من أفلام مهرجان برلين السينمائي قراءة في فيلم العام الذي ذهب فيه والداي في عطلة
محمد نبيلمن أفلام مهرجان برلين السينمائي قراءة في فيلم العام الذي ذهب فيه والداي في عطلة شاهد عشاق السينما والجمهور الذي يتابع فعاليات مهرجان برلين السينمائي في دورته السابعة والخمسين، أحد الأعمال السينمائية المهمة والتي تمثل أمريكا اللاتينية في المسابقة الرسمية. ويتعلق الأمر بشريط العام الذي ذهب فيه والداي في عطلة لمخرجه ساو هامبرغر.ولد ساو هامبرغر عام 1962 بمدينة ساو باولو وهو معروف من خلال سلسلته التلفازية الناجحة والتي أخرجها تحت عنوان: City of Men، وكانت قد حصلت علي جوائز عالمية كبيرة، كما يشتغل هامبرغر في عدة مجالات فنية وثقافية حيث يؤلف كتبا للأطفال وأخرج أكثر من مئتي كليب إشهاري والعديد من الأفلام القصيرة. تدور حكاية فيلم العام الذي ذهب فيه والداي في عطلة حول الطفل ميشيل جولساس الذي يحمل في الفيلم اسم مورو البالغ من العمر 12 سنة، من أم مسيحية وأب يهودي، وكلاهما قررا فجأة الذهاب في عطلة هربا من القمع. وبين اللحظة التي غادر فيها الطفل مورو بيت عائلته إلي حين نهاية الفيلم، وظف المخرج كل من حب مورو لكرة القدم وفوز البرازيل وللمرة الثالثة بكأس العالم كوسيلة لمعالجة قضية سياسية تتعلق بالقمع الذي تعرض له الشعب البرازيلي في تلك الحقبة المريرة علي يد النظام العسكري. السياق التاريخي للفيلم عندما حصل الفريق البرازيلي لكرة القدم عام 1970 علي كأس العالم للمرة الثالثة، كان النظام العسكري الديكتاتوري يقمع المواطنين ويصادر الحريات، بل أصبح فوز البرازيل الكروي دعاية سياسية في يد الحكومة العسكرية توظفها لأغراضها وأطماعها السياسية. ولعل عودة بسيطة إلي أحداث هذه المرحلة توضح بجلاء أن معاناة الشعب البرازيلي مع الديكتاتورية بدأت في اذار (مارس) عام 1964 عندما قام العسكر بانقلاب علي النظام مما ترك آثاره الوخيمة في ذاكرة البرازيليين. هذا التقابل بين فوز البرازيل كرويا ومتابعة الجمهور لفرحة النصر من ناحية، وسياسة النظام العسكري القمعية من ناحية ثانية، يتناوله هامبرغر في فيلمه بطريقة فنية وجمالية من خلال قصة الطفل مورو الذي يهوي الكرة ويريد أن يكون لاعبا مرموقا ونجما عالميا، لكنه لا يعرف ما يدور حوله من ضغط ومصادرة لحريات الشعب البرازيلي.وتكمن حكاية مورو في البداية، عندما قرر أهله التخلي عنه تحت ضغط القمع بتهمة انتماءاتهم السياسية الشيوعية لجده اليهودي جرمانو هايت الذي حمل في الفيلم اسم شلومو الساكن في حي بوم ريتيرو المعروف آنذاك بتعدد الثقافات ويقطنه الكثير من العرب واليهود واليونانيين والإيطاليين، إلا أن المخرج أراد التركيز علي عائلة يهودية ينتمي إليها الطفل مورو موجها نقده السينمائي النافذ للطقوس اليهودية. واختيار الجالية اليهودية في هذا الشريط يعود لعدة أسباب تختزلها تصريحات المخرج في كون الاختلاف الديني والثقافي الغريب بالنسبة لمورو أصبح جزءا من ذاته في الفيلم أي أنه جزء من الهوية البرازيلية، وهذا ينسجم مع التشكيلة الاجتماعية المخضرمة بالبرازيل والتي يمثل فيها الأجانب جزءا مهما وعلي سبيل المثال لا الحصر، نشير إلي أنه يعيش في هذا البلد قرابة 6 ملايين تمثل فقط الجالية اللبنانية. ولعل المشهد الذي كان فيه الإيطاليون واليهود والسود يلعبون كرة القدم، يمثل النقطة الأساسية في الفيلم والرسالة المهمة التي يحملها هذا العمل حسب رأي المخرج. ففيلم العام الذي ذهب فيه والداي في عطلة يمثل صورة حية حول العديد من الأجيال التي تكون المجتمع البرازيلي. الأبعاد المتحكمة في الفيلم حضور الطفل مورو داخل الفيلم شكل بؤرة أساسية لفهم أبعاد عمل المخرج هامبرغر، فحلمه الأكبر هو أن يكون لاعباً لكرة القدم وخاصة أنه يتابع نجوم بلده وعلي رأسهم اللاعب بيليه وهم يحصلون علي لقب بطل العالم للمرة الثالثة. إنه الطفل الذي يواجه فراغا عاطفيا بعد سفر أهله الاضطراري ويعاني من هجرته للحي البورجوازي الذي كان يقطن فيه ليحل ضيفا عند جده الساكن بحي بوم ريتيرو المطبوع بتعدد جالياته الثقافية والعرقية والدينية. يسكن مورو بمنزل جده اليهودي المتدين فيحدث الصراع بينهما وقد وصل الأمر إلي حد مقاطعة مورو لجده الذي ضربه بعدما تطاول علي مقدسه الديني في مشهد كان فيه مورو يلعب بكرته قرب الشقة وعلي ظهره سجادة جده التي يستعملها في صلاته. مورو يسخر من عدة سلوكات يمارسها جده بل لا يحب طعم أكله وشرابه. هذا التناقض يعكس صورة المجتمع البرازيلي المتمرد علي العقلية الدينية والتقليدية. مورو الحالم يقدم كذلك صورة للطفل الراغب في اكتشاف الجسد الأنثوي والجنس رفقة أطفال الحي لكن بطريقة سرية ومن خلف أسوار محل لبيع الملابس والذي كان فيه بعض الزبائن من النساء يقسن الفساتين. استحضار حدث فوز الفريق البرازيلي بكأس العالم ما هو إلا خلفية لهذا العمل السينمائي حسب قول المخرج. فعلي حد قول ساو هامبرغر، كل سائق تاكسي بانكلترا عمره يتجاوز 50 عاما، يستطيع التعرف علي عناصر المنتخب البرازيلي لمرحلة السبعينات. أريد من خلال هذا الفيلم أن أبدد الأحكام القبلية المنتشرة حول البرازيل. فعندما نسأل الناس بانكلترا عن البرازيل يفكرون مباشرة في الغابة والهنود…الخ. كل هذه العناصر شكلت ما أوحت لي به قصة الفيلم . علي سبيل الاستخلاص: إن تجربة هامبرغر السينمائية وحسه الفكري ككاتب ومؤلف لكتب الأطفال سمحت له بمعالجة رائعة لتاريخ البرازيل الدموي من خلال تجربة طفل لا يبالي إلا بلعبه وحلمه بالنجومية. لكن لامبالاة الطفل بواقع القمع، كانت في نفس الوقت تكشف عن قصدية المخرج المتجلية في عرض هموم الشعب البرازيلي بلغة مرنة وثاقبة بطلها طفل برازيلي وإلي جانبه جده اليهودي، وكأن المخرج يريد إبراز ذلك التقابل بين شعب يعيش علي الهامش حاملا لوعيه الشقي وحبه الجنوني للكرة والنظام العسكري الديكتاتوري في برازيل السبعينات. وتنبغي الإشارة إلي أن الأسئلة والقضايا التي تعرض لها الفيلم تظل مفتوحة وراهنة، فالمخرج يعتبر فيلمه في شموليته يدور حول مواضيع الغياب والعزلة وكيف يمكن تجاوز العقبات.صحافي عربي يقيم في برلين