جيل من الشعراء اللبنانيين يتقدم الي الضوء بحساسية جديدة: أصوات شابة تصنع نبرتها من دون قطيعة مفتعلة وتجد في الشعر مشروعا شخصيا
ناظم السيدجيل من الشعراء اللبنانيين يتقدم الي الضوء بحساسية جديدة: أصوات شابة تصنع نبرتها من دون قطيعة مفتعلة وتجد في الشعر مشروعا شخصيابيروت ـ القدس العربي جيل شعري جديد يتكوّن في لبنان. يتقدّم الي الضوء بحساسية جديدة حيناً ومتقاطعة مع أجيال سبقته. شبّان وشابات يكتبون الشعر بإيمان لا يبرّره إلا الشعر. بعضهم نشر مجموعة واحدة أمثال فيديل سبيتي تفاحة نيوتن ، محمد بركات الأرض في مكانها ولوركا سبيتي أنتَ لي الآن تحررْ . بعضهم نشر مجموعتين أمثال غسان جواد وأنتِ ظلي و تمرين علي الاختفاء الذي يعتبره الشاعر ديوانه الأول ونادين سلامة انخطاف و جسد يتعانق ، وبعضهم ينتظر قريباً صدور مجموعته الأولي مثل رامي الأمين نسبة الدم في الكحول . بعض هؤلاء عاد الي الفكرة واللغة والموضوع. آخرون ورثوا القصيدة اليومية. لكن هؤلاء وأولئك يملكون نبرتهم ويسعون الي التأسيس لجملة خاصة تدلُّ عليهم. يتقاطعون في ما بينهم. لا يتقاطعون. الشيء الوحيد الثابت أنهم نشروا كتبهم في وقت متزامن بعد عام 2000. وبهذا المعني فإن كلمة جيل ليست أكثر من مصطلح زمني لا نقدي كما وصفتها في تحقيق كتبته قبل سنتين في صحيفة السفير . لهذا لن يعدو ما ورد أكثر من تقديم لتحقيق صحافي وليس تعريفاً بجيل أو تحديداً مبكراً لملامحه. وعليه، تركت لمن شملهم التحقيق الإجابة عن أنفسهم بأنفسهم من خلال خمسة أسئلة أوردها هنا مع تثبيت الإجابات عنها بالترتيب، أسئلة تحاول تقريب هذا الجيل الي القارئ وليس اختزاله بأسئلة لا بدّ أن تكون قاصرة:1 ـ هل تشعر بنفسك شاعراً؟ وكيف تنظر الي شعرك وأين تصنّفه؟ 2 ـ كيف تصف علاقتك بالأجيال التي سبقتك؟ 3 ـ هل تجد أن هناك تقاطعات بين نصّك ونصوص مجايليك؟ 4 ـ هل تفكر في مشروع شعري؟ 5 ـ كيف تنظر الي الشعر مقارنة بالفنون الأخري وعلي ضوء حضوره العام في الحياة؟من نافل التقديم أيضاً أن الأسماء التي شملها التحقيق لا تمثّل جيل بداية الألفية الثالثة كاملاً. إنها نماذج متنوعة فحسب. لهذا من الجيد ذكر أسماء أخري تحضر هنا كما تحضر أسماء التحقيق، ومن هؤلاء زكي بيضون، مازن معروف، نادين الأسعد، سامح كعوش، سمعان خوّام، علي زراقط، عادل نصّار، زينب عسّاف، بانة بيضون وآخرون. غسان جواد: خيار شخصيفي مواجهة العالم1 ـ نعم أعتقد أنني شاعر، ربما هذا ما يجعلني أكتب الشعر في الأساس. أنظر الي ما أكتبه حالياً بشيء من الرضا والإعجاب، مع أنني أحاول أن أخفي هذا الإعجاب. أفرح لكثيرٍ من الآراء التي اعتبرت أن شعري جيد وجديد. أذكر علي سبيل المثال ما قاله وكتبه الناقد والشاعر عهد فاضل عن كتابي تمرين علي الاختفاء ، إذ اعتبر أن هذه المجموعة قد ختمت قلق وتردّد التسعينات في التجربة الحديثة، وأنها تفتتح تجربة الألفية الثالثة. كلام من هذا الطراز يفرحني ويدفعني الي التورط أكثر في التجربة الشعرية. أما أين أصنّف شعري فهذا ما يتضح ربما في أجوبتي السابقة.2 ـ أعتقد أنني قرأتهم جيداً، وأنهم كانوا من دوافع كتابتي للشعر. أحفظ نصوصاً كاملة لشعراء سبقوني وأعتقد أنها ميزة فريدة. أحب قصائد لكل من أولئك الشعراء، وأعتقد أنني تواصلت معها في كتابتي بشكل أو بآخر. بول شاوول علي رأس القائمة. وكذلك عباس بيضون ووديع سعادة وبسام حجار. علاقتي الشعرية بهم فيها شيء من الإعجاب وشيء من التحدي والمنافسة.3 ـ هنالك تقاطعات بين تجربتي وتجربة ناظم السيد، والسبب يعود ربما الي العلاقة الطويلة التي تربطنا معاً، فنحن أصدقاء منذ عشرين عاماً ونلتقي بشكل شبه يومي، وذائقتنا الشعرية