المونتير مروان عكاوي وذاكرة السينما السورية: ولدت لأب عاش وتوفي بغرفة للعرض السينمائي!
المونتير مروان عكاوي وذاكرة السينما السورية: ولدت لأب عاش وتوفي بغرفة للعرض السينمائي!دمشق ـ القدس العربي ـ من أنور بدر: مروان عكاوي من جيل العشاق الأوائل الذين اشتغلوا في السينما، ومن أوائل الذين عملوا في المؤسسة العامة للسينما حينما أحدثت عام 1963، انطلق في علاقته مع السينما من غرفة العرض، إذ كان والده أبو معروف الزعيم من أوائل العارضين في الصالات السينمائية في دمشق، ومن خلاله تعرف علي الكثير من تقنيات العمل الفني، واشتغل مساعد مخرج بل أخرج أكثر من فيلم، لكنه اشتهر كمونتير، وكُرم في مهرجان دمشق السينمائي عام 2003 علي هذا الأساس.غادر سورية منذ عقود إلي اليونان، وأسس هناك شركة إنتاج سينمائي تهتم بالإنتاجات المشتركة، بما يساعد علي تسويق هذه الأفلام.التقته القدس العربي في زيارته الأخيرة إلي دمشق، وكان معه هذا الحوار: كيف بدأت علاقتك بالسينما أصلاً؟ كان والدي من أوائل المشتغلين بالسينما السورية كعارض، وشهرته أبو معروف الزعيم ، أمضي حياته عارضاً وتوفي في غرفة العرض، وفي هذه الغرفة المظلمة تعرفت علي السينما ونمت خيوط العشق ما بيني وبين الشريط السينمائي، لكنني بدأت العمل السينمائي الحقيقي عام 1961 مع المرحوم جوزيف فهدة كمساعد عام: مساعد مخرج، مساعد تصوير، مساعد ديكور… إلي أن أُنشئت المؤسسة العامة للسينما عام 1963 وكنت أول فني عُين فيها، حتي قبل أن ينتقل الأستاذان صلاح دهني وجورج خوري من ملاك وزارة الثقافة إلي ملاك المؤسسة. الطريف أنني عندما قدمت طلب توظيف إلي المؤسسة العامة للسينما ذكرت المهنة كمساعد مخرج، لكن الأستاذ جوزيف فهدة أصرّ أن لديّ ملكة خاصة بالمونتاج وفرغني علي هذا الأساس. في ذلك الوقت لم يكن لدينا في المؤسسة أي شيء، كاميرا واحدة، وسيبة واحدة… لكننا بدأنا العمل كمجموعة من الشباب المتحمسين، كنا عشاق للسينما، وكانت السينما بالنسبة لنا تشكل هاجساً وليس مجرد وظيفة أو مهنة. بعد تلك السنوات الطويلة، ما هي أهم التجارب التي ما تزال في ذاكرتك؟ في تلك الفترة وبإمكانيات متواضعة جداً، قدمنا عدداً لا بأس به من الأفلام التي شاركت في مهرجانات عالمية، وكانت المفاجآت أن تحصد أعمالنا جوائز هامة أثبتت قدراتنا الفنية في أكثر من مجال. بالنسبة لي هناك فيلم أعتز به جداً، حيث انتهي عقد المخرج اليوغسلافي بوشكو بولشوفيتش سنة 1964 واضطر إلي العودة لبلاده، بينما الفيلم الذي صوره سورية بين القديم والحديث 16مم لا يزال في معامل سويسرا، وحين عاد الفيلم لم يكن له أي أب ، فطلب إليّ تنفيذ المونتاج، وكانت تجربة جديدة حاولت أن أوظف فيها كل معلوماتي وخبرتي في هذا الحقل. تجرأت فيها علي صنع فيلم بدون تعليق، لأنني اعتبرت الصورة والموسيقا تكفيان للتعبير عن مقولة الفيلم. واعتبرت أول تجربة في السينما العالمية. ونال الفيلم الجائزة الثانية في مهرجان برلين السينمائي لنفس العام. والموسيقا التي كتبها الأستاذ صلحي الوادي لهذا الفيلم تحول جزء منها لنواة أول سيمفونية سورية كتبها الأستاذ الوادي لاحقاً باسم دمشق . وأذكر عندما دخلت المؤسسة العامة للسينما تجربة الأفلام الطويلة أنها أعادت استدعاء بوشكو بولشوفيتش في عقد جديد، وقد شكرني علي ذلك الفيلم مؤكداً أنه لم يكن يحلم بإنجاز أفضل ممّا عملت.