الولايات المتحدة فتنة الوهم وتوازن النقائض: انطباعات شخصية (2 من 4)

حجم الخط
0

الولايات المتحدة فتنة الوهم وتوازن النقائض: انطباعات شخصية (2 من 4)

محمد الشامي ضيع شغل العمر وهرّب زوجته السورية عبر المكسيك في قالب من الجص.. بعد عام طلّقتهصحف عربية بائسة ومقدم برامج للجالية اصبح تاجر استيراد للمواد الصينية.. وقصص عن تناول عرب مخدراتالولايات المتحدة فتنة الوهم وتوازن النقائض: انطباعات شخصية (2 من 4)بسام الكعبي ـ في ساحة الجامع فوجئت عندما قال احد معارفي السابقين انه فرح بسقوط النظام العلماني في العراق شارحاً: موقفي واضح ضد الاحتلال الامريكي وضد استمرار النظام العلماني في السلطة بقيادة صدام حسين ليس لأنه طاغية بل لأنه نظام كافر، أعتقد أن الاحتلال الامريكي مهّد الطريق لانطلاق مقاومة إسلامية سوف تنتصر عاجلاً أم آجلاً ! .قسوة الاقامة في حي آخر للسود يدعي تلال شيكاغو مجاور لحي هارفي افتتح الشاب عمرو حسن من قضاء رام الله، بقالة صغيرة لا تتجاوز مبيعاتها اليومية 500 دولار، ولولا مثابرة عمرو وقدرته علي انتزاع أعمال أخري بتجارة السيارات المستعملة لما تمكن من الصمود في شيكاغو مع زوجة وثلاث بنات صغيرات. وعمرو القادم من البرازيل الي الولايات المتحدة اكتسب في امريكا اللاتينية تجربة متميزة جعلته يكافح بشدة لتوفير احتياجات أسرته.يعمل في بقالة عمرو رجل يتجاوز الستين من العمر يدعي أبو ماضي ، تضامن معه عندما علم أنه جمع ثروة طائلة أثناء عمله مديراً لأحد البنوك في الخليج العربي، ثم غادرها إلي الاردن والولايات المتحدة.. خسر جزءاً من ثروته أثناء البحث عن مشروع استثماري وطار الجزء الأكبر في مضاربات البورصة وفقد ما تبقي معه من مال عندما أنهي صاحب المحل الصغير في حي للسود التعاقد السنوي معه فحمل بقايا بضاعته إلي محل عمرو، أخذت بالتلف سريعاً مع انتهاء فترة صلاحيتها.ومنذ عشر سنوات يعيش أبو ماضي عالقاً دون أوراق رسمية في شيكاغو، قال الرجل بملامح هادئة: عندما ينهي آخر أبنائي دراسته الجامعية سأعود إلي الاردن، هنا الحياة قاسية وخاصة لمن هم في سني، حاولت كل الطرق للحصول علي بطاقة إقامة بما فيها عقد زواج شكلي مع أمريكية، ولكن دون فائدة، لقد ضيّعت في مشروعات استثمارية وهمية أكثر من ربع مليون دولار هي ثروة العمر وكدت أخسر حياتي عندما تعرض محلي للسطو المسلح ولولا رحمة الخالق لكنت في عداد الموتي.يسكن أبو ماضي في شقة متواضعة تتجاوز أجرتها الشهرية نحو 800 دولار يتقاسمها مع اثنين من معارفه: ماجد أستاذ جامعي من الأردن يعمل بوظيفة جزئية في إحدي جامعات شيكاغو وينتظر حصوله علي الجنسية الامريكية للعودة إلي الأردن، وخليل مهندس أنهي دراسته العليا في الهندسة من جامعات ايطاليا ويعمل سائقاً علي سيارة أجرة.. وبالكاد يستطيع الثلاثة توفير احتياجاتهم الشخصية وتسديد التزاماتهم المالية تجاه ذويهم في فلسطين والأردن.