متقاربة نوعاً ما. بهذا المعني أعتقد أننا تقاطعنا في كتابات معينة، بالرغم من الاختلاف الكبير في البنية بين جملتينا الشعريتين. أما بقية أبناء جيلي بالمعني الزمني فلا أري الكثير من التقاطعات أو الهموم المشتركة. ومع ذلك أحب غالبية تلك التجارب وعلي رأسها تلك التي لا تشبهني أو أشبهها بشيء. فيديل سبيتي نموذجي لتفسير ما أرغب أن أقوله في هذه الفكرة.4 ـ نعم أفكر في مشروع شعري إنما في إطار جماعي، بمعني أنني لا أستطيع أن أكوّن مشروعاً شعرياً بمفردي وبمعزل عن المناخ الأدبي والشعري الآن. مشروعي الشعري هو جزء من استعداد المجتمع والناس والمثقفين، جزء من حراكهم. أما إذا كان المقصود احتراف الشعر ومتابعة الكتابة فهذا ما نتركه للمستقبل.5 ـ أصبح للشعر منافسون كثر، لكنه لم يفقد جاذبيته، علي الرغم من هشاشته وضعفه. مؤكد أن جمهور الشعر الحديث الذي نكتبه قليل، لكنه مثابر ومثقف ودقيق. الشعر في هذا المعني خيار شخصي في مواجهة العالم.فيديل سبيتي: ألا أشبه إلا أنا1 ـ نعم أشعرني شاعراً بمعني تعبيري عن نفسي بواسطة الشعر، هذا إذا ما افترضنا أن كتابة الشعر هي بالدرجة الأولي تعبير عما يختلج في نفس كاتب القصائد، ذلك الذي وجد في الشعر وسيلة للإجابة عن أسئلته الأبدية، أو لنقل وسيلة للشعور بأن الإجابة حاضرة عنده، أو لنقل وسيلة للتوهم أنه يملك إجابة عما يؤرّقه أو يثير حشريته أو يدفعه الي التساؤل أو يجعله كائناً خاصاً ومفرداً أو يضيف علي نفسه ألماً وفرحاً وضجراً وحباً…. في هذه الحالة، أي البحث عن الإجابة يمكنني القول إنني شاعر، فأسئلتي تدخل الي صلب الأشياء وأسباب وجودها، وأسباب صناعتها علي هذه الحال أو تلك، أسئلة في معني الحياة نفسها، حياتي أنا أو حياة الآخرين، أو في معني وجود الحياة نفسها، أي الوقت والمكان والفعل الذي أقوم به ليجعلهما حقيقيين أو علي حقيقتهما كما أراهما. في سبيلي الي إيجاد تلك الإجابات، أو في سبيلي طارحاً الأسئلة وباحثاً عن الإجابات عليها، في هذا السبيل أكتب شعراً. أقول ما أريد قوله في خلاصات الأسئلة وفي غياب ما يجيب عليها، بالشعر. أستخدمه وسيلة لقول ما لا أتمكن من قوله مشافهة أو كتابة في نص نثري خالص يعبر عما أشعر به. ولذا لم أكتب الرواية بعد، ولو أن حماستي لخوض تجربة كتابتها ما زالت تقمع الشاعر فيّ وتمنع بروزه بروزاً تاماً. هذا الوقوف بين الرواية والقصيدة الذي يجعل كلتيهما أقل تجلياً مما يجب. سقوطي الدائم في هاوية قول الفكرة بغير ما هي عليه فعلاً. اندفاعي نحو إعادة تركيب الصورة وجعلها علي الحال التي تطلبها مخيلتي لا علي واقعية تلك الصورة. شغفي الجميل بإنسانيتي وبكوني كائناً مطلقاً. شبه حياتي التي أعيشها ليلاً بين حانات بيروت التي تعج بالأصدقاء الذين يشبهونني. هذا كله وغيره أمور تدفعني الي الشعور بشاعريتي حتي لو لم أكتب الشعر بعد مجموعتي الأولي تفاحة نيوتن ، ففي هذه الآونة أشعر أن عدم قدرتي علي كتابة الشعر أو أن عدم قدرتي علي إخراج القصائد من دماغي نحو أصابعي هو نفسه شعر ويبقيني في عالم الشاعرية الذي أصنعه لنفسي. أنظر الي شعري نظرتي الي نفسي، فهو يشبهني تمام الشبه في جميع أحوالي، ويتبدل مع التبدلات التي تطرأ علي طريقة تفكيري ونظرتي الي الأمور. يخرج مني نسخة عني ولا أتمكن من تصنيفه لأنني لم أصنف نفسي يوماً. فالتصنيف يعني التشابه مع أحد ما، وأنا أشعر وأريد أن أكون ألا أشبه إلا أنا، وهذا هو مصدر شاعريتي الأصلي.2 ـ أعتقد أن قراءة الشعر تستجلب كتابة الشعر. أقرأ كل ما يقع بين يدي من قصائد الشعراء السابقين، فهذا بمثابة غذاء للمخيلة، ولكنني أستخدم هذا الغذاء لأنثر شعراً مني أنا، علي شاكلتي. لكن العلاقة مع الشعراء السابقين إذا اعتبرنا أننا اللاحقون تتفاوت من واحد الي آخر. واحد أعتبر نفسي أقرب الي قصائده من آخر، هنري ميللر في قصائده الروائية، محمد الماغوط في قصائده البيروتية، سيروان في قصائد الحياة والوجود وغيرهم كثر… لن أكف عن قراءتهم جميعاً طالما أنني ما زلت أكتب الشعر ولكنني لن أعتبرهم آبائي في أي وقت من أوقات رحلتي الشعرية. ولكن تقسيم الأجيال الي سابقة ولاحقة يحتاج الي تفسير من ناحيتين، الناحية الزمنية التي تتعلق بالسنة التي وجد فيها هؤلاء الشعراء أو كتبوا وأصدروا شعرهم في كتب فيها، وبالتالي فإن جميع الشعراء الذين أصدروا كتبهم في السنة الماضية علي إصداري مجموعتي الشعرية هم من الشعراء السابقين، وأنا أصير شاعراً سابقاً بالنسبة الي من يصدر مجموعته الشعرية من بعد نشري إياها. هذا بالمعيار الزمني. أما بالمعيار النوعي، فإن المجايلة الشعرية تخضع لموضوعها وهمّها ودواخلها وطريقة كتابتها، وبالتالي قد يكون من الشعراء المجايلين زمنياً من هم غير مجايلين نوعياً، من دون التقييم وفق الأفضل والأسوأ في هذه الحالة، فأنا أجدني، علي سبيل المثال، أقرب في الكتابة الشعرية الي فادي أبو خليل الذي يُعتبر أو يُصنف علي أنه من شعراء الحرب، مما أنا قريب من كاتب هذا التحقيق الصديق ناظم السيد رغم أننا نعتبر من جيل شعري واحد. الجيل في هذا المعني قد يكون مسناً شعرياً، تكرار تجربة، نضجا، تفعيلة، موسيقي، توصيفات تقليدية، تأثيثاً علي اللغة المستخدمة في عقود سابقة…الخ رغم أن أعضاءه في سن الشباب عمرياً، وقد يكون في عز الشباب الشعري رغم أن مجموعات أعضائه الشعرية قد صدرت قبل سنوات طويلة. الماغوط مثال واضح.3 ـ التقاطعات التي تربطني بمجايليَّ من الشعراء الذين أصطلح علي تسميتهم بالشعراء الشباب أطلقت هذه التسمية قبل سنوات علي مجموعة من الشعراء الذين أصدروا مجموعاتهم الشعرية الأولي في وقت متزامن وتحديداً في مدينة بيروت التي كانت تزخر بإصدارات شعرية وافرة وبحياة تدلّل الشعر كواحد من فنون التعبير، ويبدو أن هذا المصطلح لم يعد يليق بالذين أطلق عليهم، بل ممن أصدروا مجموعاتهم الشعرية في السنة الأخيرة، وهم يستحقونه، هي تقاطعات لغوية علي الأرجح، تتعلق باستخدام اللغة كأداة لتنفيذ التعبير الأقوي منها، أي الصورة في القصيدة. تقاطع الجيل الشعري الحالي زمنياً يتعلق في الضرورة باللغة العصرية الشبيهة الي ما آلت اليه الثقافة من استرخاء وتهميش في مقابل التقنية، حتي أصبحت الثقافة منبوذة التقنية من دون أن تستطيع نبذ ثقافة أخري عنها، فاندمجت الثقافة المنبوذة underground بـ ثقافة القصر إذا صح التعبير لتشكيل الأداة التي تواجه أو توصّف أو تتواطأ مع نتائج عصر التقنية والاتصالات. وعليه فإن الفنون جميعها باتت متقاربة في مقاربتها لهذا الموضوع، الرسم والموسيقي والشعر والتجهيز والرواية والسينما وفي الخلف النحت والمسرح والثقافات الشعبية المحلية. في حال التعامل مع نتائج تطور الاتصالات تزدهر فنون علي حساب أخري مستفيدة من هذا التطور حتي لو كانت تهدف الي إلقاء الضوء علي سلبياته علي وجه التحديد، وتشكل الفنون التي تقدم خطاباً مضاداً للعولمة مثالاً ساطعاً علي هذه النقطة. في هذا المعني تتقاطع الاستعمالات اللغوية في القصيدة التي كتبناها نحن المجايلين، ولكن يبقي الاختلاف في المحل الأهم، وهو النتيجة التي ستؤدي اليها تلك الاستعمالات المتقاطعة للمفردة واللغة. يمكن القول إن الشعراء البيروتيين الذين كتبوا الشعر في بدايات عام 2000 قبل سنة أو سنتين وما بعد ذاك العام هم الأكثر تنويعاً في إنتاج قصيدة معاصرة عبر استخدامات لغوية مشتركة. راجع برتقالة مقشرة من الداخل و العين الاخيرة لناظم السيد، انتفخ الولد من أكل التفاح ثم انفجر ومات لرائد ياسين، تمرين علي الاختفاء لغسان جواد، الأرض في مكانها لمحمد بركات، وقبلهم بقليل باسم زيتوني في تحت شمس قاتمة ، و كلاب الروح لعلي مطر، أو أكثر لفادي الطفيلي، علبتي السوداء لحسان الزين، وسامر أبو هواش في الحياة تطبع في نيويورك … وغيرهم علي ألا يكون إغفال اسم من مجايليهم إلا خطأ سببه الذاكرة المنهكة من شرب الكحول، أي ذاكرتي…. 4 ـ مجموعتي الشعرية الأولي تفاحة نيوتن كانت مشروعي الشعري الأول. مجموعتي الشعرية الثانية التي ستصدر في وقت ما ستكون مشروعي الشعري الثاني، وهكذا دواليك.5 ـ للإجابة علي هذا السؤال سأقتطع مقطعاً من نص كنت قد أرسلته الي الشاعر البحريني قاسم حداد في مناسبة مرور 10 سنوات علي تأسيس موقع جهة الشعر . أي مقطع من ذاك النص قد يكون وافياً للإجابة علي سؤالك، ولكني سأختار المقطع الأخير منه وأرجو أن يكون مناسباً: كتبت الشعر قبل أن أقرأه. رحت أكتب وأكتب ومن ثم أقرأ كي أوازن تهويماتي بتهويمات الآخرين. أنسي الحاج في لن ، شوقي أبي شقرا في حيرتي جالسة تفاحة علي الطاولة ، سركون بولص، عبد القادر الجنابي، شبيب الأمين، فادي أبو خليل، شارل شهوان، يوسف بزي، يحيي جابر في الزعران ، سمعان خوّام في مملكة الصراصير ، غسان جواد في تمرين علي الاختفاء ، وناظم السيد في برتقالة مقشرة من الداخل … وغيرهم كثر من بشر الروعة وأنا لا أستثني شاعراً واحداً من تعداد الأسماء هذا. يا إلهي ما أجملكم أيها الشعراء الصعاليك. كم أحبكم في فيديو و شرير في سيارة و رغبات قوية كأسناننا وأنا لا أستثني مجموعة شعرية واحدة من تعداد العناوين هذا. كم أحببت أن أكون واحداً منكم. فأنا أيضاً أستخدم حواسي جميعها وبإتقان مثلكم جميعاً، أشم وأمعن النظر وأتلذذ بالتذوق وأقدس اللمس وأترك لأذني حرية السمو فوق الأصوات، وألعب. وأنا أيضا يفرحني أن أكون في جماعتكم أرسل قصائد الي قاسم حداد فينشرها أعجبته أم لم تعجبه. وأنا أيضاً لا يعيقني أمر ولا أحزن ولا أحب إلا الفرحان، وتأخذني الحياة من يدي وتدللني وتطعمني وترويني وتقول لي: عش، إبق، سمّ، جدّ، قدّ، مرّ، إنه، سر، فه، تسل، يا وليدي يا جنيني الأبدي .محمد بركات: أمام تحدّي السرقة1 ـ بالطبع أنا شاعر، وهذا ليس مكمن السؤال، الأصحّ إعادة طرح السؤال علي الشكل التالي: هل تري، أنت معدّ التحقيق، أنّي شاعر، واستطراداً، هل يري القرّاء أنّي شاعر، أم يرون أني اسم إضافيّ علي لوائح إحدي دور النشر، كما كثيرون غيري؟هذا أولاً. وثانياً، يمكن أن نسأل: هل من معني اجتماعي للشعر بعد حتي نتسابق لنحصل علي اللقب؟ الأرجح أن لقب شاعر ما عاد مقبوضاً إلا في نطاقات ضيّقة، وفي شلل صغيرة في مدينة هنا أو مدينة هناك. وهنا أطرح علي نفسي سؤالاً إضافياً: ماذا يعني أن أكون شاعراً؟ وأيضاً: كيف أشعر بأني شاعر، علي ما طرحت في سؤالك، وليس هل أشعر .يمكن الإجابة بكثير من اللباقة: لا أعرف إذا ما كنت أشعر بكوني شاعراً، إذ إنّ الشعور يستوجب طاقة تأتي من آخر ما بالضرورة، وهذا الآخر هو القاريء، بالضرورة أيضاً. وليس خفيّا علي أحد أنّ القارئ بات عملة صعبة هذه الأيام، نبحث عنه بالسراج والفتيلة . هو ديناصور علي ما كتب أحد الظرفاء، وهو من يجب أن نطرح عليه الأسئلة.أما كيف أنظر إلي شعري، فأنا أري أنّه جزء مني، قررت أن أقدّمه علي مذبح النشر كي يتناهشه القرّاء وما تيسّر من نقّاد، إذا وجدوا، كي أستطلع الغابة الشعرية اللبنانية التي نعيش فيها، نحن معشر الكتّاب. وأصنّف شعري في خانة جديدة، هو شعر الطفولة، علي ما نبّهني كثيرون بعد صدور ديواني الأوّل، وعلي ما وافقت. فأنا بدأت الكتابة منذ سنّ العاشرة، والقصيدة الأولي في الكتاب كتبتها منذ 9 سنوات، وأصرّيت أن أكون وفياً للطفل الذي كتب، بعدما جاوزت العشرين، وأن أكون وفياً للشاب الذي راح يكتب عن الطفل. حتي ما كتبته عن الجنس وصفه كثيرون بأنه طفوليّ. وهذه ليست حجة للاختباء بقدر ما هي لقيّة عثرت عليها بعد النشر.2 ـ لا أعرف ما المقصود بالعلاقة بالأجيال السابقة. هناك علاقات جيّدة مع الأشخاص الذين سبقوني، وأستمتع بقراءة نصوصهم، ومنهم يوسف بزّي ويحيي جابر وشارل شهوان ومحمد علي شمس الدين وعقل العويط وبول شاوول وآخرون نسيتهم في الغالب، ومن الجيل الذي سبقهم أستمتع بقراءة محمد الماغوط وصلاح عبد الصبور وأدونيس وبدر شاكر السياب وآخرين لا يتسع المكان لعدّهم.لكن لا أعرف كيف تنشأ علاقة من خلال نصّ. أجزم بأني لست مقلّداً لأحد منهم، لكنّي أجد أنّهم، جميعهم، تركوا صحاري خالية لم تطأها أقلامهم. وبالطبع لم يقولوا كلّ شيء ولم ينجزوا الشعر بشكل نهائي حتي نتوقف عن الكتابة. وهم ليسوا آلهة اللغة وملوكها، كما قال أحدهم في مقابلة معه، وليسوا آلهة المعني كما أوحي آخر ويحاول دائما الإيحاء. 3 ـ لا تقاطعات مع نصوص مجايليّ، لأني لا أعرف من هم مجايليّ، ولأني لا أعرف ما هو الجيل، وهل اتفق (بضمّ التاء) علي تعريف للجيل الشعريّ. فإذا كان العمر هو المعيار، فأنا الأصغر بين أبناء جيلي، إذ لم يتعدّ عمري الـ22، وحين نشرت لم يكن يتعدي الـ20، ولا شعراء من عمري، علي ما أعرف.أما إذا كان الجيل هو التزامن في النشر للمرة الأولي، ففيديل سبيتي مثلاً من مجايليّ، واكتشفنا، بعد النشر، أن ثمة قصيدة أو اثنتين متشابهتان من حيث الموضوع، وهو موضوع الرسوم المتحركة.لكن هناك ظلما في هذا التجييل ، إذ انّ هناك 10 سنوات من القراءة والكتابة والتجربة والعيش بيننا، وهناك 20 سنة أو أكثر بيني وبين منغانا الحاج مثلاً، التي نشرت للمرة الأولي، في دار مختارات التي نشرت لديها.4 ـ الكتابة بحدّ ذاتها مشروع. أن تمسك القلم أو الـ clavier يعني أنك تريد أن تفعل شيئاً غير عاديّ. أن تقدم شيئاً وأن تنجز شيئاً وأن تخترع شيئاً وأن تخرج شيئاً من داخل. هذا مشروع بحدّ ذاته. لكن أحسب أن المشاريع الشعرية التي أفلت أو سبقت لم تكن مشاريع في بداياتها. أدونيس مثلاً لم يفكر في مشروع شعري حين كتب القصيدة الأولي، ولا فعل محمود درويش ولا فعل بول شاوول ولا فعل المتنبّي حتّي. المشاريع هي التراكم والتكرار والتجربة المستمرّة. المشروع هو الطريق التي ترسمها القصيدة، وتبدو للناظرين، من بعيد، مميزة ولا سابق لها، وتبدو علي أطرافها أرصفة غريبة وإنارة مختلفة ومارّة متعدّدون.5 ـ الشعر هو زبدة الفنون، كما أن السينما هي زبدة الفنون من وجهة نظر السينمائي، والرسم هو زبدة الفنون من وجهة نظر الرسام، والرواية هي زبدة الفنون بالنسبة الي الروائيين، وهكذا دواليك. لكنّ الأكيد والثابت أن الشعر بات في ذنب القافلة الفنية، بات الطشّ ، علي ما كان يقال في المدرسة لمن يكون الأخير في علاماته ودرجاته. بات فنّا منفرداً ومنطوياً، ونحن، أي الشعراء، قلة قليلة تكتب لقلة قليلة، علي ما قال صديقي الشاعر غسان جواد.وهو هامشيّ في حضوره في الحياة العامة، هامشية الشعراء، الذين كانوا في زمن مضي وجه صحّارة القبيلة ولسانها وتلفزيونها وإذاعتها وصحيفتها ومجلتها، واليوم بعد الإذاعة والصحيفة والمجلة والتلفزيون والانترنت، بات الشعر ترفاً لا يبالي به إلا قلة من المثقفين والقرّاء.ربما، وربما فقط، يكون الشعر أمام تحدّي السرقة. أي أن يسرق الصورة من التلفزيون، والصوت من الإذاعة والمشهد من السينما ولعبة الصحيفة وفنّها. ربما نكون، نحن كتّاب الشعر وقرّاءه الوحيدين، علي الأرجح، ربما نكون أمام تحدّي سرقة الفنون الأخري والتطفّل عليها. والله أعلم.لوركا سبيتي: الحداثةاستيعاب القديم لتجاوزه1 ـ لو أردنا تعريف الشعر بشكل أو بآخر، سنقع في الخطأ، وذلك لأن للشعر أبواباً مشرّعة وكثيرة، وله أيضاً عوالم وأكوان وحدائق. فكيف لنا نحن أدواته ووسائله أن نحدّه ونرسم له آفاقاً علي قياسنا وعناوينَ مستوحاة من ضيق أحلامنا وآمالنا ومن عقم فلسفتنا.ولو أمكننا القول إن الشعر فن من الفنون الجميلة، نجسد من خلاله أسمي معاني الإنسانية في كلمات، ونختصر به كل انفعالاتنا وأحاسيسنا وما يختلج أنفسنا من شجون وهموم وقضايا في كلمات…ولو أمكننا القول أيضاً إن الشاعر هو الإنسان الذي يستطيع قول كل ما يحس وكتابة كل ما يعتري مهجته من آلام وأفراح وهموم، وإنه القادرعلي التفريط بمنطقه وعقله ومعابد جسده بمس الآخر والتأثيرعليه بكلمة جميلة واحدة…سأكون حتماً شاعرة وما أكتبه شعر .وشعري المتناثر بحرية والمبعثر بتلقائية جريئة وبإباحية مستعرة ومباشرة، رومانسي حيناً وبراغماتي أحياناً أخري. أمزج بين وعيي المستتر وانفعالاتي الدفينة من جهة، وبين جنونية في العشق والثورة والغضب والتمرد من جهة أخري، أقلب المشهد وأعبث بالصورة لتصير ربما برتقالة أو لفافة تبغ. استخفاف بالألم الذي يكابده الجسد والنفس المكبلان ودعوتهما للنهوض وتمزيق الأغلال.2 ـ سئل الرسام العالمي بيكاسو عن سر رسمه الجديد الذي أبدعه والذي سمي بـ التكعيبي وماذا يريد به ومنه وقد بطّن السؤال بشك حول قدرة بيكاسو الفنية والإبداعية علي الرسم كسابقيه. فكان جوابه : ما دمت أستطيع الرسم كرافاييل فيحق لي أن أرسم ما أشاء… . لا نستطيع أن نكمل ما بدأه الشعراء القدامي، أو أن نبتكر حالتنا الشعرية الخاصة التي تتناسب مع زماننا ومكاننا وتطورنا وسرعة حياتنا واختلاف فلسفتنا من دون الاطلاع ـ قراءة وفهماً ـ علي ما كتبه عظماء الشعر وهياكله، هؤلاء الذين صنعوا بقصائدهم المجد للشعر وصقلوه بحكمتهم وفلسفتهم فباتوا مخلدين أبداً وبات شعرهم مثالنا في الحياة وقولنا وفعلنا بتلقائية ودون أن ندري. ليس لهذا فقط علينا أن نكوّن علاقة وثيقة مع من سبقنا من شعراء بل أيضاً كي تتسع دائرة مفرداتنا وحدود قواميسنا وحسن تمكننا من قواعد لغتنا. فالحداثة ليست سوي استيعاب وفهم ما سبق وما صار قديماً لتجاوزه. من خلال قراءتك شعري تجد أنني كلاسيكية الخيال ورومانسية المشهد والحس، وحديثة المظهر.3 ـ بما أننا نحيا هذا الزمن معاً، فالوقت والحب والضجر والطرقات والدم والسهر والليالي والإلحاد والعلاقات السريعة والخطوات السريعة كلها سيان. قد أتشابه مع بعض شعراء جيلي في بعض النصوص، فإن لم يكن هذا التشابه يكمن في الأفكار والقضايا والهموم فقد نراه في الأسلوب، وإن لم نتساوَ بهذا الأخير فقد نتقاطع بشكل القصيدة وزيها الخارجي وبالموسيقي التي تحويها أو بالفراغ الذي يرأف بها!4 ـ دوماً هنالك جديد ما بيني وبين قصائدي، فكتاب آخر تينع ثماره والقطاف قريب وآت. وأفكر أيضاً في مشروع شعري ثقافي تلفزيوني وذلك لحاجة محطاتنا التلفزيونية الي مثل هذه البرامج ذات القيمة الأدبية والإنسانية والثقافية والجمالية، ولكن مع انتظاري لمن يتبني هذه الفكرة ويساعد في تنفيذها.5 ـ الشعر هو أجمل الفنون الجميلة وأكثرها تمايزاً وإشراقاً وأثمنها وأقدمها. الشعر هو الحاضر فينا دوماً. هو حاساتنا الست. الشعر هو الإنسان. رامي الأمين: غياب المشروع الشعريلدي الكبار1 ـ أحياناً أشعر بارتباك حين أشرع بالتعريف عن نفسي بأنني شاعر. أولاً بسبب عمري الصغير نسبياً أنا مواليد عام 1984، وثانياً لأن نظرتي الطفولية النمطية للشعراء كانت تتعاطي مع صورتهم علي أنهم شيب وكبار في السن. ثم بدأ يتلاشي هذا الارتباك، مع تعاطيّ في الشأن الثقافي بشكل مباشر، ومع طرح اسمي في الصفحات الثقافية موقعاً قصائدي هنا وهناك، لتكرسني شاعراً. ثم إنني أحضّر لطباعة ديواني الأول، وهذا سيحسم الموضوع بروتوكولياً . لكني شاعر منذ ولادتي، وهذا أحسه في داخلي. لا أرغب في تغيير العالم من خلال شعري، لكنني أكتب كي أتخلص من وطأة هذا العالم، ولكي أرتاح من تأنيب العقل عندما أري الناس في كل مكان كيف يتقاتلون ويقتلون ولا يفكرون إلا في الشرّ. أعتقد أني أكتب الشعر لمجابهة أولئك الذين لا يحبون الحياة.قليلاً ما أعود إلي شعري. لا أقرأه إلا بعد انتهائي من كتابته، بهدف التنقيح، ومن ثم في الأمسيات الشعرية، إذا دُعيت إليها. أنظر إلي شعري من خلال آراء الناس والنقاد والأصدقاء فيه. أعتقد أن فيه الكثير من المعادلات الحسابية. دخلت إلي الشعر من باب الرياضيات. كنت أدرسها في الجامعة، ثم قررت أن أنتقل لدراسة العلوم الاجتماعية. 2 ـ لا يمكن لأحد أن يكتب شعراً من دون أن يطّلع علي تجارب الأجيال التي سبقته. إذا كنت بلا ماضٍ، لن يكون لك مستقبل. هذا بديهي. الآباء الكثر، يصنعون أبناءً كثراً أيضاً. لا أعرف من هو أبي الحقيقي من الأجيال التي سبقتني. لكنني متأثر بكثيرين، وأينما وجد النص الجميل أقرأه وأتأثر به. من الأجيال السابقة أذكر أن بول شاوول شجعني علي الكتابة، وكان أول من نشر لي شعراً. قرأت الكثير من الشعر الفرنسي. أحب بول فاليري ورينيه شار وكلود روا. عربياً أحب محمود درويش، عباس بيضون، شوقي أبي شقرا، محمد الماغوط وغيرهم الكثير. 3 ـ من هم من جيلي ليسوا كثراً. يمكن أن تعدهم علي أصابع اليد الواحدة. أتكلم عن لبنان. أعثر بينهم علي الكثير من النصوص التي تدهشني والتي أغار منها. أذكر علي سبيل المثال، لا الحصر، زكي بيضون وعلي زراقط. في نصوصهما شيء من أحلامي وعلاقتي بالأشياء. قد أعثر علي نفسي بين قصائدهما. لكل منا أسلوبه، وطريقته في رؤية الشعر. زكي يكتب الفلسفة، وفي نصه الكثير من الميثولوجيا. علي زراقط يصوّر. لديه عين سينمائية في الشعر. 4 ـ المشروع الشعري قد يكون جماعياً أو فردياً. أنا أبحث عن المشروعين، أي الفردي والجماعي. حاولنا مع بعض الأصدقاء أن نصنع شيئاً، أن نجتمع ونؤسس لمشروع فعلي، ينتج قصيدة جديدة، متمردة علي سابقاتها، أو تصحح أخطاء قصيدة النثر العربية، لكننا إلي الآن لم ننجح. ربما في الأيام المقبلة. أنا لست معجباً كثيراً بتجربة مجلة شعر ، لأنها لم تؤسس لمشروع شعري حقيقي. نحتاج فعلاً إلي انتفاضة ما في الشعر، كي نجاري أنفسنا أولاً، لأن النصوص التي يكتبها جيلنا ليست عادية، وفيها نواة شيء جديد. نحن في مرحلة انتقالية إذا أردنا توخي موضوعية التوصيف. لذا يصعب مثلاً علي الجيل السابق أن يؤسس لمدرسة نقدية في قصيدتنا. لم نر أحداً من كبار الشعراء أو النقّاد يحاول أن يقول رأيه في شعرنا نحن الشعراء الصغار . هذا نقص، وهذا سببه غياب المشروع الشعري لدي هؤلاء. 5 ـ يقال إن الفلسفة هي مجموع العلوم كلها. أنا أري أن الشعر يجمع كل الفنون: التصوير، السينما، المسرح، الرسم، الكتابة، الموسيقي وغيرها من الفنون. هو فن التكثيف. لهذا يمكنني مثلاً أن أستغني عن قراءة رواية كاملة من مئات الصفحات بكتاب شعري صغير. لا أتكلم هنا في المطلق، لكن الشعر موجود في كل الفنون. أينما بحثت قد تجده، في كل تفاصيل الحياة.نادين سلامة: الشعر يحمل غيبوبة هذا العالم1 ـ أري في الشعر ملاذاً، انخراطاً في حياة لم أعشها وإن كنت أتمناها، وانسلالاً الي عوالم ليست في الحسبان، وصولاً الي واقع يتجاوز الواقع، بكل ما فيه من أحلام وأمنيات. أنا فتاة عاشقة، أو أريد أن أتلمس العشق بدفء يدي. انخطاف و جسد يتعانق ، عنوانان كبيران لعصارة أفكاري وخلاصة وجداني وخمرة آمالي وأقلامي…آمالٌ وآلام، وأشواق وأحلام، تمرّد، تفرّد، تشرّد وانسجام… مشاعر متناقضة ومتداخلة عصفت في كياني واشتعلت في وجداني والتهبت حرباً استحالت حبراً، وثورةً انقلبت ثروة، وألماً تقنّع قلماً ترجم عبرات ٍ في عبارات. انخطاف لفظة جمعت مجموعة من الأبيات النثريّة، أبيات تنمّ عن رغبة صاحبتها في التحرّر والانعتاق من قيود المجتمع وقمع العبودية والاستغلال، أبيات تكشف عن حبّ وغزل ولقاء ووصال وافتتان… تلك هي باكورة مسيرتي الشعرّية، حيث يجتمع الرفض بالقبول، الخوف بالجرأة الصارخة، والبوح بالكتمان.ديواني الثاني جسد يتعانق يجمع اللذة والرغبة والشهوة والحبّ والإيمان، الإيمان بعالم روحاني مثالي خيالي يسمح بتعانق الجسد في لوحاتٍ ترقص فيها إبداعيّة الشعر.ينتهي ديواني الثاني، ولا تنتهي أحلامي وآمالي، ولا ينتهي شوقي إلي الكتابة والتعبير، التعبير عن أفكاري وأمانيَّ وأفراحي وأشجاني… تلك هي باختصار وإيجاز، تجربتي الذاتية مع الشعر.2 ـ الشعر وليد الشعور المدفون في أعماق الوجدان، ولا يتبدل بل يبقي ثابتاً واحداً مهما تغيرت الأجيال أو الطرق. فالشعر تعويذة تسحر القلوب وتقدّس القاريء. والشاعر إله يزيّن الروح بهالة بيضاء ويجمّل الجسد بنقاط النور. وأنا كشاعرة معاصرة من جيل الشعراء الجدد أشكّل استمرارية للشعر القديم الذي هو الركيزة والخميرة والأصل، وأضفي مع مجايليَّ لمسات من التطورات الغنية المواكبة للعصر. الشعر نقطة انطلاق العالم ونقطة تلاقي كل العالم. صحيح أنه وليد اللحظة ولكنه كيفما تنفّس يحمل غيبوبة هذا العالم، أي عالم آخر تسرّ به القلوب وتتونّس به الشفاه. فالشعر في قصائدي هو هذا العالم الذي يرث قلبي ومخيلتي، فتتحقق لي أعجوبة الشعر. لذلك، الشعراء في جميع العصور يوحدهم الشعر ولا يفرقهم لأن الشعر حكاية القدماء وحلم المعاصرين. 3 ـ لا بدّ للأجيال من أن تتقارب. ولا بد من وجود تلاقٍ في نصي الشعري ونصوص مجايليَّ لأننا متأثرون بالتطورات نفسها في عصرنا. ولا بد من وجود تباينات في نصي الشعري ونصوص مجايليَّ لأنّ لكلّ إنسان إحساساً مختلفاً عن الآخر وطريقة أخري في التعبير عن هذا الإحساس. 4 ـ أحاول تفعيل تجاربي السابقة بتجارب جديدة ومتنوعة تعشش في داخلي وتحاول الظهور علي أوراق بيضاء وفية لقلمي ولقارئي. أنا أكتب الشعر لأنّني أفضّل الولوج في قصص الحب والجمال والخيال ولو للحظات، من العيش في عالم متنافر وغريب عن الأحلام. وفي المستقبل القريب، سأنشر كتابين جديدين، واحد باللغة الفرنسية تحت عنوان الحب الممنوع ، أيamour interdit’ والآخر باللغة العربية تحت عنوان ما بين الحب والحب . كتاب الحب الممنوع يخاطب القلوب الشاردة في الصراع والانقسامات من جراء التباين والاختلاف في العرق والدين، ولا أفضل من أن يقرّب القلوب الغارقة في الانقسامات سوي الحب. أما كتابي ما بين الحب والحب فهو الحب بذاته الذي يواصل تقديم نفسه الي نفسه الأخري بشغف وجرأة وطيبة واعتزاز. 5 ـ كل الفنون عن مكنونات النفس والروح. العاطفة تترجم فنوناً مختلفة. بعض الفنون تعبّر عن طريق الصور كالرسم، والموسيقي عبر الألحان. والشعر يرسم خارطة لأحاسيس الإنسان عبر الكلام والتخاطب، فيرسم جسوراً بين لغة القلب والروح والعقل. وكما كل الفنون، يُستخرج الشعر من حكايات صامتة ومن هتافات عميقة. فالشاعر يخاطبنا من جنة عدن وشعره يسرح في مخيلتنا. والشعر حاضر دوماً أينما وُجد الإنسان، يرافقه في ميادينه المتفرقة، فهو نافذة عبور من الواقع الصاخب والجاف الي الخيال الأملس والدافيء.QRE0