هذه التجربة كررتها ثانية في فيلم وثائقي اسمه تدمر ، ونال الجائزة الأولي في مهرجان دمشق السينمائي.التجربة الثانية التي أعتز بها كانت فيلم الفهد للأستاذ نبيل المالح، حيث حاولت أن أنقل قلق الشخصية إلي الجمهور، عن طريق ما أسميته القطع القلق للقطات، وهي طريقة لم تكن معروفة للجمهور، بل كانت مكروهة، وكنت بذلك أبتدع أسلوباً في المونتاج السينمائي لم أشاهده في السينما العالمية إلا بعد حوالي (26) سنة، أي في عام (1997) في فيلم روميو وجوليت عن مسرحية شكسبير في لندن.كذلك كنت الأول عربياً ـ بأقل تعديل ـ في استخدام المونتاج المتعامد، إذ كان الإنتاج سابقاً يقوم علي طريقة التسلسل الزمني أو التقطيع المتوازي بين حدثين أو زمنيين لرفع سويّة التشويق، لكنني لجأت لاستخدام موسيقي فرحة مثلاً مع مشهد حزين كما يحصل في تشييع الشهداء مثلاً حين تزغد النساء، هذا الأسلوب في تعامد الصوت مع الصورة يُعمّق الإحساس لدي المتلقي، وأصبح الآن أسلوباً شائعاً في السينما. أين كان القطاع الخاص في هذه المرحلة؟ قبل عام (1963) كانت الشركات السورية تستقدم فنيين من مصر لإنجاز أفلامها، ثم يرسل الفيلم إلي فرنسا أو مصر للتحميض ومتابعة الأعمال الفنية، لكن المؤسسة العامة للسينما بدأت بإعداد استوديوهات خاصة بها، واستقدمت معملاً للتحميض، واستديو صوت. وكنت واثقاً من قدرتنا علي إنجاز أي فيلم ضمن سورية.ما بين (1963) و(1968) تمت حوالي أربع تجارب خاصة ناجحة، وساهمت بها من خلال علاقتي مع القطاع الخاص، إذ كنت قريباً من المنتجين السوريين وخاصة المرحوم تحسين قوادري الذي تربطني به صلة قرابة، أنتج في عام (1968) فيلمين أبيض واسود، الأول اسمه واحد زائد واحد والآخر اسمه الثعلب ، وهما من إخراج يوسف معلولي. وقد أخذت علي عاتقي إنجازهما في سورية ضمن تجهيزات المؤسسة العامة للسينما بدلاً من إرسالهما إلي الخارج، وهكذا كان.كنت أول شخص أدخل القطاع الخاص إلي المؤسسة العامة للسينما. واستطعت إقناع عدد من شباب المؤسسة آنذاك أن يشتغلوا معي في القطاع الخاص، أمثال بهجت حيدر وعبدو حمزة وحسن عز الدين وسواهم. كان هاجسنا في ذلك الوقت أننا إذا تركنا القطاع الخاص يشتغل لوحده فسوف ينتقل من سيء لأسوأ، لأنّ الإشكاليّة في هذا القطاع الخاص السوري أنه قطاع تجاري، أي كان كل توجهه ماديا، بحيث أهمل الجانب الثقافي والحضاري من صناعة السينما. ومن هنا تولدت لدينا فكرة إصلاح هذا القطاع، أو أن نقلل قدر الإمكان من سيئاته، أو من نزعته التجارية. كيف تري أسباب تدهور السينما السورية؟ بالمقابل من تجهيزات المؤسسة العامة للسينما صدر قانون حصر الاستيراد والتوزيع بهذه المؤسسة، وهذا القانون بكل أسف دمّر صناعة السينما السورية. إذ أصبحت المؤسسة منافسا غير شريف للقطاع الخاص. وأصبحت السينما السورية منافسا خاسرا أمام الأفلام المستوردة والرديئة، مما افقدنا الجمهور السينمائي، وأفقدنا طقس ومتعة المشاهدة السينمائية في دور عروض محترمة.لذلك حتي بعد إلغاء هذا القانون، مؤخراً، لم ننجح باستعادة الصالات التي تردي وضعها، ولا باستعادة ذلك الطقس السينمائي، ولا باستعادة ذلك الجمهور المحب للسينما والذي افتقدناه. برأيك هل توجد أيّة إمكانية لاستعادة هذا الجمهور؟ منذ حوالي ثلاث سنوات كان هذا الموضوع مثاراً مع الأستاذ محمد الأحمد مدير المؤسسة العامة للسينما، وكانت الفكرة أن نستعين بشركة أجنبية تحاول إعادة تشغيل صالات السينما لدينا، لاستعادة تلك العلاقة المفقودة ما بين الجمهور والصالة والفيلم.الحقيقة أنّ الأستاذ محمد الأحمد كان ولا يزال مُقيداً بعدد من القوانين والتقاليد السائدة والتي تحد من إمكانية تحريك الآلية البيروقراطية السائدة، رغم توجيهات القيادة السياسية لبحث وضع السينما في سورية.مثلاً توجد صالة سينما في مشروع دمر السكني منذ (25) سنة، وهي تتبع وزارة الثقافة، وتصلح لأن تقسم إلي صالتين صغيرتين، لكنها لا تزال بناءً فارغاً، ولم تستغل طيلة هذه السنوات لا كصالة عرض سينمائي ولا كخشبة مسرح.وقد أبدت الشركة الأجنبيّة استعدادها لاستلام هذه الصالة، وتجهيزها كصالتين سينمائيتين، مُقابل استثمارهما لمدة مُتفق عليها ثم تعيدها إلي الدولة، لكننا اصطدمنا بالقانون الذي يقول أنه لا بد من وجود مناقصة، وأن تكون هنالك ثلاثة عروض كحد أدني، فرفضت الشركة هذه الآلية في العمل، لأنها تمثل حلولاً معقدة. أرجو أن تحدثنا عن مشروعك الإنتاجي في اليونان؟ أنا أقيم في اليونان منذ سنوات، وقد أسست شركة إنتاج تُعني بإنتاجات مشتركة ما بين اليونان ودول أخري، أنجزت حتي الآن أفلاما مهمة، مثل حديث الشيطان وهو عبارة عن ميلودراما من إنتاج يوناني- بريطاني، أما ما يتعلق بالإنتاجات العربية المشتركة، فقد كان لدينا مشروع فيلم حفلة صيد وكان أول إنتاج بريطاني ـ سوري مُشترك، بدأنا به منذ سنتين، لكنه وللأسف لم يُنجز لأسباب لسنا بصددها الآن، لكن الجهتين المعنيتين بإنتاجه يبدو أنهما قررتا متابعة العمل فيه. وهذا الفيلم يأتي ضمن مشروع كنت أعمل عليه منذ حوالي عشر سنوات، ويهدف إلي إقناع المنتجين الغربيين بإمكانية التصوير في بلادنا، وأنا الآن في سورية لمحاولة تكريس هذه التجربة في فيلم جديد. هل يُمكنك أن تعطينا لمحة عنه؟ لا أستطيع الحديث عن هذا المشروع الآن، لكنني أقول بشكل ٍ عام أنه فيلم يُهاجم العولمة، وسيكون إنتاجا سوريا ـ يونانيا ـ بريطانيا، كما أننا الآن بصدد مُباحثات مع شركة إنتاج فرنسية لهذه الغاية.QHR0