حكايات من البر الإنكليزي: لا ما رأيت ولا سمعت
جمعة بوكليبحكايات من البر الإنكليزي: لا ما رأيت ولا سمعتفي السنوات الأولي من وصولي وإقامتي بلندن لم تتح لي الفرصة لحضور حفل زفاف إنكليزي، وكل ما عرفته عن الأعراس الإنكليزية كان عن طريق الكتب أو أفلام السينما والتلفزيون، لذلك ابتهجت كثيراً حينما وصلتني بطاقة دعوة من صديق ليبي لحضور حفل زفافه علي سيدة إنكليزية. كان صديقي يصغرني في العمر ولم يسبق له الزواج، وتعرفنا ببعض عن طريق صديق ليبي آخر كان يشاركه الإقامة في شقة من حجرتين بمنطقة إيرلزفيلد. وكنت في تلك الفترة أعمل في منطقة خارج لندن. قبل الحفل بأيام تلقيت مكالمة هاتفية من صديقنا المشترك. قال لي اريد ان أخبرك بشيء وأتمني ان يكون بيني وبينك فقط. قلت في نفسي يا ستار إستر، وأجبته أن سره في بئر، وطلبت منه أن يفتح الكيس ويكركب ما بداخله من بطاطا. قال أن صديقنا العريس يواجه مشكلة عويصة جداً وأن الأمور لا تسير بينه وبين زوجة المستقبل علي ما يرام، وبالعربي الفصيح قد يلغي العرس والخطوبة والزواج. سمعتني أقول تلقائياً يا ستار إستر شنو اللي صار؟قال لي: الحكاية وما فيها أن العروس كاثوليكية وأنها لا تريد زواجاً مدنياً حسبما كنا نعتقد، في حين رفض صديقنا، كمسلم، قبول الزواج في كنيسة وبمباركة قس. لذلك اتصل بي طلباً للمشورة، لأن صديقنا العريس في حالة غير عادية من الانزعاج والحيرة لأنه يحب خطيبته جداً لكنه لا يقبل فكرة إرضائها بتحقيق ما طلبته منه وتمنته عليه. التزمت الصمت للحظة ثم طلبت منه أن يعطيني بعض الوقت كمهلة حتي أتدبر الأمر ثم أبلغه رأيي. وضعت الهاتف في مكانه، وجلست علي الكنبة الوحيدة في حجرة الجلوس والطبخ والنوم والأكل. فكرت في المعضلة لبعض الوقت وحاولت تقليب الأمور من تحت لفوق ومن فوق لتحت لكنني لم أر بصيصاً من ضوء في آخر النفق. كانت معضلة حقيقية ومن النوع اللي يدوّخ ويحيّر وما يخليش النوم يقرّب منك. في اليوم التالي وأنا أتهيأ لمغادرة مقر سكناي إلي عملي رن جرس الهاتف وحين رفعت السماعة لأجيب جاءني من الطرف الثاني صوت صديقي العريس. كان صوته مشروخاً وباعثاً علي الحزن. بعد السلامات قال لي أنه لم ينم لعدة أيام، وأن كل ما وصل إليه من حلول تؤدي إلي دروب لا يشتهيها ولا يودها، وأكد لي أنه علي استعداد لفعل أي شيء يرضي خطيبته باستثناء هذا الطلب. قلت له أنني شخصياً فكرت بالموضوع ليلة البارحة ولم اصل إلي حل لذلك يتوجب علينا اللقاء ودعوة أصدقاء آخرين لنا لنتدبر الأمر ونصل إلي حل يرضيك ويرضيها. قال لي فكرة طيبة لكن علينا تدبر اللقاء في أقرب وقت لأن موعد العرس ليس بعيداً. اتفقنا أن أزوره في شقته مع صديقين آخرين في نفس مساء اليوم، علي أن يقوم هو بدعوة صديقين آخرين. حين وصلت شقته ذلك المساء وجدت قرابة عشرة اشخاص أمامي جالسين في كل مكان يحتمل الجلوس، وأحسست للحظة كأنني في مؤتمر شعبي. سلمت علي الجميع ولم أجد مكاناً للجلوس فتطوع العريس بالتخلي عن كرسيه لي وظل واقفاً. بدأت الجلسة سريعاً وسرعان ما التهب النقاش بين مؤيد ومعارض وإن كان أغلب الموجودين من المعارضين للزواج في الكنيسة. وشخصياً لم أكن اقبل فكرة الزواج لا في الكنيسة ولا في الجامع، لكني لم اجد في كل النقاش الذي سمعته سوي ضجيج كطنين النحل، لا يزعج فقط بل قد يخيف. وحاولت قدر جهدي أن أدعو الحاضرين للالتزام بشيء من النظام لأننا كنا في الحقيقة نتكلم في نفس الوقت وبنفس حدة الصوت. أخيراً تفتق ذهن أحدنا علي فكرة اعتبرتها شخصياً غير عادية ووافقت عليها. الفكرة هي أن يقبل صديقنا الزواج في الكنيسة شرط أن تقبل العروس بعد ذلك الزواج في المسجد. قام العريس من فوره وخاطب خطيبته هاتفياً وأبلغها بالأمر. أجابته أن لا أعتراض لديها وأنها مستعدة للذهاب معه إلي المسجد وعقد قرانهما علي الطريقة الإسلامية. عقب ذلك تم الاتفاق فيما بيننا علي من سيرافق العريس إلي الكنيسة، ثم احتفلنا جميعاً بما تحقق وودعنا بعضنا وانصرفنا. في اليوم الموعود سارت الأمور علي ما يرام، ابتدأنا بالكنيسة، ومررنا علي المسجد، ثم انتهينا في المساء في صالة فخمة وجميلة حيث اجتمع الضيوف والمعازيم مع العريس والعروس واهلهما. بدأت مأدبة العشاء، ولم تكن فاخرة لكنها كانت معقولة وشهية. وتم تبادل الكلمات والأنخاب أثناءها، ثم تحول الجميع إلي صالة اخري مخصصة للرقص. كان معظم الحاضرين من المعازيم الليبيين من المتزوجين بانكليزيات أو غيرها من الجنسيات الأوروبية، وحين بدأت الفرقة الموسيقية تعزف ألحانها امتلأت الساحة المخصصة للرقص بالراقصين. كنت واقفاً قريباً من ساحة الرقص متفرجاً ومستمتعاً بالالحان وبالغبطة التي تسري في ارتعاش واهتزاز أجساد الراقصات. عقب حوالي ساعة بدأ المعازيم من الرجال الليبيين يختفون من الصالة واحداً تلو الآخر عزاباً ومتزوجين ولا يعودون. واصل الانكليز الرقص مع نسائهم في حين بدأت زوجات الليبيين في الرقص مع بعضهن لبعض الوقت ثم تركن ساحة الرقص كلية. لاحظت العروس ذلك، وسألت زوجها عن السر في اختفاء أصدقائه من الليبيين تاركين زوجاتهم لوحدهن. اقترب العريس مني وأسر لي بحيرته وطلب مني أن أساعده بأن افتش عنهم وأحضرهم من جديد إلي الصالة. لم يكن أمامي من حل سوي القيام بالمهـــمة، تركت مقعدي متــــثاقلا، شاتماً في سري سلسفيل جدودهم. غادرت الصالة إلي الحديقة الخارجيـــــــــة، نظرت يميناً وشمالاً فلم تصطد عيناي أياً منهم. نزلت الدرجات الرخامية وبدأت أطوف في ارجاء حديقة الفندق الكبيرة حتي وصلت محطة وقوف السيارات، وبدات أدور علي السيارات حتي وقعت عليهم جالسين في ثلاث سيارات متجاورة، اربعة في كل سيارة، اقتربت من السيارة الاولي ففتح لي أحدهم النافذة ففاحت في أنفي رائحة حشيش قوية ونفاذة. أبلغتهم بشيء من ضيق أن العريس محرج من غيابهم وان عليهم ترك ما يفعلون والعودة إلي الصالة. قال لي أحدهم: غني . قال آخر: قالك رد للصالة . قال الأول: خش دوخ معنا خيرلك . وانطلقوا جميعاً في ضحك هستيري وإطلاق تعليقات مسطولة مثلهم. عرفت أن الحكاية معاش فيها، وقررت أنه من الأفضل لي أن أعود وابلّغ العريس بما رأيت، وفي الأخير شرك وجي في الحجر. عدت أجرجر خطاي، ومتأبطاً أسفي إلي صالة الحفل وحين رآني العريس أقبل نحوي سريعاً فأبلغته بما رأيت. استمر الحفل والموسيقي والرقص وكأن شيئاً لم يكن.بعد حوالي نصف ساعة وأنا جالس علي مقعدي مستمتعاً بالموسيقي والرقص، رأيت العروس قادمة نحوي، فنهضت من مقعدي احتراماً. قالت لي بشيء من قلق وحيرة: هل رأيت خالد؟ . ظننت أنها تقصد خالداً آخر فقلت لها أنه غادر الحفل إلي بيته. قالت لي: أقصد خالد زوجي . بحثت عيناي في كل أرجاء الصالة فلم ار له خيالاً. قلت لها سأذهب للبحث عنه.وأنا أهم بمغادرة صالة الحفل، مررت بصديق ليبي آخر، كان واقفاً خارج الصالة، فسألته ان رأي العريس. رد عليّ بعفوية وتلقائية: قاعد يحشش مع الجماعة .هذه المرة لم ارتبك ولم اتردد كل ما ادريه أنني وجدت قدميّ تقودانني باتجاه البوابة الخارجية للفندق. كاتب من ليبيا QMK0