سوبر ماركت عمروفي موقع بين حي هارفي وتلال شيكاغو وعلي مقربة من محل عمرو، يقع سوبر ماركت جواد أبوزر (49سنة) في حي للسود أيضاً والمحل واسع نسبياً يعمل فيه اثنان من رام الله وثلاثة من أبناء الحي.أخبرنا جواد أنه ليس قلقاً علي حياته بين السود بل يشعر بالأمن بينهم، وهو علي صداقة مع معظم الزبائن، اعترف أن محله تعرض لسرقات ليلية دون أن تشكل خطراً عليه، وهو يعمل منذ سنوات طويلة في المحل منذ الصباح حتي المساء، وقال أنه يغلق المحل مع هبوط المساء لان الليل يشكل مصدرا للقلق في هذا الحي.يسكن أبوزر في حي ثري بضواحي شيكاغو، ويعيش مرتاحاً مع أفراد أسرته: خمسة أبناء أكبرهم طالبة جامعية، ووصل إلي الولايات المتحدة نهاية السبعينات والتحق بالعمل مع أشقائه، ثم فتح محلاً لحسابه، وعائلة أبوزر، التي تنحدر من مدينة اللد، معروفة علي نطاق واسع في الوسط العربي بضواحي شيكاغو، وتمكنت من احراز نجاح اقتصادي جيد.الشقيق الأكبر عادل وصل الولايات المتحدة في مطلع الستينات، وتمكن سبعة من أشقائه الالتحاق به تدريجياًَ، وعلي مدار سنوات طويلة استطاع معظم الأشقاء شق طرقهم بأنفسهم والنجاح بأعمالهم التجارية.أصر جواد علي مرافقته يوم عطلته بجولة في منطقة نفي بيير السياحية، انطلقنا معاً عند الظهيرة، كان الجو ملتهباً فيما كان السوق في قلب شيكاغو يمتليء بالزوار، علي رصيف مجاور حجزنا بطاقتين للصعود علي ظهر مركب سريع اقتحم بحيرة ميتشيغان، انطلق المركب بسرعة كبيرة، دب الرعب في قلوبنا، وعلي مسافة بعيدة في البحيرة توقف قبالة المباني الشاهقة التي تحتل قلب شيكاغو، أشارت مرشدة المركب إلي العديد من البنايات، وتوقفت إشارة يدها مطولاً باتجاه برج سيرز تاور شاهق الارتفاع قائلة: هناك تنتج اوبرا وينفري أميرة الاعلام، برنامجها التلفزيوني الشهير الذي يحمل اسمها وحولها إلي نجمة تلفزيونية لامعة تصعب منافستها .اوبرا التي احتفلت مؤخراً بعيد ميلادها الثاني والخمسين تتربع علي ثروة قدرها مليار دولار، أعادت تدوين وصيتها مجدداً بعد نجاتها من حادث تحطم طائرة هوت بها علي جزيرة في المحيط الهادي، منحت الحصة الأكبر لمحتاجي العلاج والتعليم وخاصة الأطفال في العالم ولمؤسسة اوبرا وينفري من أجل توفير البعثات التعليمية ودعم المدارس في أفغانستان وافريقيا ومشروع قطار الأنفاق في الولايات المتحدة ومركز أبحاث الايدز في جنوب افريقيا، وأوصت بمليون دولار سنويا لصديقتها منذ ثلاثين عاماً غايل كينغ كاشفة أسرار عمق الصداقات الحقيقية التي تشعل القلب حباً وتؤجج العواطف الانسانية وتطلق العنان للروح للبوح والتعري دون خوف أو حواجز: بسبب صداقتي للعزيزة غايل لم أمرض ولم أتلق علاجاً طوال حياتي . لم تمنح اوبرا بنساً واحداً لصديقها ستيدمان غراهام الذي عاشت معه أطول سنوات عمرها بل أجملها كما تعترف وخرج صفر اليدين: انه رجل أعمال ناجح ويمتلك مالا وفيراً وهو ليس بحاجة لثروتي .خصصت اوبرا خمسة ملايين دولار سنوياً لكلابها الخمسة: صوفي، سلمون، لوك، ليلي وغريسي لضمان استمرارية حياتهم المترفة بعد موتها، بالتأكيد يصعب تفسير هذا السلوك لكنه نمط شائع بين معظم الأثرياء تفرضه ثقافة متعالية تجاه الفقراء والمحتاجين وإدعاء بعطف مزيف تجاه الحيوانات الأليفة منها والمتوحشة حتي أن بعضهم أقام جمعيات الرفق بالحيوان وليس الانسان!!ومع حقها المطلق بكيفية التصرف بثروتها التي حصدتها بصعود نجوميتها الفردية بعيداً عن نهب المال العام، أثارت اوبرا الاهتمام بخطواتها الجادة من أجل تخفيف آلام أطفال محتاجين ومرضي علي هذا الكوكب الذي يفترسه الجوع بفعل جشاعة ووحشية بعض أسياده الذين يقبضون مجتمعين علي معظم ثروات الأرض.أحد الزملاء الصحافيين الظرفاء أجري مقارنة خاطفة بين اوبرا وبعض أثرياء العرب الذين احتلوا أعلي القائمة بين أغنياء العالم القلائل: ثلاثة رجال يمتلكون أكثر من ستين مليار دولار نهبوها من ثروات بلادهم بفعل سلطتهم المطلقة ولم يقدموا شيئاً يذكر لشعوبهم وامرأة واحدة جمعت ثروتها بفعل موهبتها الفذة قدمتها كلها لمن ترغب وتحب بما في ذلك كلابها الخمسة، لَيت أثرياء العرب يتعلمون درساً من أوبرا كيف تعامل كلابها المدللة ؟!غطت وسائل الاعلام بشكل لافت اهتمامها بضحايا إعصار كاترينا في ولاية لويزيانا في الجنوب الامريكي علي نهر المسيسبي مسقط رأسها، وأطلقت حملة لاغاثة منكوبي مدينة نيو اورليانز المدمرة والغارقة تحت الماء، وتبرعت بعشرة ملايين دولار لبناء مساكن للمشردين.. هذه اوبرا وينفري التي تشكل علامة فارقة في الاستثناء الطبقي والنجمة السوداء الرائعة، تطل علينا كل مساء عبر برنامجها التلفزيوني المنوّع والمثير وواسع الانتشار لتهمس لنا سراً أن القيم الانسانية ليست حكراً علي لون أو طائفة أو قومية بل تتجاوز قامتها الزاحفة نحو السماء كل هويات الأرض.سيزر تاورغادرنا مركبنا في بحيرة ميتشيغان واقتربنا من برج سيرز تاور الذي تحتل طوابقه العليا استوديوهات اوبرا، قضينا بجواره سحابة نهار ممتع، وتذكر جواد زيارته للمكان الحيوي علي امتداد السنوات الطويلة التي قضاها في شيكاغو: نفي بيير مكان رائع يستحق زيارة واحدة أسبوعياً خلال أشهر الصيف قال جواد مبتمساً.. عدنا مساء إلي منزله وأكملنا سهرة ودية مع لفيف من الأصدقاء المغتربين الذين أفاضوا بقصص فشلهم ونجاحهم لدي مغادرتهم الأوطان منذ سنوات طويلة خلت.وفي حي للسود يعمل محمد الشامي في بقالة يمتلكها شاب فلسطيني، مجاورة لمحل أبو زر، وعلي مدار عشرين عاماً من العمل المتواصل تمكن محمد من جمع مبلغ متواضع، سافر به إلي سورية واحتفل بخطوبته ثم عاد إلي عمله، وخلال ثلاث سنوات طرق كل الأبواب من اجل ضمان وصول خطيبته إليه، وعندما شارف علي الفشل الذريع لمعت في دماغه فكرة تهريبها عبر امريكا اللاتينية. نقل خطيبته من سورية ثم اخترق بها عدة دول، وعند حدود المكسيك أدخلها إلي مستشفي وصلبها في قالب من الجصّ، وأكمل إلي حدود امريكا مدعياً تعرضهما لحادث سير كاد يقضي عليهما، تعاطف الضابط المسؤول مع المرأة المصلوبة في قالب جصي من رأسها حتي أخمص قدميها وسمح لها بالعبور.