عليّ جعفر العلاق في قبيلة من الأنهار : الحنين إلي أزمنةِ تَقَضّتْ

حجم الخط
0

عليّ جعفر العلاق في قبيلة من الأنهار : الحنين إلي أزمنةِ تَقَضّتْ

مصطفي الكيلانيعليّ جعفر العلاق في قبيلة من الأنهار : الحنين إلي أزمنةِ تَقَضّتْالنصوص ـ العَتبات هو الحنين الخافت حينا، الهادر أحيانا، إلي أوقات ليست بالبعيدة يستعيد عليّ جعفر العلاق، نبضها عبر أسماء، جُلها لشعراء فارقوا الحياة في لحظات جدَ متقاربة، كشجرة عصفت بها رياح العدم لتتساقط أوراقها ضمن مشهد كارثي لا يباعد بين الذات الكاتبة والذوات الموصوفة التي رحل أغلبها إلي ما وراء التخوم القصية للحياة، وتركت ندوبها العذبة في قيعان الروح المسكونة بالذكريات . وليس أدل علي هذا الحنين من العنوان ذاته، ذاك الجامع بين مختلف هذه الأسماء ـ الوجوه: قبيلة من الأنهار ، كأن تتعالق في النصِ ـ العتبة الجامع (العنوان الرئيسي) علامات ثلاث تَجَأوَرتْ رغم تباعُد مَظانّها الأولي في معتاد التداوُل كي تُنشئ استعارة جديدة حية ، بلُغة بول ريكور، تتمثل نواتها في الجمع الدال علي الكثرة اللامتناهية والماهية التي لا تعني حدودا بعينها، وذلك لما يصل بين لفظ القبيلة و الأنهار من اتساع تناصي حيث يستقدم تراث الفرد والجماعة علي حد سواء بالمدلول النفسي التحليلي والإناسي (الأنتروبولوجي) والتاريخي الثقافي بذكر القبيلة والإشارة الصريحة، تقريبا، إلي مواقعية الوجود بالأنهار تحديداً.كذا تنشأ الاستعارة الجديدة شعراً بظاهر استرسال الكتابة، إذ يصل علي جعفر العلاق بين الإيحاء ممثلا في القسم الأول من العنوان وبين المطابقة للإفصاح عن القصد من تأليف الكتاب، وذلك بتقليب المعني من التلميح إلي التصريح: الذات، الآخر، النص . وإذا الجامع بين القسمين في بنية النص ـ العتبة الرئيسي ذات قارئة لا تكتفي بالمكتوب وإن أشارت إليه علنا، بل يتسع مدي القراءة ليشمل الذوات الشاعرة وبعضا من الحيوات الخاصة بها، كالذي ينعكس في ذات العلاق تفاعلا مشتركا بالتأثير حينا والتأثر أحيانا.وكأن النص ـ العتبة الرئيسي بقسميه التلميحي والتصريحي نواة مولدة لنصوص ـ عتبات تتحدد مجالاتها بالأسماء تبعا لخصوصياتها الإبداعيه وملامح اختلافها وتغايرها. وإذا النصوص ـ العتبات الموقعية المتولدة عن النص ـ العتبة الرئيسي كثافات دلالية تختصر تجارب الأسماء بقليل اللفظ ووفير المعني، وبتصدير الاسم بدءا وإرفاقه لاحقا بعلامات متخيرة يراد بها الحد (الماهية)، كأن تتركز الماهية المخصوصة بالاسم الفردي في لفظ ـ وتد، كـ تقاليد في الجواهري: النبرة الشخصية وتقاليد النوع الشعري ، و جديد ، القدم في بدر شاكر السياب: جديد كشجرة موغلة في القدم ، و تقدمت جيلا بأكمله في نازك الملائكة: اقتحمت البحر، وتقدمت جيلاً بأكمله، و الطعنات في أدونيس: الشاعر منحناً بالضوء والطعنات، و كان كمن في: عبد الوهاب البياتي: كان كمن يتأمل غيمة بعيدة، و القلادة الناقصة في بلند الحيدري: حجر الياقوت والقلادة الناقصة ، و قلوب مثقوبة في: يوسف الصائغ: عنقود م قلوب مثقوبة ، و يذوي .. تزدهر في رشدي العامل: حين يذوي الجسد وتزدهر القصيدة، و الحواس الملتهبة في نزار قباني: شاعر الحواس الملتهبة ، و نسر الدموع في: محمد الماغوط: نسر شعري بمخالب منقوعة بالدموع ، و المنفي في سعدي يوسف: شعرية المنفي و بين ذائقتين في محمود درويش: نهر يتدفق بين ذائقتين ، و فتنة النثر في صلاح نيازي: من فتة الإيقاع إلي فتنة النثر ، و أناقة الأداء في فاروق