الثقافة الإسلامية هي المنطلق والهدف

حجم الخط
0

الثقافة الإسلامية هي المنطلق والهدف

د. محمد علي فخروالثقافة الإسلامية هي المنطلق والهدفاستمعت لمحاضرة ألقاها مفكر عربي بارز أنحي فيها باللائمة علي الحداثيين العرب، سواء أكانوا قوميين أم يساريٍين أم ليبراليين، لفشلهم الذريع في عرض أفكار وقيم ومناهج الحداثة علي المجتمعات العربية بصورة مقنعة ثم في فشلهم في تطويرها وتطويعها وتجديدها وإخراجها من سجن التقليد الأعمي لحداثة الغرب. ثم بالطبع عرج المحاضر للحديث عن الإسلاميين، بكل أطيافهم وتلاوينهم، فانتقد فكرهم وممارساتهم وخطابهم وتعاملهم مع قضايا المجتمعات العربية بجمود وبفكر متخلف. إنها أحكام قاسية ولكن يشهد علي أهميتها وجديتها الضياع الذي تعيشه مجتمعات الوطن العربي في حقول الأمن والسياسة والاقتصاد والثقافة.غير أني، وأنا أستمع للمحاضر شعرت بأن الضياع لايقتصر علي مجتمعاتنا فقط وإنما يمتد، وبصورة أكبر وأعمق وأفجع، إلي قسم كبير من المفكرين العرب أنفسهم.إن هؤلاء يتعاملون دائما مع كل مكونات الإشكالات السائدة في مجتمعاتنا، تحليلا ونقدا ومحاولات لتقديم بدائل يأخذونها من كل ثقافات وبقاع وتاريخ العالم ثم يطرحونها كمشاريع وصرعات وفقاعات لا أول لها ولا آخر. لكن هل المشكلة الثقافية الأساسية في بلاد العرب هي حاجة تلك الثقافة لتلقيحها بمكونات ثقافات الآخرين، وعلي الأخص مكونات ثقافة الغرب، أم أن هناك أولوية قصوي يجب أن تسبق كل ذلك؟ دعنا نتبع ذلك بسؤال آخر: ما هي الثقافة المهيمنة السائدة في أرض العرب؟ إنها بدون شك الثقافة الإسلامية، سواء للعربي المسلم أم المسيحي. وإذن فإن حل إشكاليات هذه الثقافة، من حيث الجمود والفوضي والإنقسامات، هو المدخل الرئيسي الأبرز والأهم لحلٍ إشكاليات مجتمعاتنا الأخري من سياسية واقتصادية وحضارية وفكرية وغيرها. إن الثقافة الإسلامية متجذٍرة في عقل وقلب وروح الغالبية الساحقة من العرب وبالتالي فان القفز من فوقها أو الدوران من حولها للوصول إلي الحداثة العربية وإلي النهوض العربي هو نوع من إضاعة الجهد والوقت. وسواء أتعلق الأمر بالتحليل أو النقد أو إعادة التركيب والتجديد أو الاستفادة من فكر الغير ونظمهم كما يمارسه المفكرون العرب يوميا كتابة وأحاديث، فان منطلق كل ذلك يجب أن يبدأ من داخل تلك الثقافة الإسلامية وهدف كل ذلك يجب أن يتوجه لحلٍ إشكاليات تلك الثقافة علي مستويات الفكر والفقه والممارسة والقراءة الصحيحة للنصوص المقدسة والتحليل التاريخي الموضوعي والاستعداد لتجاوز الغث إن وجد من أجل تجديد الحيوية وجعل هذه الثقافة حاضنة لكل برامج التقدم والعصرنة والنماء. إن التعامل مع كل تلك المستويات سيتطلب الإستفادة من فكر وثقافات ونظم الآخرين ومن منجزات علوم الفلسفة والاجتماع والإنسانيات والطبيعيات الحديثة ومن استعمال مناهج معرفية حديثة. لكن هناك فرقا بين أن تكون تلك الاستفادة تعمل في فضاء تطوير وتجديد وإغناء الثقافة الإسلامية، ثقافة الشعوب، وبين أن تكون متوجهة إلي فضاءات ثقافية متخيلة أو وهمية أو تهم مجموعات صغيرة من شعوبنا. وبالطبع فان ذلك سيستدعي أن يكون المفكر العربي، الرُاغب في إصلاح أحوال هذه المجتمعات العربية، والهادف لتقديم حلول حقيقية لمشاكلنا الكثيرة، أن يكون ملما إلماما عميقا بالثقافة الإسلامية من جهة وبثقافات الغير من جهة أخري.وسواء أكان المفكر قوميا أم ماركسيا أم ليبراليا أم لاهذا ولاذاك، فانه يحتاج أن يتحلي بتلك المعادلة الصعبة إن كان يريد حقا أن يمارس التنوير الواقعي وليس التنوير المجرد الذي لاصلة له بالمكان ولا بالزمان ولا بالناس. وهناك بالفعل قلة مارست ذلك، وهي تفعل فعلها المتألق المفيد في حياة العرب وبالطبع فليس هؤلاء فقهاء وإنما من المفكرين الإصلاحيين بامتياز.الراغبون في إصلاح إحوالنا يجب أن يدخلوا علماء وفلاسفة ومفكري العالم في فناء ثقافة الإسلام ليحاوروهم وليحاوروا بدورهم علماء ومفكري الإسلام. من هذا الحوار ستخرج أفكار وحلول يفهمها الناس العاديون ويزغردون لها.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية