لبنان: لا لتسوية ظرفية… نعم لتسوية تاريخية
د. عصام نعمانلبنان: لا لتسوية ظرفية… نعم لتسوية تاريخيةيقف لبنان اليوم علي مفترق مرحلة مفصلية في تاريخه المعاصر. فالإتصالات والمساعي ناشطة لتقرير مصير نظامه السياسي : محلياً في بيروت؛ عربياً في الرياض ودمشق والقاهرة؛ إقليمياً في طهران؛ ودولياً في واشنطن ( ومن ورائها تل أبيب) وباريس ولنـدن وموسكو والأمم المتحدة.يرافق الإتصالات والمساعي تهويل من ضربة امريكية لإيران وإسرائيلية لسورية، وتخويف من إغتيال قيادات وشخصيات، وتحذير من فرض نظام المحكمة ذات الطابع الدولي في إطار الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ذلك كله من اجل تسويق تسوية ظرفية لأزمة لبنان المستفحلة تحمي مصالح الشبكة الحاكمة وتخدم استراتيجيا إدارة بوش في المنطقة. غني عن البيان أن أي تسوية ظرفية ستكون، شأن مثيلاتها المتكررة منذ العام 1958، مجرد هدنة قلقة بين إضطرابات وحروب أهلية لاحقة، محدودة أو مفتوحة.الحقيقة ان اللبنانيين ما عاد في وسعهم ان يتحملوا إضطرابات أمنية وحروباً أهلية كل سنة او سنتين، تجرّ عليهم صنوفاً من القتل والتدمير والتشريد والتهجير، ومليارات الدولارات المضافة إلي مثيلاتها من مجموع الدين العام.آن أوان الإتعاظ من تجارب الماضي وكوارثه، وإستخلاص العِبَرِ والدروس، وتوليد إرادة الخروج من نظام الأزمة المزمنة والمستمرة. ذلك يتحقق بالإقلاع عن تقبّل التسويات الظرفية، والتصميم علي إجتراح تسوية تاريخية تقود إلي سلم أهلي دائم وامن اجتماعي راسخ وتضع البلاد والعباد علي سكة بناء دولة مدنية ديمقراطية قادرة وعادلة.ليس من قبيل المغالاة القول إن المرحلة الراهنة مؤاتية لمباشرة مشروع التسوية التاريخية المنشودة. ثمة توازن قوي محلي وآخر اقليمي. بل ثمة وئام دولي ملحوظ يتجلي في معالجات توافقية بين الدول الكبري لأزمات محلية وإقليمية متعددة. علي الصعيد اللبناني، يمكن القول إن توازن القوي السائد بين أطراف الموالاة للنظام الطائفي الفاسد والمعارضة له قد حال دون تمكينّ أيٍّ من الطرفين فرض إرادته علي الآخر. علي الصعيد الإقليمي، يتعثر مشروع الهيمنة الامريكي الصهيوني حيال تنامي قدرات إيران من جهة ونجاح قوي المقاومة من جهة أخري في إستنزاف الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، وإسرائيل في فلسطين ولبنان. أليس من شأن هذه التوازنات اللافتة، محليا وإقليميا ودوليا، ان تحمل القوي السياسية المتصارعة في لبنان علي وقف رهاناتها غير المجدية علي قوي إقليمية ودولية تبدو راغبة في تدوير زوايا الخلافات في ما بينها؟ أليس لافتاً تقارب السعودية وإيران واتفاقهما علي القيام بما يشبه الوساطة المشتركة بين الأطراف اللبنانيين المتصارعين؟من جسامة الخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالبلاد منذ أكثر من ثلاثين عاماً جرّاء الاضطرابات والحروب الأهلية، ومن لا جدوي الرهان علي الولايات المتحدة المتعثرة والمحبطة في مغامراتها الإقليمية، والمدمنة رغم ذلك علي استخدام الساحة اللبنانية وسيلة ضغط لمصلحة إسرائيل، ينبثق منطق لبناني وطني يحذّر من الإنزلاق مرة أخري إلي تسوية ظرفية عابرة ويدعو لإجتراح تسوية تاريخية راسخة.لعل مسار التسوية التاريخية يبدأ بالإتفاق علي تشخيص الأزمة بأنها ناجمة، بالدرجة الأولي، عن غياب مفهوم الدولة وتطبيقاته الدستورية والسياسية والاقتصادية والأمنية، ومن التوافق تاليا علي ان جوهر المعالجة ومفتاح الإصلاح يكمن في بناء دولة مدنية ديمقراطية قادرة وعادلة.الحق ان مضمون التسوية التاريخية قد جري التوافق عليه وصوغه في اتفاق الطائف العام 1989، وقد أضحي في معظم أحكامه جزءاً لا يتجزأ من الدستور بموجب القانون الدستوري الصادر في 1990/9/21. إن جوهر اتفاق الطائف وبالتالي مرتكزات الدولة المدنية الديمقراطية القادرة والعادلة يمكن تلخيصه بالإصلاحات الآتية :اولا، إنشـاء هيئة وطنية لإلغاء الطائفية وفق خطة مرحلية (المادة 95 من الدستور).ثانيا، وفي هذه الأثناء، تُعتمد قاعدة التساوي في توزيع المقاعد النيابية بين المسيحيين والمسلمين (المادة 24 من الدستور).ثالثا، مع إنتخاب أول مجلس نواب علي أساس وطني لاطائفي، يُستحدث مجلس للشيوخ تتمثل فيه جميع العائلات الروحية (الطوائف) وتنحصر صلاحياته في القضايا المصيرية (المادة 22 من الدستور).رابعا، وضع قانون إنتخاب جديد يراعي قواعد العيش المشترك وصحة التمثيل السياسي لشتي فئات الشعب وأجياله (الفقرة ج من القسم 3 الإصلاحات الاخري من إتفاق الطائف).خامسا، إعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة ( الفقرة أ من القسم 3 الإصلاحات الأخري من اتفاق الطائف).إن أياً من هذه المرتكزات الأساسية لإتفاق الطائف، لم تطبق. مردّ التقصير فساد القوي المتنفذة في الشبكة الحاكمة وسوء إدارة الوصاية السورية للبنان.إذ يقتضي اليوم توافق قوي الموالاة والمعارضة وغيرها من القوي السياسية الفاعلة علي تنفيذ ما لم ينفذ من اتفاق الطائف، بما هو أساس التسوية التاريخية المنشودة، فإن الأمر يستلزم تقسيم نهج التنفيذ إلي مرحلتين : الأولي إنتقالية والثانية تأسيسية.في المرحلة الانتقالية يصار إلي تأليف حكومة وطنية جامعة تمثّل القوي السياسية الرئيسية في البلاد، وتتولي: 1. وضع الأسس الواجب إعتمادها للمحكمة ذات الطابع الدولي المختصة بمحاكمة قتلة المغفور له الرئيس رفيق الحريري وفق قرار مجلس الأمن الرقم 1644 وذلك علي أساس مرتكزات تنظيم المجلس العدلي في لبنان. هذه تقتضي إعتماد قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني، وقانون العقوبات اللبناني، وإدخال بعض التعديلات عليهما ولاسيما لجهة إلغاء عقوبة الإعدام، وتشكيل هيئة المحكمة من قضاة لبنانيين بمعدل الثلثين وقضاة دوليين بمعدل الثلث، وعقد جلسات المحكمة في لاهاي، وحظر المحاكمة غيابيا دون ضوابط واضحة، ومنع إعادة فتح المحاكمة في قضايا بتتها المحاكم اللبنانية، وإستبعاد إمكانية إصدار عفو خاص في ما قد يصدر عن المحكمة الدولية من أحكام.2. وضع قانون إنتخاب ديمقراطي وعادل علي أساس التمثيل النسبـي لإنتخاب 100 مرشح لمقاعد في لبنان كله كدائرةً انتخابية واحدة، وعلي أساس التمثيل الاكثري لإنتخاب 28 مرشحا لمقاعد موزعة علي دوائر في المحافظات والأقضية. 