شوشة: لوعة التجربة وأناقة الأداء، و خصاله الملائكية في محسن أطيمش: ظل منتشيا بخصاله الملائكية حتي النهاية ، و تشهيات.. شراسة في مظفر النواب: تشهيات الجسد وشراسة الروح ، والعزلة في فوزي كريم: العزلة المضيئة، و ينادي .. هامساً في عبد العزيز المقالح: الشاعر ينادي غزلانه الضائعة هامسا ، و الغيم… الأعالي في جبرا إبراهيم جبرا: لم يعرف إلا الغيم وشجر الأعالي ، و يأس في جلال الخياط: كان أكثر الراحلين يأساً ، و وأسمال طفولته في محمد شكري: قمر يبزغ من أسمال طفولته ، و الفجيعة في مؤنس الرزاز: أمير الفجيعة والحلم والسخرية .وبهذه الألفاظ ـ الأوتاد في أبنية النصوص ـ العتبات نتمثل المسمي في قراءة علي جعفر العلاق لكل من الأسماء المذكورة، إذ الاسم علامة ظاهر التسمية بحكم الشيوع والتداول اللساني، في حين يخصّ المسمي ماهية الفرد التي هي في أغلب المواطن الموصوفة مُزدوج الشخصية والتجربة الإبداعية.وكأننا بهذه الكتابة ـ الشهادة نتقبل مشهدا واحدا متعددا للذائقة الشعرية المعاصرة ونحن ننتقل بين مختلف التجارب والتجوال عبر ذوات متغايرة أمزجة ورؤي وأساليب. ومزية هذه الشهادة أنها تنبثق من تجربة ذات شاعرة وقارئة في ذات الحين، إذ خبرت كتابة القصيدة منذ ستينات القرن الماضي، كما أحالت كتابيتها علي مقروء متعدد نشأت تأثيراته وتراكمت عبر سنين التكوين والتجريب الأولي، وأخصبت عبر الخطأ والتعثر والتكرار والإبدال الذي به كانت تجربة العلاق المتفردة في كتابة الشعر.أليس سؤال البدايات، كالذي يتصدر قبيلة من الأنهار ، هو الأساس والمرجع، الذي بهما يمكن إدراك القصد الأول من هذا التأليف؟: كيف تتأمل بداياتك الأولي، أعني ذلك النمو المتعثر حينا والمزهو حينا آخر، بمعزل عمن سبقوك في النضج أو في العذاب؟ كيف تتأمل ذلك كله بعيدا عن أولائك الذين عشت معهم سحر البدايات ذاتها، أو القلق ذاته؟ .2 ـ حَدُ هذا الكتاب الأجناسيوبذا يثار منذ البدء سؤال هذا الكتاب الأجناسي: هل هو من قبيل أدب الاعتراف تحديداً؟ إلا أن الاعتراف يقر في ماهية السرد تنزيل الذات المعترفة والمعترف به في حيّز واحد، نتيجة تماهي الواصف والموصوف في بناء نصي مشترك، في حين تتجه الذات الكاتبة، هنا، بالوصف سرداً لأحداث وحالات إلي خارج حدودها دون القول بأن الآخرية هي ذاك المختلف التام عن الذات، بل إن الذات عند استقراء بعض عناصرها الجزئية ليست إلا بعضا من ذاتها وبعضا مما هو في صميم الآخرية، بدلالة الجمع الملازم لماهية الفرد، كأن نقول مجمع تأثيرات الأصوات الشعرية السابقة في الزمن القريب تناصا مع الأصوات القديمة، وأصداء تاريخ السلالة الضارب في القدم. وبهذا المنظور يقارب قبيلة من الأنهار السيرة الذاتية دون الأجناس في مجالها المعتاد، بل ينزاح عن تمركزها الذاتي باختراق مجال واحديتها إلي متعدد سير البعض من الأسماء الأخري، تبعا للمشترك الماثل في متعدد الذات الشاعرة الواحدة ومختلف التجارب.وإذا السيرة/ السّيراختيار حادث لكتابة تبطن أكثر مما تصف، وتحرص علي حركة النبذ و الجذب، لا الجذب فحسب، عند السعي إلي التماهي مع الآخر ـ الآخرين، وبعيدا عن التفاف الذات الكاتبة حول نواة مغالية في نرجسيتها، حين كتابة السرد بروح الشعر، لا كتابة الشعر بواحدية صوت القصيدة.فكيف يحيل الاسم علي مسماه في قبيلة من الأنهار لـ علي جعفر العلاق؟ كيف ينصرف اهتمام الذات الكاتبة إلي المسمي قبل الاسم في واقع ثقافة عربية اعتادت علي إيلاء الاسم المقام الأول والانتصار لشهرته، ونفوذ تداوله العام؟