من وحي ذكري رحيل أمير المجاهدين محمد بن عبد الكريم الخطابي (1882ـ 1963)
كان متشبعا بروح المقاومة وشروط النهضة في آن واحد وراهن علي دحر الاحتلال الاسبانيتعتيم علي المقاومة في الريف فهل قدر للمجاهد الخطابي أن يعيش في المنفي حيا وميتا؟من وحي ذكري رحيل أمير المجاهدين محمد بن عبد الكريم الخطابي (1882ـ 1963)مصطفي زيانصانع مجد الريف وبطل حرب الريف التحريريةفي فاتح رمضان المبارك 1382هـ، الموافق 6 شباط (فبراير) 1963م، رحل عن هذا العالم عبقري فذ من عباقرة المقاومة، في أخلاقه وسياسته ودبلوماسيته، ونضاله وعلمه،… و بجهاده ونبله بهر الرجل أعداءه قبل أصدقائه، ونال إعجاب المؤرخين و الباحثين وكل من اطلع علي سيرته وملامحه.توفي الخطابي بمنزله بالقاهرة، حيث أقيمت له جنازة كبيرة حضرها العديد من كبار الشخصيات وعلي رأسها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.وليس كل هذا بكثير علي المجاهد الخطابي، وهو الذي تربي علي المقاومة منذ صغره في بيت والده المجاهد عبد الكريم الخطابي، الذي لقنه روح الجهاد والعلم، وتابع جهاده إلي أن توفي رحمة الله عليه.وليس بغريب علي الخطابي الابن أن يكون كذلك، وهو الذي ينتمي إلي منطقة الغرب الإسلامي التي أنجبت مجاهدين من الطراز الرفيع أمثال طارق ابن زياد، ويوسف بن تاشفين ويعقوب المنصور الموحدي، وأحمد المنصور الذهبي، والأمير عبد القادر الجزائري، وعمر المختار، وغيرهم…وقد شهدت له أوروبا بذلك، عندما تبنت بعض معاهدها العسكرية نظريته في حرب العصابات التي استفاد منها القاصي والداني، الحرب غير النظامية التي دوخت المحتلين، و تبناها زعماء الحركات التحررية في آسيا وأمريكا الجنوبية أمثال تشي غيفارا و هوشي منه….كان أمير المجاهدين محمد بن عبد الكريم الخطابي، متشبعا بروح المقاومة وشروط النهضة في آن واحد، حيث راهن في البداية علي دحر الاحتلال الاسباني، ثم علي إشاعة القيم الإسلامية، والعلم والعمل المتواصل لبناء منطقة الريف اجتماعيا واقتصاديا.ذاكرة الخطابي، والتعتيم المستفز هل قدر للمجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي أن يعيش في المنفي حيا وميتا، وإن كنا لا نعتبر مصر منفي له، لأنها استقبلته وآوته ومنحته حرية لم تمنح له في بلده، حيث قضي الرجل حياته بين الجهاد ومرارة النفي في جزيرة لارينيون والقاهرة، إلي أن لقي ربه، وها هو الآن، يطوي ذاكرته النسيان في إعلامنا التافه الرديء ومناهج تعليمنا الضحلة. فأين إعلامنا الرسمي من ذاكرة المجاهد الخطابي؟، وأين مناضلو الأمس الذين كانوا لا يسأمون من الحديث عن التعتيم الإعلامي الذي يطال ذاكرة الرجل ونضاله من أجل حرية وكرامة بلاده وشعبه؟ وأين دروس التاريخ والجغرافيا؟ وأين المهرجانات؟ وأين الجمعيات؟ وأين.. وأين؟ ! ألا يخجل المعنيون وهم يبذلون مجهودات جبارة ماديا ومعنويا، لإحياء مهرجانات موسيقية وفولكلورية في جل مناطق المغـــــرب، ولا يجهدون انفسهم في إحياء ذاكرة المقاومة الريفية، وإنشاء مراكز أبحاث ودراسات لتوثيق تراث المقاومة، وكذا إعداد أفلام وثائقية وتشجيع المخرجين السينمائيين علي إخراج أفلام حوله؟ لماذا لم تكلف وزارة الثقافة نفسها عناء ترميم و إعادة ذاكرة مقر القيادة العليا للمجاهد الخطابي و الموجود بمسقط رأسه بأجدير، و الذي كان مزارا للعديد من الشخصيات السياسية و الصحافية و العسكرية العالمية؟. ألا يخجل هؤلاء من الحرص الشديد لمؤسسات أمريكية وأوروبية وآسيوية علي إحياء تراث الخطابي، من خلال إعداد دراسات وأبحاث ومؤلفات وأطروحات جامعية، في حين يهملونه هم إما عمدا أو لامبالاة؟ ألا يخجل هؤلاء، من إسبانيا المستعمرة يومها، وهي اليوم تسعي جاهدة في التعريف بالخطابي العدو اللدود و الكابوس لأطفالها بالمدارس؟، و إن كان ذلك بطريقة لا نتفق معها. إن صيت الرجل قد عبر الحدود والمحيطات رغم التهميش واللامبالاة والتعتيم، وأضحي درسا نموذجيا لن ينسي أبد الدهر، هل يمكن للمرء أن ينسي ملاحم أنوال، وأدهار أبران، وسيدي ابراهيم، وإغريبن والعروي و غيرها من الملاحم؟، كلا إنها ملامح للماضي و الحاضر و المستقبل.الخطابي، وإعادة الاعتبارمضي وقت علي إعلان مسؤولي الهيئة عن عزمهم إعادة رفات المجاهد محمد عبد الكريم الخطابي إلي وطنه، وقد ذهب أحدهم آنذاك إلي القاهرة للتفاوض مع أبناء الخطابي في الموضوع، وتم الاتفاق من حيث المبدأ علي ذلك، دون التوصل إلي تفاصيل عملية، فقضية المجاهد، كما يقول نجله سعيد الخطابي في استجواب له مع المجلة الفرانكفونية تيل كيل عدد 210، بتاريخ 28 كانون الثاني (يناير) ـ 3 شباط (فبراير) 2006: لا يمكن معالجتها باعتباره ضحية من ضحايا سنوات الرصاص، أو ما بعد الاستقلال… إنها قضية لها وزنها ورمزيتها ، لكن الابن سعيد الخطابي يقر بأن ملف والده قد عرف تقدما ملموسا منذ زيارة جلالة الملك محمد السادس إلي الريف.ولا شك أن جميع المغاربة سيكونون سعداء إذا ما تم نقل رفات المجاهد الخطابي إلي بلده، والكل يتمني أن يتم ذلك طبعا بعد القيام بالإجراءات التالية:ـ مطالبة الدولة المغربية لإسبانيا وفرنسا بالاعتذار عن مرحلة الاحتلال، وعن استعمال الغازات السامة والأسلحة المحظورة.ـ إن المصالحة الحقيقية تتجسد في إنهاء سياسة التهميش ضد منطقة الريف وإرجاع كرامة أهلها، وإدماجها اقتصاديا وإداريا… ـ الاعتناء بتراث المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، عن طريق إحداث مركز للدراسات والأبحاث ومتحف يليق بمكانة الرجل.ـ إعادة كتاب تاريخ المغرب، خاصة المتعلق بالمقاومة الريفية.ـ ضرورة رد الاعتبار لحرب الريف التحريرية إعلاميا وتعليميا وفنيا.ـ تجاوز سلبيات الماضي من أجل خدمة المستقبل.الخطابي ما زال حيا في ضمير الأمة لقد غادرنا المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي بجسده، لكن فكره ونضاله وعبقريته ظلت وستظل نبراسا لكل أبناء المغرب ولكل الأحرار في العالم.وفي هذا الإطار، نترك كريمة المجاهد الخطابي السيدة عائشة الخطابي تروي لنا كلمة عظيمة قالها والدها رحمه الله قبل تحقيق النصر في معركة أنوال الخالدة: أنا لا أريد أن أكون أميرا و لا حاكما وإنما أريد أن أكون حرا في بلد حر، ولا أطيق سلب حريتي أو كرامتي .أما بعد الانتصار، فقال في اجتماع مع رجال الريف الذين توافدوا عليه بأعداد غفيرة يريدون إعلانه سلطانا، قولته الشهيرة، لا أريدها سلطنة ولا إمارة ولا جمهورية ولا محمية، وإنما أريدها عدالة اجتماعية، ونظاما عادلا يستمد روحه من تراثنا . وتضيف كريمته معلقة، بأن هذه الكلمات المأثورة عن الأمير نقلها عنه رفيق دربه المجاهد بوجيبار في مذكراته.وأختم هذه الورقة بما سجلته صحيفة ديسلدوفر ناخريشتن يوم 27 ايار (مايو) 1929 تحت عنوان (نهاية عبد الكريم): إن تعاطف كل أوروبا يرافق، في المعسكر الفرنسي، الزعيم الريفي البطل الذي كان لمدة سنين طوال من الكفاح روح حركة التحرير في القبائل المغربية، تأسفنا شديدا لانهزامه، ليس علي أساس أنه كان عدوا لفرنسا، ولكن لأنه كثيرا ما حقق انتصارات من أجل الدفاع عن حقوق شعب مضطهد، رغم التفوق الهائل لقوات دولتين أوروبيتين كبيرتين .باحث في تاريخ المقاومة الريفية7