لم يمض علي وجودها أكثر من عام حتي طلبت الطلاق، ونجحت قانونيا بالحصول علي البيت، ثم تزوجت من آخر في بيت طليقها محتفظة بطفلها الصغير الذي يري والده مرة واحدة أسبوعياً.ويعيش محمد الشامي في محنة حقيقية موزعاً بين بيته الذي فقده وماله الذي هدره وزوجته التي طارت منه برفقة ابنه الصغير.. تراكم عليه المرض، بدا هرماً وبات يهدد بالانتقام حلاً للظلم الذي يدعيه.مرقص وحيد المحلات في هارفي تغلق جميعها ليلاً، ويأوي الفقراء إلي غرف نومهم، ويبقي مرقص وحيد يستقبل زبائن آخر الليل. مجدي حسين (42 عاماً) الذي غادر الشام فتي صغيراً، ويعمل بحي هارفي في بقالة لمواطن أردني، اعترف أنه زار المرقص مرة واحدة وظل المشهد في ذاكرته كما وصفه لنا: مدخل ضيق ومعتم تسقط إنارته من الأعلي، وعلي البوابة الحديدية الصغيرة تقف بائعة التذاكر يساعدها رجل حراسة وأمن، لا يتعدي رسم الدخول عشرة دولارات لمشاهدة نساء من مختلف الأعمار والألوان والجنسيات يؤدين رقصات علي مسرح خشبي.قال مجدي أن المكان متواضع جداً، ولهذا تكلفته المالية محدودة في حين أن هناك مراقص للأثرياء تفرض رسوماً باهظة للدخول.تجنبنا المكان واتجهنا معاً إلي حي جولييت حيث يقع في طرفه البعيد ما يطلق عليه اسم ال بوت وهو كازينو قمار: مبني ضخم جداً علي شكل سفينة يوفر خدمات المقامرة عبر الماكنات الصغيرة المنتشرة بكثافة وطاولات لعب الورق التي تديرها نساء محترفات.المكان واسع جداً وهاديء، يتطلب الدخول إليه رسماً مالياً قليلاً علي أن يتجاوز الزبون سن الثامنة عشرة.. هبطنا سلماً من الدرجات المكسوة بموكيت فاخر، وعلي امتداد مساحة شاسعة انتشرت آلاف ماكينات الحظ الصغيرة، الضربة الواحدة في بعض الماكينات قد تكلف دولارا وأخري قد تكلف عشرة دولارات. وظيفة الزبون إطعام الماكينة الأوراق المالية في مكان خاص بها لتبتلعها وتحولها الي رصيد رقمي علي شاشتها، ومع كل ضربة حظ يرتفع الرصيد ثم يتراجع، وفي نهاية ضربات لا تتجاوز العشرين تكون الماكينة قد أجهزت علي الرصيد.أجهزة مبرمجة بشكل لافت ومثير يستحيل معها أن يربح المقامر شيئاً، ومع ذلك جرب صديق حظه خسر عشرة دولارات بثانية واحدة وتوقف فورا.. ولحسن حظنا أن لا أحد من الرفقاء مدمن علي ألعاب ماكينات القمار المبرمجة التي تمسح جيوب المدمنين.المدمنونكان المدمنون الامريكيون يجلسون ساعات طويلة علي طاولات لعب خاصة: بلاك جاك ويفرغ معظمهم جيوبه في لعبة الورق الخطيرة، فيما كان آخرون يجلسون طويلاً خلف الماكينات متمتعين بوحدة قاتلة، تشتعل السجائر بين أصابعهم وتصلهم قهوتهم بانتظام توفرها عاملات يرتدين زياً موحداً علي مدار الساعة.. تأملتُ المكان جيداً كان آمناً ومنظماً ونظيفاً وواسعاً لكن ألعابه المُغامِرة لا تروق لي، تذكرتُ فوراً الراحل الشاعر الكبير عبد اللطيف عقل أستاذ مادة الفلسفة في مدرسة الجاحظ الثانوية بنابلس مُحذراً بشدة من فتك القمار ونقمة المخدرات، صَعَدت كلماته التربوية القيّمة إلي ذاكرتي كأني أسمعها الآن وليس قبل ثلاثين عاماً.. يا إلهي كم تصمد التعاليم التربوية الأخلاقية عندما يشعل فتيلها مُعلم نموذجي في ذاكرة طلابه..