المثقفاتية و الأمنجية في صراع السلطة في السودان
د. عبدالوهاب الافندي المثقفاتية و الأمنجية في صراع السلطة في السودانفي تعليق مبكر علي ما وصف من قبل البعض بأنه تحامل من جانب العبد الفقير الي مولاه علي الأجهزة الأمنية في بعض ما كتبت من نقد للوضع في السودان، كتب الأخ أمين حسن عمر يقول بأن حدة انتقاداتي للممارسات الأمنية ترجع الي ما وصفه بأنه تباين وظيفي بين مهمة أهل الاعلام وحماة الأمن. كان هذا منذ أكثر من عقد من الزمان. ولكن في مداخلة حديثة في اطار السجال الذي أثارته مقالات الأخ التجاني عبدالقادر في الصحافة خلال الأشهر الماضية، عاد أمين الي تكرار هذا التحليل، في اشارة الي مقولتي الي هيمنة ما سميته بـ السوبر تنظيم علي مقادير الحركة الاسلامية في السودان، حيث قال في مقالته بالرأي العام في السابع من شباط (فبراير) الجاري: وشهادة الأخ د. عبدالوهاب في ذلك شهادة سماعية واستنتاجية. وهو ميال مثل سواه من المثقفين الي التباعد من أجهزة الأمن ونسبة كل الشرور اليها. فهذا الموقف يناسب جداً التحلي بالأزياء الفكرية العصرية مثل الحكم الراشد والشفافية والمساءلة وشراكة المجتمع المدني .المسألة اذن عند أمين لا تتعدي مسألة احتكاك مهني أو تنافر وظيفي بين أهل القلم وبعض أهل السلاح. ولا يخبرنا أمين اذن لماذا اختار ـ وهو من أهل القلم ـ جانب الأمنجية اذا كان الأمر كذلك. ويجب أن أنوه هنا بأن الأخ أمين صديق قديم تربطني به علاقة ود وزمالة في العمل الاعلامي منذ أيام الجامعة وهنا في بريطانيا، كما تربطنا معاً نزعة الي التمرد علي كل أشكال السلطة. ولكنه تاب من ذلك فتاب الله عليه، وانضم الي الفئة التي قال عنها أمس الأول أحد نواب البرلمان من حزب العمل هنا في بريطانيا في كتاب استقالة من الحزب انها أصبحت لو طلب منها التصويت علي قرار باستضعاف فئة من الناس يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم لفعلوا بلا تردد. ونحن لا نتهم أمين ولا غيره في نياتهم، بل نراهم مخلصين في اجتهادهم، ولكنه اجتهاد خاطئ، وليس فقط بسبب الكوارث المتتابعة التي تنتج عنه، والتي تنسب زوراً وبهتاناً الي المؤامرات الأمريكية وغير ذلك، وهو أمر لنا اليه عودة في مقام آخر.ولكني أجد نفسي هنا مضطراً لشيء من التوضيح لمآخذي علي الممارسات التي ننتقدها لا من قبل الأجهزة الأمنية فقط، بل من السلطة عموماً. وصحيح أن بعض المواجهات بيننا وبين الممارسات الأمنية ترجع الي طبيعة مهمتنا كاعلاميين ومفكرين لا نري قضايا حقوق الانسان والحكم والشفافية مجرد موضة، بل هي متطلبات أخلاقية ودينية قبل كل شيء. وأذكر أن أول مواجهة بيني وبين قيادات الأجهزة الأمنية كانت حول اعتقال صحافي من الجنوب كان يعمل مراسلاً لهيئة الاذاعة البريطانية ووكالة رويترز. وقد طلبت اطلاق سراحه أو محاكمته ان كان يواجه تهمة، فأجابني من