النظام الثقافي العربي!

حجم الخط
0

النظام الثقافي العربي!

خيري منصورالنظام الثقافي العربي!بدءاً، وبلا أية مقدمات، لديّ استعداد لأيّ رهان حتي لو كان من طراز شوبنهاور في المطعم البريطاني الذي لا يتحدث رواده الا عن الخيل والنساء.اذا كان هناك من يستطيع تقديم فارق واحد بين النظام السياسي العربي بكامل اوصافه المعروفة والمحفوظة عن ظهر قدم وبين النظام الثقافي العربي الذي نحار في تصنيفه كتوأم للنظام السياسي او كإبن بكر له …كلاهما أنتج الآخر بهذا القدر أو ذاك، والقاسم المشترك بينهما يتجاوز الخطوط العريضة الي أدق التفاصيل بدءا من الوظيفة بكل ارتهاناتها وانتهاء بالتحوّل الي ببغاء ينتهي دورها عند ترديد الصدي! في النظام السياسي العربي، تحققت الوحدة العربية المحلوم بها والمنشودة لكن علي غير ما تشتهي السفن الورقية التي لم تجد حوض ماء تبحر فيه!تحققت سلبيا من خلال نزع الحريات، والتفنن في تشييد السجون وتضييق الزنازين، وفي عسكرة كل شيء حتي العشب وتحويل الحدائق العامة الي ثكنات وخنادق، لكنها ليست من أجل الدفاع او الحروب، بل هي كما وصفها الراحل الماغوط تمتليء بالغبار وبول المارة والمشردين.في النظام السياسي يحظر الحوار لصالح التنفيذ، ويتقاضي الناس أجورهم علي الصّمت والبطالة لا علي العمل، فهو ممنوع ان لم يكن تسبيحا بحمد اولي الأمر الذين تحولوا بفضل فائق القمع الي أولي القهر.وفي النظام الثقافي يتخلي الموظف عن وعيه إن وجد كي يتأقلم مع سدنة المؤسسات الذين لا يفرق بعضهم بين الألف والعصا كما يقال، لأن الأمية ليست حكرا علي المفهوم الأكاديمي، انها سياسية وثقافية بالمعني الدقيق! فهو يري بعيون أولياء النعمة لا بعينه ، وعليه أن يبرهن علي ايمانه العميق بتغليب الولاء علي الكفاءة كي يصبح موضع الثقة..في النظام السياسي يختلط نمط الانتاج الاقتصادي بنمط آخر من انتاج اعلام ملفّق، حيث يحل التلفيق مكان التوثيق، وتصبح المقولة الجوبلزية الشهيرة عن مواصلة الكذب حتي التصديق ايقونة حتي لمن يقدمون أنفسهم كمضادات للدكتاتورية، خصوصا بعد ان حوّل وكلاء الاحتلال واستعمار ما بعد الحداثة الليبرالية الي مصطلح مطاط قابل لاستيعاب الخيانات العظمي!والنظام الثقافي لا يعترف اساسا بمهنة الكتابة، فهي خارج معجمه البيروقراطي، ويمكن لأي شخص ان يحمل هذا اللقب ما دامت الكتابة مهنة تختلط بالحجب، والتدوين في المحاكم، لهذا لم يفطن المشتغلون بها أو من أدركتهم الي اعادة اعتبارها المسلوب المفتري عليه!وقد لا نحتاج الي التذكير بقوائم اتحادات الكتّاب العرب التي تعجّ بالمدرّسين، واحيانا أطباء الاسنان وهواة جمع الكتب والطوابع، فالوطن العربي يملك من الكتّاب حسب التعريف الأمي لمهنة الكتابة ما يفيض عن حاجة قارتين علي الاقل هما آسيا وأفريقيا…النظام الثقافي العربي، أدرك بالفطرة أو بالخبرة أن المثقف العربي يتيم علي مأدبة اللئام، وأنه أشبه بتمثال يتأرجح بعد أن فقدت قاعدته، ونادرا ما يستطيع مثقف عربي أن يعيش من قلمه، لهذا سارع النظام الثقافي الي اصطياده من خاصرته ومن تعبه كما يحدث مع طائر السمان في رواية نجيب محفوظ السمّان والخريف .وثمة أخصائيون في فقه التنكيل والتجويع من أجل التركيع، جرّبوا الاسلوب الذي تعلّم به الكلاب علي السباق في المجال البشري… وهو وضع عظمة علي ذراع طاحونة او مروحة، وربط الكلب بذراع آخر، بحيث تبقي المسافة ثابتة بين العظمة ولعاب الكلب، حتي لو بلغت سرعة الدوران اقصاها!ولم تسلم الثقافة من هذا التجريب، مما أدي الي ابتكار متواليات للتنازل والتأقلم الحربائي مع كل ظرف طاريء، فعلي المثقف ان يدرب لسانه وقلمه معا كي يكرر اطروحة الولاء لكل قادم جديد يرث المؤسسة ويمتلك حق توزيع الغنائم او حجبها وفقا لمعيار الولاء الذي يحذف الكفاءة تماما، بل يسخر منها اذا اضطر اصحابها لاستخدامها دفاعا عن الاعدام الرمزي الذي يمارس ضدهم!وكما ان للنظام السياسي دبلوماسيته وسفراءه فإن للنظام الثقافي أيضا ما يماثل هذا، لأن من يتم انتدابهم لتمثيل ثقافتنا العربية في عواصم العالم، هم الذين يدّخرهم النظام في ثلاجاته ولا يحتاج الي اكثر من التسخين علي مايكروويف الاعلام كي يقوم بما عليه ان يقوم به، وكفاه الله شر التفكير قبل القتال!ہہہلقد افقدت الاختبارات السياسية والعسكرية وحتي الاقتصادية النظام السياسي شرعيته، فهو الأب او الباتريرك الذي لا يحمي أولاده، بل هو يعتاش عليهم وينهب عرقهم وحقوقهم، اما النظام الثقافي الذي بلغته عدوي الباتريركية فهو أيضا يقدم مشهدا تنقصه عدة شرعيات دفعة واحدة، فمن رموزه مومياوات لا تنتج ثقافة ولا تتصل بالمعرفة ومصادرها من قريب او بعيد، ويعيش هؤلاء بطالة مدفوعة الاجر، لكنهم لا يتقاعدون، ومنهم من يواصل الرّقصة الخرقاء المثيرة للتقزز علي المسرح تحت اضاءة ساطعة كي يقول بأنه لا يزال علي قيد الثقافة!وإذا كان للنظام السياسي أجهزة أمنه وجيوشه ودباباته فإن للنظام الثقافي أسلحة تدمير شامل هي التخوين والتجريم، والتأويل سيء النيّة بهدف التأثيم، وحين حاصر ديناصورات النظام الثقافي الحداثة علي اختلاف موجاتها المتعاقبة كانوا يدافعون عن أنفسهم من أجل تمديد الصلاحية وكل ما تذرّعوا به من الدفاع عن التراث وهوية الأمة لم يكن سوي ضرب من التضليل، والذي يثير ما هو هاجع وبدائي لدي الناس، والكذب الجوبلزي في النظام السياسي له أيضا ما يرادفه في النظام الثقافي. في الأول عثر المتعهدون علي الخيمياء الاعلامية التي تحول الهزائم الي انتصارات، والتصحّر المزدوج الذي أصاب الأرض والإنسان الي عمران، وفي الثاني عثر الوكلاء والمتعهدون علي خيمياء من طراز آخر، تحوّل الأدب الفج والنصوص الرديئة الي علامات فارقة في المشهد الثقافي، واستطاعت المؤسسة الاشبه بمستوطنة العقاب ان تلحق صحافيين ونقادا باسطبلاتها اضافة الي البغال والخيول الهرمة… لكي يكتمل النصاب، ويحصل الجلد الأجرب علي ظفر طويل ليحكّه!وعلي المثقف الذي عفّ عن الذبابة عند الغروب بعكس الغراب المخدوع بحلمه، أن يتحمّل العقاب، الذي يبدأ من النّبذ، وقد لا ينتهي عند التخوين والطّعن في صميم الهوية والوجدان الوطني!