لك المجد يا أبا الطيّب في السماء فلم تزل روحك الطاهرة تُزهر قيماً لطلابك علي الأرض.قبيل زحف الليل غادرنا الـ بوت عائدين إلي المنزل بعد تجربة يتيمة تعيد للذاكرة لقطات مصورة للأفلام الامريكية التي تدور بعض مشاهدها في كازينوهات لاس فيغاس التي تعتبر المدينة العالمية الأعرق في ألعاب القمار المبرمجة.في كتابه المثير الرهان السيء يكشف الباحث الامريكي اوبراين أن كل أمريكي مقامر حتي يثبت العكس، وتضمن الكتاب الذي جاء في (350) صفحة حقائق مذهلة عن اقتصاد الكازينو وكيف تحول الامريكي الي مقامر مدمن في كازينو كبير، ويوضح الكاتب ان ألعاب القمار تشمل كل أنواع الرهان من اللوتري وسباق الخيل والملاكمة والعاب الكرة وصولاً الي البنغو والعاب الكازينو وسوق الأسهم، وجاء في كتابه أن المقامرة أكثر شعبية من البيسبول والسينما وديزني لاند مجتمعة، وقدر حجم المبالغ التي تعامل بها المقامرون عام 1996 بنحو 586 مليارا وخسر المقامرون اكثر من 47 مليارا (راجع مقالة الرهان الخاسر، مجلة العربي، عدد 485، نيسان/ابريل 1999).لغة شاهقة!انشغلت أسرة مضيفنا منذ صباح الجمعة، وهو اليوم الثالث علي وصولنا الي شيكاغو، بالاستعداد لصلاة الظهر، توجهنا معاً الي جامع اوكلون المجاور لمنزلهم، تناولت ثلاث صحف عربية من المدخل الرئيسي للجامع، حملت نسخة من كل واحدة واستعرضتها سريعاً قبل أن يشرع الإمام جمال في خطبة الجمعة.ركز الشيخ في خطبته علي التضامن والمحبة وعالج كيفية حل نزاعات العمل المتزايدة بين الأقرباء والأنسباء وأسهب في الحديث عن التسامح والأخلاق، كانت لغته العربية متماسكة ولكنها فوق طاقة الاستيعاب لشبان صغار ولدوا في الولايات المتحدة وتستعصي عليهم اللغة الفصحي، كان معظم المصلين من الجالية الفلسطينية التي تسكن علي مقربة من الجامع ومن الفئات الشابة الصغيرة.وقبل إشارة الشيخ لاقامة الصلاة أعلن عن ضرورة تبرع العائلات لاستضافة ذوي أطفال عراقيين مصابين سيصلون الي مستشفيات شيكاغو لاجراء عمليات جراحية لهم، وأوضح أن التبرع ينطوي علي استعداد بتوفير المسكن أو المال أو الترجمة أو خدمات التنقل بالسيارة، وقرأ الشيخ اعلانات عديدة عن مناسبات أفراح وأتراح وغيرها، شعرت بقيمة إعلانه بشأن استضافة ذوي الأطفال العراقيين الجرحي، تري هل تتمكن الأسر الفلسطينية والعربية في اوكلون التي تعيش في منازل منفردة ومتوسطة الحال وبدخل مالي معقول تحت ضغط غلاء متزايد من توفير الاحتياجات اللازمة لأطفال العراق ؟في ساحة الجامع انتشر الباعة. عرضوا صناديق الخضار والفواكه في سياراتهم بطابع من التكتم لأن القانون يحظر هذا النوع من المبيعات في غياب أسواق شرعية ومواد غذائية غير خاضعة للرقابة.