كان بيده الأمر: لن نطلق سراحه ولن نحاكمه. واتهمني كما اتهمني أمين هنا بأنني قد أقمت في الغرب أطول من اللازم، وتعرضت لغسيل مخ بترهات حقوق الانسان وغيرها! الملفت أنهم اضطروا تحت الضغوط لاطلاق سراح الرجل بعد بضعة أشهر، ولم ينله من ذلك الاعتقال الا شهرة عالمية وقفزة في مجاله المهني، فكان كلما فعل القوم أنهم قدموا له خدمة جلي علي الصعيد المهني والشخصي. وهنا كان وجه اعتراضنا الآخر، هو أن هذه الممارسات لا تعبر فقط عن استخفاف بالحقوق، بل عن غباء محكم.في مواجهة أخري مع مسؤول كبير، شكوت أيضاً من هذه الممارسات التي تسيء الي سمعة السودان والحكومة، فأجابني المسؤول بأن كل ما يشاع عن هذه الممارسات أكاذيب لا أساس لها، لأن منسوبي الأمن وقادته رجال أتقياء يصومون الاثنين والخميس ويخافون الله تعالي. عندها واجهت المسؤول بمعلومات مباشرة عن هذه الممارسات مست بعض أفراد أسرتي، وقلت له ان صيام القوم ونسكهم ان كان صادقاً فهو لهم، ولكن اجرامهم علي الكل. وأضفت اذا لم يتم وضع حد لهذه الممارسات فانني سأجد نفسي مضطراً لاتخاذ موقف علني تبرئة للذمة أمام الله تعالي، بكل ما يقوم علي هذا من تبعات. وتلقيت حينها وعوداً لم يتم الوفاء بها فكان ما كان.ولكن المسألة، كما يتضح من دفاع كبار أهل النظام عنها، تتعدي هذه الممارسات الي ما هو أبعد وأخطر. فالأمر لا يتعلق بالوظيفة الأمنية من حيث هي وظيفة، بل باستخدام الأمن كأداة سياسية. فالوظيفة الأمنية هي وظيفة حيوية في المجتمعات الحديثة، ومجالها هو الدفاع عن المجتمع ضد الأعداء الخارجيين، وكشف مؤامراتهم، وعموماً تقليل لتكلفة المواجهات العسكرية وتعزيز القدرات الدفاعية للبلاد. وفي هذا المجال لا يوجد تناقض وظيفي بين المهمة الأمنية، بل بالعكس. ففي تقرير لجنة الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) حول الهجمات علي نيويورك واشنطون اتهمت وكالة المخابرات الأمريكية بأنها كانت تتصرف كأنها جامعة في حالة حرب . وحتي في الحالة السودانية نجد أن قادة الأجهزة الأمنية، مثل كثير من قيادات الـ سوبر تنظيم ، ينتسبون الي فئة المثقفاتية. فالدكتور نافع الذي كان يقود جهاز الأمن استاذ جامعي، وكثيرون من قادة الأجهزة الأمنية هم من نفس الفئة، كما أنهم أيضاً اعلاميون هواة (اضافة الي أن جهاز الأمن أنشأ مؤخراً أكثر من ذراع اعلامية).اذن ليس هناك جدار برلين يفصل بين المثقفين من جهة ورجال الأمن من جهة أخري، ولكن هناك وضعا مختلا يجعل الكل عاجزاً عن أداء وظيفته علي الوجه الأكمل. فحين يصبح شغل الأجهزة الأمنية الشاغل ليس هو التصدي لمخططات الأعداء، بل توجيه سهامه للمواطنين (والتجسس هنا محرم بنص قرآني قاطع لا يحتمل التأويل)، بل حين يصبح تقديم الخدمات الأمنية لوكالة المخابرات الأمريكية (وهي العدو الأكبر في أدبيات النظام) مصدر فخر يتجمل به رئيس جهاز الأمن في الاعلام الغربي، فلا بد أن تثار أسئلة مهمة. وحين نواجه بكوارث مثل دارفور تسبب فيها جهاز الأمن مباشرة، مرة بعجزه عن التصدي للتمرد في الاقليم، ومرة أخري حين ساهم في تعميق الأزمة عبر تجنيد ميليشيات منفلتة نشرت الخراب في البلاد، فانه يصبح من المهم مساءلة القائمين علي الثغرة الأمنية.عمليات التمرد لا تتفجر بين عشية وضحاها، فلا بد من ظهور تذمر واسع وسط الفئة المعنية، ثم تعبئة، وتنظيم، واتصالات خارجية، ثم ادخال سلاح الي البلاد من الخارج. وكل هذا يستغرق سنوات. فأين كانت أجهزة الأمن في كل هذا؟ ولماذا لم تنبه الحكومة مبكراً بأن الأزمة في طريقها للانفجار حتي تتخذ الاحتياطات السياسية لمنع الانفجار عن طريق معالجة الاشكالات السياسية؟ وحتي بعد الانفجار، لماذا لم تقم الأجهزة الأمنية بدورها في مواجهة التمرد وهزيمته؟ولكن هذه ليست هي القضية. فتقصيرات الأجهزة الأمنية وتجاوزاتها هي جزء من صورة أكبر، اللوم فيها لا يقع كله علي هذه الأجهزة. فكما أن الأجهزة الأمنية قصرت في أداء مهمتها واشتغلت بغيرها (خاصة بالتجارة وغيرها من الموبقات) فان هناك جهات أخري قصرت في أدائها، وأهمها الأداء السياسي. فلو أن القيادات السياسية قامت بواجبها السياسي، وأهمها الحوار البناء مع القوي السياسية الفاعلة والوصول الي تفاهم معها، لما كانت هناك حاجة لأن تشتغل الأجهزة الأمنية بمطاردة الناشطين السياسيين والمدنيين بدلاً من الالتفات الي واجبها الأساسي في ترصد أعداء البلاد. وهذا الخلل العام هو الذي ظل موضع نقدنا واهتمامنا، وليس كما يري أمين وغيره استهداف أجهزة الأمن لأننا كـ مثقفاتية نترفع عنها وعن أهلها. فتمدد الأجهزة الأمنية الي مواقع لا علاقة لها بالأمن (مثل الجامعات مثلاً) هو دليل هزيمة كبري للاسلاميين عموماً، حيث كانوا من قبل قادرين علي القيام بالواجب في أوساط الحركة الطلابية بدون حاجة للاستعانة بأحد من خارجها. وقس علي ذلك.الخلل المذكور أشرنا اليه بانحصار القرار السياسي في قلة تعمل في الخفاء، ولا تتحمل مسؤولية أعمالها علناً. ونحن لا نقول هذا سماعاً ورجماً بالغيب كما يدعي أمين، وهو يجب أن يكون أعلم الناس بهذا، بدليل أنه لا يذكر الحوار الذي كنا شهوداً عليه يوم تحولت قيادة السوبر تنظيم من الشيخ الترابي الي غيره في عام 1997 (ولم يكن كثيرون، بما فيهم عامة أعضاء التنظيم، يعلمون بذلك). وقد كان البعض حينها يتناصحون بمن هو التصرف الأحكم لكي لا يصبحوا مع الفريق الخاسر. والأمر نفسه حدث يوم الانقلاب، حين اكتشف بعض كبار قادة التنظيم أنه كانوا ضيوفاً فيه، قبل أن يتحولوا الي ضيوف في البلد بكامله.فالسوبر تنظيم حقيقة ماثلة، وأفراده معروفون. والأدهي من ذلك أن عامة السودانيين يعرفونهم بسبب طبيعة المجتمع السوداني الذي يفرض الشفافية فرضاً. وأذكر أنني في أول عهد الانقاذ ذهبت لزيارة أحد أبرز قادة هذه المؤسسة الخفية في منزله. وكان لي صديق يقيم غير بعيد من منزل الرجل، فأوقفت سيارتي أمام منزل ذلك الصديق وتظاهرت بأنني أتيت لزيارته. ثم ذهبت الي منزل المسؤول قبل أن آتي وأطرق باب منزل صديقي الذي لم تكن له أي علاقة بالسياسة، ناهيك عن الاسلاميين، فكان أول ما ابتدرني به قوله: هل جئت لزيارة فلان؟وفي فترة لاحقة كنت أعتقد أنني انفرد ـ بحسب علاقاتي واتصالاتي ـ بمعرفة خفايا بعض الأمور التي لا يعلمها حتي كثير من المسؤولين، مثل الصراع الداخلي في قيادة التنظيم، الي أن التقيت دبلوماسياً غربياً في الخرطوم، فقال لي: هل سمعت بأن الترابي خسر التصويت في القضية الفلانية في مجلس الشوري بكذا من الأصوات؟ هذا مع العلم بأن غالبية أنصار الحكومة لم يكن لهم حتي مجرد علم بوجود هذا المجلس، ناهيك عما يتخذ في داخله من قرارات. فتظاهرت بألا علم لي بالموضوع، قائلاً لعل هذه مجرد اشاعة. وعلي كل فان هذه الظاهرة لا تحتاج لعلم ببواطن الأمور، لأن ظاهرة ما يعرف بـ دولة الثقب الأسود التي تحدثنا عنها في تقرير التنمية الانسانية العربية عام 2005 هي ظاهرة سياسية معروفة كنتيجة حتمية لقيام أي دولة شمولية. وهذا ماحدث بقيام الدولة البلشفية في روسيا تحت ستالين، حيث صفي كل أعضاء اللجنة المركزية في الحزب الشيوعي الذي كان من المفترض فيه أن يكون حاكماً. فالدولة الشمولية بطبيعتها دولة بوليسية، لأنها تحكم الناس بالقهر، ومن يمسك بأدوات القهر يصبح هو الحاكم، حتي لو كان كافور الاخشيدي. ولكننا نوافق أمين ـ ونخالف التجاني ـ في أن الجهاز الأمني لا يستقل بنفسه عن السوبر تنظيم، بل هو جزء منه. وليس هناك ما يمنع من استهداف الأجهزة الأمنية نفسها وقادتها، كما فعل ستالين مع بيريا، وكما حدث في السودان عقب الأزمة مع اثيوبيا عام 1995 حيث تمت التضحية بقادة الاجهزة الأمنية. والسوبرتنظيم يمكن أن ينقلب حتي علي قيادته، كما حدث مع خروتشوف في روسيا وما سمي بـ عصابة الأربعة في الصين بعد ماو وأيضاً مع الترابي، وكما يمكن أن يحدث في السودان ـ أو أي مكان آخر ـ في أي وقت تتضارب فيه مصالح الفئة الضيقة الحاكمة. لأن تركيز السلطة في جهاز معزول عن المجتمع يجعل من السهل ابعاد أي قيادي دون أن يشعر بذلك أحد.المسألة اذن ليست تحاسد المثقفين ورجال الأمن كما يري أمين، وانما هي أزمة هيكلية مؤسسية بدأت بخلق السوبر تنظيم (بأجنحته الأمنية والعسكرية والمالية)، ثم قرار انشاء الدولة الشمولية، وهي بطبيعتها مؤامرة مستمرة ضد الشعب، تضع نفسها في حالة حرب مستمرة مع المجتمع تتخذ فيها الأجهزة الأمنية المواقع الأمامية. ولكن المثقفاتية والاعلاميين وغيرهم يقومون أيضاً كل بدوره في هذه الحرب اذا ارتضوا ذلك. ولكن الحقيقة الذي أثبتها التاريخ منذ أيام بني أمية الي اليوم أن هذه الحرب هي دائماً حرب خاسرة.9