حدث هذا مرارا، وحوصرت نصوص جريمتها انها اقترفت حرية محظورة من التداول، أو انها فضّلت مديح المطر علي مديح السّلطويين وأباطرة الوهم!والتحالف الذي افتضحه قبل عقود هربرت ريد بين الرجعي في السياسة والرجعي في الأدب، وبين الكاتب الاتباعي والقاريء الدّاجن، استمر من خلال طبعات عديدة ومنقّحة بمختلف لغات العالم، لكن اللغة العربية انفردت بتقديم طبعة خاصة من هذا التحالف عندما أضافت اليه صفة الحصانة والقداسة.ان المثقف في البلدان التي بلغت رشدها المدني والحضاري، لا يحتاج الي كل هذه التعبئة من أجل الدفاع عن قدم مربعة من الورق، وليس مطلوبا منه أن ينفق ثلاثة أرباع وقته وطاقته دفاعا عن حقه في التعبير عن جزء يسير مما يبهظ روحه من الهواجس.فالسؤال محروم من ان يتحوّل الي مساءلة، لأن ثنائية سيف الدولة والمتنبي عاشت بفضل ثقافة التدجين، وليس بفضل ديمومة الانتصار واستحقاقه المديح … والشاعر العربي الذي بقي اسيرا لمن يهيمنون علي انماط الانتاج الثقافية أو اقتصاديات الثقافة امتدح مهزومين اختلط مخاطهم بالدموع، وتغزّل بجناحي الفيل وساقيّ السلحفاة، وقبل أن يخلع وعيه كي يملأ جوفه، وتلك حكاية طويلة لا يخلو من تجلياتها كتاب تراثي يرصد التكسّب وأدبياته .ہہہالنظام السياسي العربي لا يعترف بالتقاعد أو تداول السلطة، اما النظام الثقافي فهو ايضا يقدم ادباء لكل العصور، ولديهم المهارة في المحاكاة بحيث يلبسون لكل حالة لبوسها وما من نقد مغامر يفضح عري الامبراطور لأن الناقد أدرج في القائمة، وله دور موسمي يمارسه في المهرجانات او المناسبات التي تتطلّب تسويغاً ملفقا لأنماط من الكتابة يتعذّر تصنيفها لفجاجتها وليس لكونها عابرة للأنواع الأدبية…اما التحالف الذي أشار اليه هربرت ريد ذات تواطؤ علني ومشهود بين سلطة غاشمة وأبواق تبشّر بها وتسبّح بحمد مظالمها، فإنه من العسير الآن تفكيكه ميدانيا، لأن الخلط بلغ ذروته بين الاصول والأشباه، وقد تلعب الفعاليات الثقافية ذات المنحي الكرنفالي دورا في تضليل المتلقي، بحيث يصعب عليه ان يعتمد علي ذائقته غير المدرّبة للفرز والتقييم!ولا ادري كيف يمكن لمثقف ان يبريء نفسه من كتابة استجدائية حتي لو كانت لممدوح من طراز جديد، ليس حاكما او جنرالا بل من المتصدقين علي الأيتام بالجوائز، خصوصا اذا كان اللعاب يسيل الان مدرارا علي كسب سريع لا علاقة له بدور القاريء في تصليب القاعدة التي يرتكز اليها الكاتب.ما الذي ننتظره اكثر من هذا الذي يحدث في عزّ الظهيرة من ذبح وإبادة ونبذ وإقصاء؟وكم هو عدد الذبائح المطلوب يوميا كي يكتمل نصاب المجزرة؟ان اشتباك المثقفين باستثناءات تكرس القاعدة علي زبيبة او ما هو أدني، ينذر بخاتمة كارثية لهذه التراجيديا التي تزوّجت من الكوميديا لإنجاب مسوخ بلا ملامح!انهما نظامان قد يكونان توأمين، وقد يكون أحدهما الابن البر للآخر… لكنهما متحالفان وتجتذبهما معا الهاوية ذاتها، لأنهما مصابان بعمه لا يرتجي شفاؤه!!!!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية