الاردن: محاولات محمومة لاستغلال هاجس خوف الدولة من الاسلاميين.. ومناورة احياء وزارة الاعلام رسالة ضد الاصلاحيين
الاردن: محاولات محمومة لاستغلال هاجس خوف الدولة من الاسلاميين.. ومناورة احياء وزارة الاعلام رسالة ضد الاصلاحيينعمان ـ القدس العربي : ما فعله امس الاول داخل قبة البرلمان الاردني كل من عبد الرؤوف الروابدة السياسي المحنك وعبد الكريم الدغمي النائب المخضرم لا يمكن عزله علي الاطلاق عن تفاعلات المشهد السياسي في لحظاته الاخيرة في المملكة، فاستغلال الرجلين لنقاش سريع حول قانون المطبوعات وتمكنهما من اعادة فتح ملف الغاء وزارة الاعلام هو باختصار رسالة سياسية ارسلها المحافظون لعدة جهات دون تحديد العنوان الرئيسي لهذه الرسالة وهو عنوان يخص بشكل واضح منهج وفكرة التغيير والاصلاح والتحديث في البلاد. وما فعله الروابدة والدغمي يتجاوز اطار الاقتراح السريع فهو علي الاغلب مدروس بعناية وعلي الارجح لاقي تجاوبا له علاقة بترتيبات سابقة مع اركان اخرين في البرلمان وجدوا ان الفرصة مناسبة ليس لتأجيل النقاش بقانون المطبوعات والنشر فقط ولكن مناسبة لانتاج وقفة واظهار استعراض للقوة، والاهم مناسبة لقول كلمة نحن هنا لمن يهمه الامر وتحديدا من صناع القرار. وكان النائبان المخضرمان قد نجحا بحركة خاطفة ساندهما فيها عن بعد حلفاء من النواب المهمين فيما عجز المعسكر المحافظ طوال السنوات الخمس الماضية عن انجازه وهو ايصال الجميع لنقطة يشعر فيها النظام وليس الشارع بان الغاء وزارة الاعلام كان خطأ في البعد الاستراتيجي وفي البعد السياسي ايضا وبان تجاوز لاعبين اساسيين من المحافظين في سياق التحضير للانتخابات المقبلة مسألة مكلفة وقد تؤدي لاعادة البلاد حصريا علي مسار الملف الاعلامي لخمس سنوات الي الوراء علي الاقل. وكان الروابدة والدغمي قد انجزا تحولا سياسيا وتشريعيا مثيرا للجدل والضجة فاجآ فيه جميع الاطراف عندما خلقا واقعا يربط ما بين التراجع عن الغاء وزارة الاعلام كخيار سياسي وبين النقاش في حيثيات قانون المطبوعات والنشر. وتسبب الذكاء الميداني للرجلين بتوقيف عقارب الساعة السياسية بخصوص ملف الاعلام كملف سياسي مهم وله علاقة بالحريات عندما اقترحا تأجيل النقاش في قانون المطبوعات، داعين الحكومة الي احياء وزارة الاعلام الملغية متذرعين ببعض الاشكالات ذات الصلة بمسألة ترخيص المطبوعات ووجود جسم مركزي يشرف علي الاعلام ويراقبه. وكان يمكن لهذا الاقتراح ان لا ينتهي كما انتهي فعلا المشهد لكن انطلاقه من الروابدة وهو الاكثر حنكة في البرلمان اسس لرسالة سياسية جديدة يرسلها تيار في البرلمان خلال الدورة الاخيرة، وما حصل ان الروابدة اقترح ووجه الكرة التي استقبلها الدغمي فاكمل الهجمة قبل ان يصفق بعض الحضور للمقترح وتتجاوب معه بعض الشخصيات ليخلق مشهدا جديدا سياسيا بامتياز يدعو الدولة وصناع القرار للتراجع عن الغاء وزارة الاعلام. والمعلوم ان الروابدة كان قد وقف بقوة ضد خيار الغاء وزارة الاعلام ابان حكومة علي ابو الراغب فيما يعتبر الجسم المدني والحقوقي في المملكة ان الغاء هذه الوزارة كان منجزا ديمقراطيا وفكرة انبثقت اصلا من عمق الرؤية الملكية للاعلام المفتوح مما يعني تلقائيا ان تحالفا ما داخل مجلس النواب قرر علي نحو او اخر التعارض مع هذا المنجز والتقاطع بالنتيجة مع الرؤية الملكية واعادة الامر برمته الي ما كان عليه ايام وجود وزارة الاعلام كجسم مركزي يراقب كل شيء ويتدخل في عمل الصحافة والصحافيين. ويبدو هنا ان مجهودات الروابدة والدغمي وحلفاءهما لها علاقة بالضرورة بمستوي الانحيازات والاستقطابات المنتشرة بكثافة هذه الايام في كل مستويات النخبة والقرار في البلاد، خصوصا وان اعادة البوصلة للوراء واجبار الجميع علي العودة لمعركة وزارة الاعلام من حيث وجودها او عدمه مهمة ليست سهلة وتتطلب الكثير من الجهد والدهاء السياسي المتوفر بكل الاحوال في شخص بمواصفات الرئيس الروابدة. ويبدو ان الاخير وشركاءه في المشهد الجديد لديهم مبررات قوية حفزتهم في هذا الاتجاه ودفعتهم للرهان والمجازفة علي شكل اقتراح سريع في سياق نقاش حول قانون، رغم ان المسألة تتعدي ذلك بكثير وتطال سلسلة المنجزات الاعلامية التي تحققت في السنوات الاخيرة بفضل الغاء وزارة الاعلام وقبل ذلك بفضل وجود برنامج اعلامي ملكي شفاف وواضح ومعلن يعتبر السماء سقف حرية الاعلام ويرفض علنا مبدأ حبس الصحافيين وينتقد علنا ايضا ضيق صدر السياسيين والمسؤولين من انتقادات الصحافة ودورها ويحرض في الوقت نفسه علي قول الرأي الآخر والمشاركة ويحث علي الانتقاد الايجابي. ولهذه المجازفة بكل تأكيد اسبابها بالنسبة لاصحابها وما يتردد في هذا الاطار يشير لان التناغمات التي حصلت مؤخرا ما بين دعم مؤسسة القصر الملكي لفكرة اعادة انتاج التجربة الحزبية وتوحيد واندماج الاحزاب وما بين محاولة رئيس المجلس النيابي عبد الهادي المجالي التقدم بمبادرة فردية لقيادة جبهات الوسط بشكل موحد.. هذه التناغمات لم تعجب في ما يبدو الرئيس الروابدة الذي يشعر المقربون منه بالعزلة احيانا والتناغمات نفسها لا تعجب منافسين اخرين للمجالي داخل مجلس النواب يرون انفسهم اندادا له.وبالتالي ما يمكن قوله باختصار هو ان العودة للعبة وزارة الاعلام بالشكل الذي حصل سلوك لا يمكن عزله اولا عن سياق التراتبية والتنافس بين اللاعبين الابرز داخل البرلمان، وثانيا لايمكن عزله عن سياق حمي الاستقطاب والاستقطاب المضاد المنتشرة الان في البلاد علي شكل جبهات مقترحة او مشاريع اندماج وتوحد معروضة في الواقع علي الحكم قبل الناس تحت عنوان الاستعداد لايجاد وتشكيل اطار وسطي بديل عن الاسلاميين او لمواجهتهم. اذا وفي الاستخلاص النهائي لم يعد خارجا عن المألوف القول بان الدعوة لاعادة احياء وزارة الاعلام مناورة سياسية بامتياز لها علاقة بصراعات النخب وانحيازات المؤسسات المرجعية وهي دعوة لها ايضا علاقة بمبادرات التجمل التي يقترحها الان علي الدولة وصناع القرار قادة وسياسيين وزعماء وسطيين يحاولون استغلال هواجس الدولة تجاه الاسلاميين. ومن الواضح ان هذه المناورة قد تفشل وقد تنجح لكن من الثابت ان موقف المرجعيات منها ومن رموزها سيشكل في الاسابيع القليلة المقبلة عنصر الحسم الاساسي الذي سيحدد مستقبل الفكرة لكن من الثابت الان ان صورة الحكومة الغائبة عن التفاصيل قد تكرست اكثر بعد ان فوجئت الوزارة قبل غيرها بمناورة الروابدة والدغمي، ومن الثابت ان هذه المناورة المفاجئة وبعيدا عن خلفياتها نجحت في قرع جرس الانذار بوجه الاصلاح والتغيير مؤقتا ونجحت ايضا في تعطيل ملف قانون المطبوعات.