القاحلة التي يتطلب اجتيازها علي الأقدام ستة أيام، هلك منهم عطشاً اثنا عشر شاباً وشارف أربعة عشر آخر علي الموت.المفارقة أن الهجرة خلقت انقساما بين الامريكيين: مجموعة تنسق عملها الطوعي مع شرطة الحدود لمراقبة الطرق ومنع دخول المتسللين، وأخري تبحث عن التائهين شمال صحراء أريزونا لتزودهم بالماء والأكل في محاولة لانقاذ حياتهم ومساعدتهم علي استكمال اجتياز الصحراء.يقيم الآن في الولايات المتحدة أكثر من عشرة ملايين مهاجر يعملون بأجور متدنية في قطاع الخدمات العامة والانشاءات، وستظل هجرة الشبان تتدفق طالما ظلت المعادلة الاجتماعية القائمة غير متوازنة: جنوب لاتيني فقير يمتلئ بطالة وشمال أبيض ثري مترف يبحث مواطنوه عن خدم بأجور متدنية.تباين الأوضاع الاقتصادية علي طرفي الحدود فتح باب جهنم للهجرة إذ يلقي ثلث المهاجرين مصرعهم عطشاً أو قتلاً لحظة سلبهم واغتصابهم علي أيدي المهربين.7