3.إجراء إنتخابات نيابية مبكرة قبل إنتهاء ولاية الرئيس اميل لحود، وإذا تعذّر ذلك تُجري بعد إنتهاء ولايته بستة أشهر علي الأكثر.إذا رفضت قوي الموالاة الموافقة علي تأليف حكومة وطنية جامعة والقيام بخطوات المرحلة الإنتقالية علي النحو المبيّن آنفا، فإن قوي المعارضة الممثلة في مجلس النواب والقوي الوطنية والديمقراطية الناشطة خارجه تنتدب نفسها للإضطلاع بمهام المرحلة الانتقالية ومن ثم بمهام المرحلة التأسيسية دونما إبطاء. ذلك انه عندما يتخلف الكل أو الأكثرية عن تحمّل المسؤولية الوطنية في المنعطفات التاريخية والظروف الإستثنائية، فإنه يصبح من حق الجزء أو الأقلية بل من واجبها الاضطلاع بأعباء المسؤولية الوطنية، لا سيما عندما تكون قوي الأقلية تحديداً هي صاحبة الأكثرية الشعبية بحسب تعداد الأصوات التي نالها نوابها الفائزون ومرشحوها الخاسرون في الانتخابات الأخيرة. أليس هذا ما فعله الجنرال شارل ديغول و لجنة فرنسا الحرة بعد إنهيار الحكومة الفرنسية تحت وطأة الإحتلال الألماني في الحرب العالمية الثانية؟ أليس هذا ما فعلته المقاومة اللبنانية عقب إحتلال إسرائيل لقسم كبير من جنوب لبنان من العام 1978 لغاية العام 2000 ؟ في الحالة الفرنسية كانت المقاومة والتحرير مهمتين تاريخيتين مشروعتين لا تحتاجان إلي موافقة مسبقة من الجمعيـة الوطنية ( البرلمان ) التي أصبحت بحكم غير الموجودة عقب الاحتلال. وفي الحالة اللبنانية أصبحت المقاومة والتحرير مهمتين تاريخيتين مشروعتين لا تتطلبان بالضرورة مشاركة جميع الجماعات والأحزاب والتنظيمات اللبنانية الأخري ولا حتي موافقة مسبقة من الدولة. اما في حالة لبنان الراهنة فإن إضطلاع القوي الوطنية والديمقراطية بمسؤوليتها الوطنية يصبح واجبا ملزما يستمد مشروعيته من كون الحكومة القائمة قد فقدت دستوريتها وشرعيتها وأصبحت بحكم غير الموجودة لإرتكابها المخالفات الدستورية الآتية:1. تعطيل المجلس الدستوري ما أدي إلي تجميد الفصل بالطعون الإنتخابية المقدمة إليه، والحؤول دون ممارسته الرقابة علي دستورية القوانين التي يشترعها مجلس النواب.2. خرق المـادة 52 مـن الدستور بتجاوزها صلاحية رئيس الجمهورية في إجراء المفاوضات المتعلقة بالمعاهدات الدولية (نظام المحكمة الدولية).3. خرق المادة 95 من الدستور التي تقضي بتمثيل الطوائف في الحكومة بصورة عادلة، وذلك عقب استقالة جميع الوزراء الذين يمثلـون الطائفية الإسلامية الشيعية، الأمر الذي افقد الحكومة شرعيتها كونهـا أضحت سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك بحسب الفقرة ي من أحكام الدستور الأساسية.4. خرق المادة 32 معطوفة علي المادة 83 من الدستور بإمتناعهــا سنتين متواليتين عن إحالة مشروع الموازنة علـي مجلس النواب لمناقشته وبته.5. خرق المادة 49 من الدستور بإيعازها إلي السفراء وأعضاء السلـك الدبلوماسي بمقاطعة رئيس الجمهورية بما هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، وخرقها المادة 53 من الدستور كون رئيس الجمهورية المرجع المختص بإعتماد السفراء وقبول إعتمادهم.