علي مقربة من احدي سيارات الباعة التقيت صدفة أحد المعارف وهو صاحب مكتبة، عرفني علي أحد أقربائه المقيمين منذ زمن في ضاحية اوكلون ، سألني عن الأحوال في الضفة والقطاع، وفتحنا نقاشاً سريعاً في شتي الموضوعات، فوجئت عندما أعلن فرحه بسقوط النظام العلماني في العراق شارحاً: موقفي واضح ضد الاحتلال الامريكي وضد استمرار النظام العلماني في السلطة بقيادة صدام حسين ليس لأنه طاغية بل لأنه نظام كافر، أعتقد أن الاحتلال الامريكي مهّد الطريق لانطلاق مقاومة إسلامية سوف تنتصر عاجلاً أم آجلاً .لم يكن علي استعداد لكي يسمع وجهة نظري في تحليلاته المبنية علي أساس تقسيم العالم بين مؤمن وكافر، حاولت جاهداً توضيح رؤيتي من زاوية أخري ولكنه تجاهلني.. حمل صندوقاً من الخضار والفواكه وغادر إلي سيارته.في ساحة جامع اوكلون احتشد بعد الصلاة الكثير من الفتيان والفتيات يتبادلون الحوار باللغة الانجليزية، كيف يمكن لهم استيعاب لغة فصحي تتضمن المفاهيم الدينية وتشرح المسلكيات الاخلاقية للمسلم.لاحظت خوف الآباء علي ابنائهم والامهات علي بناتهم من انحراف سلوكهم.. لذلك يلجأون الي الجامع، كمؤسسة دينية، لمساعدتهم في الحفاظ علي تربية الأبناء وضمان عدم انحرافهم في مجتمع مفتوح لا يرحم، يسهل سقوط الفرد فيه إذا زل قدمه في طريق خاطئة. قصص عن تسرب الاطفال العربيتداول الفلسطينيون والعرب في أحياء شيكاغو قصصاً محدودة عن تسرب الأبناء والبنات من المدارس والجامعات وتدخين الماريغوانا وتناول الكحول وزواج بعض الشابات العربيات من امريكيين وتزايد نسبة الطلاق، وحكايات منتشرة أشبه بالشائعات يصعب توثيقها والتأكد من دقتها، ولكن طريقة روايتها تبرر إحكام قبضة الوالدين علي سلوك الأبناء ومراقبتهم بدقة وحثهم علي تأدية واجباتهم الدينية بشكل منتظم حماية لهم من مجتمع فاسد و كافر . وفي تكرار التوصيف لأخلاقيات المجتمع الامريكي بصورة عامة دون ادراك عميق لفهم أسباب تشكلها يكمن المأزق الحقيقي للجالية العربية والاسلامية بمقاومة امكانية الاندماج النسبي ومواجهة صيغ مقبولة للتعايش تفرضها ظروف الهجرة والتعاطي مع المؤسسة التعليمية والاجتماعية والاقتصادية القائمة.ماذا لو قررت الحكومة الامريكية التجنيد الاجباري للخدمة العسكرية في العراق كما فعلت في الستينات عندما كانت بمواجهة مسلحة مع ثورة فييتنام ؟ بلا تردد ربما يغادر أرباب الأسر العربية الولايات المتحدة علي الفور.ليس سهلاً أن يوافق العربي علي الخدمة في جيش يحتل العراق، ومع ذلك هناك مَنْ يستجيب لاعلانات صحفية تطلب مترجمين عرباً للجيش الامريكي برواتب سنوية تتجاوز 150 ألف دولار، وتنشر هذه الاعلانات مدفوعة الأجر في صحف الجاليات العربية.صحف بائسة حملت معي في طريق العودة الي البيت الصحف العربية: الميزان، الأفق العربي، المستقبل ورابعة دعائية تدعي الوسط. والصحف الثلاث تمتلكها الجالية الفلسطينية، أفضلها مهنياً صحيفة الميزان لكنها لا تمتلك حرفية في صياغة العناوين الصحافية ويغيب عنها الكادر الفني القادر علي إخراج صحيفة متقنة، تعتمد علي شبكة جيدة من المراسلين في امريكا وخارجها وتطبع في العاصمة واشنطن مرة كل اسبوعين، وهي تصدر عن جمعيات خيرية اسلامية وتوزع في معظم ولايات الوسط والشرق. وتفتقر صحيفتا الأفق العربي و المستقبل لأية مهنية وتعتمدان علي الانترنت في التقارير والأخبار، وهما أقرب إلي صحف اعلانات ولكن بطبعة فنية رديئة، والمفارقة أن بعض أعدادها صدر دون تاريخ.في حي تنلي براك وفي لقاء تعارف سريع بمنزل الصحافي المخضرم تيسير ابو سمية، اعترف بسوء حال الصحافة العربية مؤكداً أن همّها الوحيد هو الاعلان التجاري فقط وتنقصها الخبرات المهنية والتمويل، وكشف عن رغبته في إصدار مجلة شهرية حال توفر التمويل اللازم.غادر أبو سمية عمله الصحافي منذ سنوات عديدة، فقد كان يقدم برنامجاً تلفزيونياً أسبوعيا لجمهور الجالية العربية، والتحق في مجال التجارة واستيراد البضائع الصينية التي يتزايد عليها الطلب في أسواق الولايات المتحدة.صحف الجالية الفلسطينية ذكرتني بالصحف المقدسية: عندما التحقت بكلية الاعلام في جامعة بغداد اعترض والدي علي التخصص بحكم ادراكه أن فرص مهنة الصحافة محدودة في العالم العربي ناهيك عن دخلها المالي المتدني، كانت رغبته بدراسة أي تخصص يؤهلني للعمل مدرساً في الخليج، لكني أفسدت رغبته دون قصد. بعد تخرجي الجامعي مطلع الثمانينات ودخولي عتبة المهنة في القدس، أدركت أنه كان محقا باعتراضه علي العمل في الصحافة: بدأت محرراً في صحيفة الشعب المقدسية براتب من المخجل ذكره، منذ اليوم الأول تبين أن أقلام الحبر وأوراق الكتابة شبه معدومة، كان الزملاء يحررون أخبار وكالات الأنباء بما تيّسر لديهم من ورق محدود وأقلام حبر بائسة. بدأت بكتابة زاوية يومية لم يكد يصبح صدورها منتظما حتي اشترط صاحب الجريدة عدم توقيع اسمي عليها، اعترضت مستغرباً: ولكن هذه زاوية تحمل رأي كاتبها وليست افتتاحية تحمل وجهة نظر الجريدة.. أجاب بـ مهنية لامعة: لدينا أعمدة صحافية عديدة دون أن يمهرها أصحابها بتوقيعها. إذاً اعتبرني منذ هذه اللحظة مستقيلاً. لم يكن قد مضي علي وظيفتي أكثر من ثلاثة أشهر. التحقت محررا لمدة ثلاث سنوات في صحيفة الفجر كانت بدايات انطلاقتها المهنية الأولي مثار اهتمام الشارع الفلسطيني لمواقفها الوطنية، ومع مرور الوقت أخذ وضعها المهني يتردي، وأصبحت في حالة يرثي لها قبل إعلان موتها الرسمي بسنوات عدة.. كانت أخطاء التحرير الصحافي فادحة، تراجع مستواها التقني حتي باتت أعدادها تتكدس مجاناً في الجامعات المحلية دون أن يتناولها أحد.. مَنْ يصدق أن الجريدة الوطنية التي كانت محط اهتمام الأهالي في منتصف السبعينات عاشت أقل من عشرين عاما ورحلت بصمت قاتل هزيلة باهتة دون تشييع. ہ باحث وصحافي فلسطيني7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية