بدعة حميدة..
سهيل كيوانبدعة حميدة..قبل حوالي ربع قرن وصلتني هذه الرسالة من المحرر الأدبي في صحيفتنا المحلية الوطنية الإتحاد الصادرة في حيفا والتي ما زالت ترفع شعار يا عمال العالم اتحدوا وطبعا لا يشك أحد بالتزامها بقضايا الشعب والطبقة العاملة منذ تأسيسها وحتي اليوم، أنقل فحوي ما جاء في تلك الرسالة بعد التحية الرفاقية أود أن أخبرك بأن قصتك لا بأس بها، ولكن هل يعقل ان تكتب قصة عن شاب وفتاة فلسطينيين يتبادلان رسائل الغرام عبر الشرفات أثناء حظر التجول في المدينة! ثم انك جعلت الشاب يسقط شهيدا من مكان مرتفع أثناء محاولته نقل رسالة عشق لحبيبته وليس برصاص الإحتلال، إنك بهذا تقلل من تضحيات شباب فلسطين الذين يبذلون أرواحهم في مواجهة جنود الإحتلال ! وطبعا لهذه الأسباب (الوجيهة)اعتذر المحررالملتزم عن نشر قصتي! الآن أري من واجبي شكر المحرر لأنه لم يكن ملزما بالرد أصلا، ولكنني أجزم أن التزامه كان زائدا عن حدّه! الطريف أن الذي كان محررا متزمتاً في حينه والذي يدنو من السبعين الآن بدأ مؤخرا بنشر قصص غرامية كما لو أنه استيقظ فجأة وأدرك أن تكسي الغرام قد فاته! ما قاله المحرر في رسالته التي كنت اتمني لو احتفظت بها ينطبق علي كثير من الواعظين الذين شنوا هجومهم علي ما يسمي عيد الحب! بالطبع لدي هؤلاء ترسانة لا تنتهي من الإسئلة الإستنكارية المشابهة لتساؤلات المحرر! كيف تحتفلون بالحب..والعراق.. كيف وفلسطين…كيف ولبنان…كيف والأمة…الشهداء..الجوع.الفقر..الإقتتال..الفتنة..القدس..ولولا الحياء لأتهموا العشاق بأنهم السبب في خراب البنية التحتية في معظم القري والمدن العربية خصوصا بعد الشتوة الأولي! لست من أنصار التقليد الأعمي لا لغرب ولا لشرق ولا حتي لبعض تراثنا، ولا يهمني ما سمي عيد الحب بشيء، ولكن هل يستحق الأمر تخصيص خطب الجمعة في كثير من المساجد لمهاجمته! ولماذا يتضايق هؤلاء الخطباء من كلمة حب أو وردة أو حتي ساندويتش يهديه الحبيب لحبيبه! الحقيقة أن هؤلاء الخطباء لم يسلم من هجومهم من قبل لاعيد العمال ولا يوم المرأة العالمي ولا يوم الطفل ولا حتي فايزة أحمد التي غنت لست الحبايب! وطبعا عيد العشاق هو الأسهل للهجوم، فكلمة عشق يطرب لها الخطيب وتحمله علي أمواج خطبة عصماء يتجلي فيها ويبرز مواهبه! بعد الهجوم المرعب علي جوقة العاشقين يتم التأكيد بعدم حاجة العرب والمسلمين لمثل هذه البدع لأن حقوق العامل والمرأة والطفل والأم وحتي العاشق موجودة في صلب ممارستنا اليومية! حاولت أن أصدق ولكن معدتي لم تهضم…هذا الذي يمارس الحب في حياته اليومية ولا يحتاج للبدع أكد لجمهورمن المسلمين السّنة في الخطبة التي سبقت خطبة ( الحب) أن بعض أئمة الشيعة أفتي بأن من يقتل مسلما سنياً يتقرب الي الله! طبعا الكثير من المؤمنين لم يصدقوا أن تكون هذه نوايا مبيتة ضد السنة عند حسين مروة والسيد نصر الله وأبطال المقاومة ولا حتي محمد سعيد الصحاف ولكن لا شك أن بعض السذج صدقوه، هذا الذي لا يحتاج للحب يدلق زيتا علي نار فتنة تأكل الشيعي والسني ومشتقاتهما ملتقيا بل متعانقا بهذا مع من يصفهم بطاغوت العصر في الخطبة نفسها! أما الخطيب الآخر الذي حظيت بسماعه مهاجما (يوم الحب) ووصف المحتفلين به بالميوعة والتحلل، فقد استوحي خطبته من حوادث الإعتداءات الجنسية المتكررة المنتشرة من قمة الهرم الإجتماعي ممثلة برئيس دولة اسرائيل وحتي صاحب البقالة في حارته الذي اعتدي علي طفلة في العاشرة ! الحقيقة انني استبشرت خيرا في مطلع خطبته! ولكنه ما لبث أن اتهم النساء والفتيات بأنهن بتصرفاتهن ولباسهن يغرين الذكور بالإعتداء عليهن وحتي باغتصابهن معتبرا أن ما يحدث في الواقع هو اغتصاب النساء للرجال مسبلا عباءة تفهمه علي المعتدين منتصرا لقبائل الذكور علي الجنس النسوي! ما سمي بعيد العشاق لا يهمني كثيرا ولكن ما هو السييء بكلمة ود طيبة أو زر ورد جوري! ولم هذا الرهاب من بدعة يوم الحب الحميدة! في مساء هذا اليوم جلست أنا وأسرتي أمام التلفزيون نشاهد فيلما قديماً بالأسود والأبيض! استغرقت خلاله في حديث للأولاد عن الموسيقي العربية الأصيلة وعمالقة الغناء والكلمة واللحن الأمر الذي أدي الي نعاسهم، والنعاس عندهم يعني الذهاب الي الحاسوب، طبعا لإرسال واستقبال رسائل الكترونية بلا شك غنية بالمشاعر والعواطف! هؤلاء الشبان أبناؤنا وأمثالهم سبق ونظرإليهم البعض كإمعات واتهمهم بالتحلل والإنحراف ووصفوا بجيل الأراجيل والإنترنت، فاجأونا وفاجأوا العالم في الإنتفاضة الثانية بتنظيمهم وشجاعتهم واستعدادهم للتضحية والمواجهة ربما أكثر من أجيال سبقتهم! إنهم هم أنفسهم الذين يتفاعلون مع قضايا شعبهم وأمتهم، وهم الذين يعتزون بانتمائهم بهدوء وبدون صراخ، وهم العشاق أنفسهم أصحاب الأنفاس والمشاعر الرقيقة السامية التي ترفض الظلم والضيم! ولكن علينا الإستيعاب بأن زماننا ليس زمانهم! فهم ما عادوا بحاجة لتسلق الجدران والسطوح والمخاطرة بحياتهم لتوصيل رسالة حب سواء كان أم لم يكن التجول أو الحب محظورا! كاتب من فلسطينQMK0