إزاء كل هذه المخالفات الدستورية التي أفقدت حكومة فؤاد السنيورة شرعيتها وجعلتها بحكم غير الموجودة، وإزاء رفض قوي الموالاة إستجابة وساطة السعودية وجامعة الدول العربية وغيرهما والإمتناع تالياً عن الموافقة علي تأليف حكومة وحدة وطنية والقيام بالخطوات الثلاث للمرحلة الإنتقالية المبينة آنفا، ينهض سؤال: ما العمل؟بعض قوي المعارضة أجاب داعياً الي مباشرة العصيان المدني لإكراه الحكومة علي التسليم بحكومة الوحدة الوطنية ومهامها الإنتقالية. بعضها الآخر دعا إلي الإضطلاع بأعباء المسؤولية الوطنية التاريخية من خلال الإتفاق مع رئيس الجمهورية العماد أميل لحود علي خطة متكاملة تنطوي علي خطوات خمس:الأولي، إصدار مرسوم بإعتبار حكومة فؤاد السنيورة غير موجودة ودعوة النواب لإستشارتهم في شأن تأليف حكومة وطنية جامعة من الشخصيات الوطنية المستقلة.الثانية، تلتزم الحكومة الجديدة في بيانها الوزاري الاستقالة فور إعلان قوي 14 آذار موافقتها علي تأليف حكومة وطنية جامعة للقيام بالمهام الانتقالية المنوه بها سابقا وما يتفق عليه لاحقا.الثالثة، تتولي الحكومة الجديدة إعتماد مشروع الهيئة الوطنية لوضع قانون جديد للإنتخابات (فؤاد بطرس ورفاقه) وتعديله لجهة جعل عدد المقاعد الخاضعة لنظام التمثيل النسبي 100 والمقاعد الخاضعة لنظام التمثيل الاكثري 28، علي ان تجري الإنتخابات لكل المقاعد في يوم واحد.الرابعة، إجراء الإنتخابات العامة قبل إنتهاء ولاية الرئيس لحود، وإذا تعذر ذلك تُجري بعد إنتهاء ولايته بستة اشهر علي الأكثر.الخامسة، يمكن التوافق، في حال قيام حكومة وطنية جامعة، علي إنتخاب رئيس جديد للجمهورية من قبل مجلس النواب الحالي شريطة إلتزامه وسائر قادة القوي والأحزاب والكتل البرلمانية، بموجب وثيقة ميثاقية، تنفيذ إصلاحات التسوية التاريخية المتفق عليها، وفي مقدمها الإصلاحات المنصوص عليها في إتفاق الطائف التي لم تنفذ بعد، علي ان تتضمن الوثيقة الميثاقية العتيدة سائر الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية (الدفاعية ومستقبل المقاومة وعلاقتها بالدولة) التي يتفق عليها ومنهج تحقيقها. وإذا تعذر إنتخاب رئيس الجمهورية الجديد وفق الأسـس والشروط المبينـة آنفا، فإن صلاحيـات رئيس الجمهورية (المنتهية ولايته) تناط وكالة بمجلس الوزراء حسب أحكام الدستور، ولا ينتخب رئيس جديد إلاّ بعد إجراء الإنتخابات وفق قانون إنتخاب جديد علي الأسس المحددة في البند الثالث أعلاه.أيّ من النهجين أجدر بالإعتماد: العصيان المدني أم الخطة الإصلاحية المتكاملة الآيلة إلي تحقيق تسوية تاريخية؟الحقيقة ان نهج الإعتراض السلمي الذي إعتمدته قوي المعارضة في وجه حكومة السنيورة وقوي 14 آذار قد بلغ ذروته بالتظاهرة المليونية التي جرت في 2006/12/10 والإعتصامات التي رافقتها وأعقبتها. ومع ذلك لم تتزحزح الحكومة والقوي المساندة لها عن موقفها الرافض تأليف حكومة وطنية وإجراء انتخابات نيابية مبكرة. يري كثيرون انه يصعب علي قوي المعارضة إبتداع تحرك شعبي أعلي وافعل من التظاهرة المليونيـة المذكورة، بما في ذلك العصيان المدني. فللعصيان، مدنيا كـان أو مسلحا، مفاعيل سلبية في هذه المرحلة العصيبة والمعقدة تضر أكثر مما تنفع. ذلك ان الخطوات والتدابير التي يمكن ان تتخذها قوي المعارضة في سياق العصيان قد ترتد علي جمهورها وعلي إقتصاد البلد من دون ان تحمل الحكومة علي الإستقالة او علي التسليم بإعتراضات المعارضة ومطالبها الأساسية.ماذا سيحدث، مثلا، إذا دعت قوي المعارضة أنصارها، من موظفين ومستخدمين وعمال ومواطنين عاديين، إلي التوقف عن دفع الرسوم والضرائب، والي الإمتناع عن المداومة في الإدارات والمؤسسات العامة والخاصة ومواقع العمل، أو بمحاصرتها وشلّها، أو بالسيطـرة عليها؟ستقوم الحكومة والقوي المساندة لها بإدانة هذه الأعمال وتحميل المعارضة مسؤولية شلّ المرافق العامة وحرمان المواطنين من خدماتها ومغبة إضطرارها، بسبب توقـف جباية الضرائب ونضوب واردات الخزينة، إلي التوقف عن صرف رواتب الموظفين والمستخدمين. كذلك ستفعل الهيئات الإقتصادية ومؤسسات القطاع الخاص.هيهات أن تعترف الحكومة بأنها عاجزة عن حكم البلد بسبب التظاهرات والإعتصامات وأعمال العصيان المدني. ليس يهمها، في هذه الآونة، أن تحكم. ما يهمها فقط هو أن تبقي في واجهـة السلطة، أي في السراي، وان يبقي جورج بوش وجاك شيراك وطوني بلير وسائر رؤساء حكومات دول الاتحاد الأوروبي وأمين عام الأمم المتحدة معترفين بها. يكفي أن تبقي متمتعـة بالشكليات والشعائر الإحتفالية إلي أن تأتيها النجدة من عواصم القرار، لاسيما من واشنطن، فتردّ عنها أفواج جماهير المعارضة وتعيدها إلي مواقعها السابقة أو تضغط علي قادة المعارضة، بشكل أو بآخر، لحملهم علي القبول بتسوية لائقة تحجب الأخطار وتحمي المصالح وتحدد الخسائر تحت بيرق شعار تقليدي مدّخر لمثل هذه المناسبات التاريخية : لا غالب ولا مغلوب !آن أوان التخلي عن الأساليب التقليدية البالية في خوض المعارك الوطنية والسياسية ومواجهة التحديات الخطيرة والتصدي لتحقيق الطموحات العظام. بين قادة المعارضة إثنان علي الأقل ـ حسن نصرالله وميشـال عون ـ من معدن القادة الكبار، لا ينتميان إلي الطبقة السياسية التقليدية الفاسدة التي تحمكّت بلبنان بالتوارث والتقاسم والتواطؤ مع القوي الخارجية الطامعـة، فكان ان بقي علي مرٍّ الزمن ساحةً للمصارعة وتصفية الحسابات، وسوقاً للعرض والطلب والنهب والإستلاب، وسبيلاً ومعبراً إلي الجوار للنيل من المتمردين علي طاعة كبريات الدول ونوادر الأقطاب. لقد حان الوقت كي يستفيد الشعب والبلاد من مزايا هذين القائدين وقدراتهما في مخاض التغيّر والإصلاح وإنجاب التسوية التاريخية.لقوي المعارضة وجود شعبي وطني كثيف في كل المناطق والمدن والأرياف. وللأساسيين من قادتها معرفة وخبرات وقدرات علي التعبئة والضبط والربط وإدارة الإنتشار وتفعيل الكوادر والأنصار. غير ان واقع القوي الحية، الجدّية والجادة، في صفوف المعارضة يشي بحقيقة مؤلمة مفادها عدم وجود إطار جامع يحضنها ويحميها وينسّق فعالياتها. من هنا تنبع ضرورة استراتيجية عنوانها تنظيم مؤتمر وطني في مدي شهر أو شهرين تتنادي خلالهما قوي المعارضة جميعا، ملتزمين ومستقلين، من اجل التوافق علي درس وصوغ برنامج مرحلي للإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بوجهيها الإنتقالي والتأسيسي، والي وضع خطة عمل مفصلة للمرحلة الإنتقالية وما يليها، علي ان يصار إلي إعلان البرنامج وبعض عناوين الخطة في إجتماع ختامي حاشد للمؤتمر الوطني قبل آخر نيسان / أبريل القادم.يجب إيلاء وثيقة البرنامج المرحلي عناية بالغة لتأتي، في مبناها ومعناها، مَعْلَماً بارزاً من معالم تطور لبنان الحضاري، وعنوانا ساطعا لإفتراقه عن زمن الطائفية والإستبداد والفساد، وولوجه عصر الديمقراطية والتنمية والتقدم والإبداع. من هنا تستبين الحاجة إلي تضمين الوثيقة مواقف متقدمة من قضايا بارزة علي النحو الآتي : إعتبار الدولة المدنية الديمقراطية القادرة والعادلة جوهر التجربة الوطنية اللبنانية ورسالتها إلي العالم العربي والإسلامي. إعتبار التعددية خصوصية لبنانية عربية تغتني بالديمقراطية وتتغذي بالعروبة الحضارية وتحتمي بالحريات العامة وحقوق الإنسان. تجاوز الطائفية تدريجيا في الدولة والمجتمع من خلال خطط مرحلية تتناول ميادين السياسة والتربية والتعليم والثقافة وأنشطة المجتمع المدني، وسنّ قانون للحماية من التمييز الطائفي. حرية العقائد الدينية مكفولة امام القانون، وللجميع الحق في ان يعلنوا عن عقيدتهم الدينية، منفردين او مجتمعين، وان يمارسوا شعائرها بطريقة علنية شرط عدم الإخلال بالنظام العام. حياد الدولة بين المؤسسات الدينية. توزيع المقاعد في مجلس الشيوخ بالتساوي بين الطوائف الست الكبري الإسلامية والمسيحية، وكذلك بين طوائف الأقليات الإسلامية والمسيحية وذلك تعزيزاً للوحدة والتوازن الوطنيين والمساواة أمام القانون. تعزيز اللامركزية الإدارية في ظل سلطة مركزية متوازنة. وضع قانون ديمقراطي عصري للأحزاب والجمعيات. إعتبار المقاومة قوة رادعة في خدمة استقلال لبنان وسيادته، والعمل علي تكاملها مع الجيش اللبناني من خلال استراتيجيا للدفاع الوطني تكفل وحدة القيادة والعقيدة القتالية وحماية الشعب والأرض. دعم استقلال السلطة القضائية بتمكين القضاة من إنتخاب غالبية أعضاء مجلس القضاء الأعلي بصفته المرجع المختص بتعيين القضاة ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم وتحديد تخصصاتهم. لعل منتصف شهر أيار/ مايو المقبل هو التاريخ المناسب لبدء تنفيذ الخطة المتكاملة الإنتقالية ذات الخطوات الخمس المبيّنة آنفا. وهي خطة يجب ان تُترجِم، بطبيعة الحال، التوافق المفترض ان يكون قد تمّ بين الرئيس لحود وقيادة قوي المعارضة. فلحود شريك رئيسي في بلورة الخطة وفي تنفيذ خطواتها تباعا. ويبدو الشروع في تنفيذ الخطة في منتصف أيار مناسباً لأنه يتزامن مع إنتهاء ولاية الرئيس شيراك، وإقتراب رئيس الوزراء البريطـاني بلير من الموعد المرجّح للتخلي عن السلطة لنائبه غوردن براون، وإنحـدار الرئيس بوش عميقا في مستنقع الحربين العراقية والأفغانية، وإنشغال ايهود أولمرت وسواه من رؤساء الأحزاب الإسرائيلية بنتائج تقارير لجان التحقيق في هزيمة الجيش الإسرائيلي وأخطاء قادته في حربه العدوانية الأخيرة علي لبنان. إذْ تبدو إمكانات ردود فعل خارجية قاسية علي الخطة التكاملية الإنتقالية مستبعدة، فإن مزاياها الإيجابية يمكن ان تتجلي علي النحو الآتي: نجاح قوي المعارضة في السيطرة علي المشهد السياسي والمرافق العامة في محافظات الجنوب والبقاع وبيروت وأقضية زغرتا والكورة والبترون وجبيل وكسروان والمتن الشمالي وبعبدا، مع ممارسة حضور مؤثر في مدينة طرابلس وجزء كبير من قضاء عكار. سيطرة قوي المعارضة علي الشرايين الاقتصادية الخمسة الأكثر أهميـة في البلاد وهي طريق بيروت ـ دمشق، وطريق بيروت – الحـدود السورية في الشمال، ومطار بيروت الدولي، ومرفأ بيروت، ومصرف لبنان المركزي، والتحكم تالياً في حركتها الاقتصادية والمالية. أرجحية بقاء الجيش وقوي الأمن الداخلي موحدة وقابلة للتعامل الايجابي مع قوي المعارضة في المناطق الخاضعة لسيطرتها المدنية بسبب حضورها الشعبي والسياسي القوي في تلك المناطق. إضطرار الهيئات الاقتصادية عامة والتجار خاصة إلي التعامل مع قوي المعارضة تحت ضغط مصالحها الذاتية من جهة وإستتباب السيطرة لقوي المعارضة في مناطق حضورها السياسي والشعبي من جهة أخري. ينجم عن العوامل الأربعة المار ذكرها نشوء ضغوط قوية متصاعدة علي حكومة السنيورة وقوي 14 آذار المساندة لها قد تدفعها إلي التسليم بضرورة التوصل مع قوي المعارضة إلي مصالحة مشرفة، تزول نتيجةً لها حكومتا 14 آذار والمعارضة، وتحلّ محلهما بالتوافق حكومة وحدة وطنية لتحقيق مهام إنتقالية محددة سبق ذكرها. إن استمرار الوضع الراهن، المأزوم والمضطرب، يهدد البلاد والعباد بأخطار أمنية وسياسية، والاقتصاد بالإنهيار، والوطن بالإنقسام والتقسيم. ما من شك ان الصلح سيد الأحكام، وان التوصل إلي تسوية سياسية مشرفة إنجاز تاريخي بكل المعايير. لكن العجز عن توليد إرادة الفعل والخلاص لا يعالج بإستمرار الوضع الراهن ولا بإجراء قفزة في المجهول اسمها العصيان المدني بل بمصارعة النظام الطائفي المركانتيلي الفاسد والتغلّب عليه. أجل، ليكن الإصلاح غالباً والنظام الفاسد مغلوباً، ولنجترح تسوية تاريخية تضع الشعب والبلاد علي طريق الوحدة والديمقراطية والعدالة والتنمية والإبداع. ثمة ادوار تبحث عن أبطال، وقد آن الأوان.9