إن انتصار العلاق الصريح للمسمي علي الاسم يقتضي، لا محالة، الإقرار بالحقيقة والجرأة في أدائها رغم ما يتكشف عن هذا الموقف من متاعب أحيانا، كتحول الصداقة إلي جفاء دائم، وتحميل القول الصريح مالا يحتمله عادة من العيوب، عكس الصفات.وكما داخل العلاق بين السيرة الذاتية والقراءة النقدية، فقد فارق أحيانا عديدة بين السلوك والتجربة. فاستدعي الموضوع الخاص بالمواطن المشتركة بين الذات الكاتبة والذوات الأخري تعدد الأساليب لينتهج بذلك مطابقة السرد وإيحاء الشعر، آن وصف عديد الملامح الدالة علي الشخصية والمواقف والوقائع والتفاصيل، وبالإبطان والحلم والتذكر كلما بلغ به الحنين أشدّه إلي أوائل التجربة في الوجود بالكتابة، واستعاد بعضا من تاريخ البدايات.ولئن اتجه قصد الكتابة في قبيلة من الأنهار إلي ازدواج الوصف عند النظر في التجربة الإبداعية والسلوكية معا فإن القراءة في هذا السياق تسعي بقصديتها الخاصة إلي الاهتمام بالبعد السلوكي الإنساني لنزوع الكتاب إلي البوح بعشق الآخر/الآخرين والاعتقاد العميق الراسخ في الحب والتواصل حد التماهي مع هذا الآخر في عديد المواطن والالتجاء، بحكم فظاظة الوقائع الراهنة وفظاعتها، إلي فيض محبة الآخرين والاستضاءة بمسمياتهم قبل أسمائهم، أو بالمشترك الرمزي بين الأسماء والمسميات.3 ـ الواصف المتأمل ومزاجه الخاصتنكشف بعض ملامح الأسماء التي اقترن وجود علي جعفر العلاق بها، كما كان لها تأثير بالغ في مجال التعالق الإنساني. وقد نزعت الذات الكاتبة إلي الموضوعية التي لا تخلو من ذاتية، شأن أي تمثل موضوعي، إذ الواصف المتأمل في كل المواقف والحالات ذات بشرية لها مزاجها الخاص وميولها وأهواؤها أيضا. إلا أن موضوعية العلاق، هنا في مجال الوصف السلوكي، شديدة الحرص علي التبعيد بين حقيقة الشخص وموقف الذات الذي يصف ليستحسن حينا ويستنكر حينا آخر دون التورط في نقيض الموضوعية والذاتية معا، تلك التي قد نطلق عليها اسم الذاتوية التي تمثل بعضا من سلوكات الأفراد ممن عايشهم العلاق ولامس بعضا من فظاظتهم أو عدوانيتهم.وإذا السلوك الموصوف في قبيلة من الأنهار مجمع ملامح ومواقف وحالات تحدد مواطنها، كما أسلفنا، بالأسماء لتنكشف لنا أثناء القراءة مختلف الماهيات، أو البعض الكبير منها عبر موقع رؤية الذات الواصفة، وبمنظور هذه الرؤية الخاص.إن ملامح الجواهري، كما ترد بقلم العلاق، تساعد، لا محالة، علي معرفة شخصيته الموصوفة بالطرافة وميله إلي الدعابة والتحدي ودماثة الخلق والغرابة أيضا، كالذي يرسمه العلاق بالحروف علي غرار ما يسعي الفنان العراقي جواد سليم إلي تجسيده بعلامية الخطوط، مثل صورته التي ظلت أصدق صور الجواهري وأكثرها تجسيداً لشروده وغضبه وفوضاه ، في حين لم تتحدد سمات بدر شاكر السياب الجسمية والخلقية، كمعرض الحديث الخاص بالجواهري، إذ اكتفي العلاق بالجانب الخاص بشاعريته مع الإلماح الخاطف إلي حدث وفاته عند بدء خوض العلاق تجربة الكتابة . كما يحتجب البعد السلوكي في سياق الحديث عن نازك الملائكة، وذلك لانتفاء تعارف شخصي مباشر رغم تأثر صاحب الكتاب المعلن بتجربة الشاعرة النقدية في زمن البدايات علي وجه الخصوص.أما الشعراء والكتاب الذين أمكن لـ علي جعفر العلاق التواصل معهم حد الصداقة في أغلب الأحيان فهم يمثلون القسم الأوفر من الكتاب. ولا انفصال، هنا، بين البعدين السلوكي والإبداعي في مسار الحديث عنهم، إذ أمكن معرفتهم عن كثب، واختراق بعض من عوالمهم النفسية الخاصة، والوقوف علي مزاياهم ومساوئهم وخصالهم وعيوبهم باعتبارهم بشرا خطائين تتقاذفهم حالات شتي من صفاء الطوية وارتباك المزاج والتوتر أحيانا بالنميمة والشتيمة والحسد القاتل مجازاً. فيتآلف وجه أدونيس، كما يبدو حميما وعميقا وجذابا وعبد الوهاب البياتي الذي:كان موضع خلاف بين الكثير من النقاد والشعراء العرب، فهو، إنسانا، حاد الطبع وذو لسان جارح. أما شاعريته فلم تكن محل إجماع دائما . وقد ظلت العلاقة بين العلاق وبينه غير ثابتة علي حال، شأن علاقات البياتي بشعراء ونقاد آخرين. ويشمل هذا التآلف القائم علي الاختلاف بلند الحيدري الذي نشأت الصداقة بينه وبين العلاق بعد اصطدام يعود إلي إحدي جلسات مهرجان المربد النقدية في البصرة عام 1974، وماتلاه من اعتذار الحيدري في مناسبة لاحقة وتوطد الصداقة بينهما، ويوسف الصائغ الصارم في تواصله مع الآخرين، إذ كان شديد الصدق في اعتراضاته وفي ولاءاته علي حد سواء ، شرسا ومثيراً للجدل ومختلفا في الآن ذاته مع البياتي، فلكل منهما شراسته ومراجعها النفسية والفكرية والأخلاقية، ورشدي العامل الذي تحمل الظلم الاجتماعي والسياسي والنقدي أيضا، دون أن يدفعه الإحباط إلي الأنانية الضيقة و الشراسة الحمقاء ، علي حد عبارة الكاتب، بل ظل مخلصا باستمرار لأصدقائه حتي آخر لحظات حياته. ويتسع المشهد الموصوف بنزار قباني الشاعر الذي أبهر العلاق في بداياته من غير أن تكون له علاقـــة شخصـية مباشــــرة معه، ومحمد الماغوط الشاعر المختلف والإنسان غير العادي، كمـا عرفه علي جعفر العلاق منذ 1973، وسعدي يوسف الموصوف بالأقانيم الثلاثة: النفي والاضطــهاد والسجن، التي تتواصل بشعور القلق الدائم، وتقلبات المزاج السريعة والتورط في مواقف عدوانية تليها اعتذارات صعبة .ويتضمن الكتاب تفاصيل أخري عديدة تُساعد القارئ علي تمثل جوانب خاصة خفية في حيوات مبدعين ونقاد كمحمود درويش وصبحي حديدي وصلاح نيازي بـ شخصيته النادرة ومرحه العميق الطلق وشجنه العراقي الدائم عودا إلي سبعينات القرن الماضي ومروراً بالعقود اللاحقة، وتحديدا في المدة الفارقة بين 1979 و1983، علي وجه الخصوص، أعوام دراسة علي جعفر العلاق الجامعية ببريطانيا، وفاروق شوشة قارئ إحدي قصائد العلاق السبعينية في مجلة الآداب تحديداً، بموضوعية الناقد التي قد تبدو قاسية أحياناً علي فتي شاعر كانت تتجاذبه حالات شتي كنرجسية المنبهر بما يكتب، وإصراره علي الاستمرار في الكتابة،وتأثره العميق بما يكتبه الآخرون عنه، ثم محسن أطيمش بشاعريته التي لا يمكن سلخها عن واقعه الذاتي ، وذلك نتيجة التماهي بينه وبين ما يكتب، ومتراكم عذاباته وصولاً إلي تجربة اليمن الأخيرة، ورجوعه عام 1995 إلي العراق، وهو في آخر أيام حياته بعد المرض العضال الذي ألم به.وهكذا يتسع مسرح الوجوه بهذا التعدد الدال علي وفرة التجارب وتعالقها في ذات كاتبة واحدة، إذ تنكشف بعض سمات مظفر النواب بنبرته الآسرة التي كان لها صدي عميق في ذات العلاق منذ أن بدأ نهج كتابة القصيدة في ستينات القرن الماضي، وعبد العزيز المقالح يثقافته الواسعة ونبله الإنساني الرفيع، وفوزي كريم الشاعر العراقي الستيني يمختلف الصفات الشعرية والإنسانية الدالة عليه، وجبرا إبراهيم جبرا الإنسان والمبدع الذي تردد بين الشعر والرواية كي يتحول في اللاحق من الشعر إلي الرواية، ومدي تأثير هذا الاسم في طفولة الشعر لدي العلاق، وجلال الخياط الأستاذ والصديق الذي مثل ركنا مضيئا في نفس الكاتب الشاعر بعمقه المعرفي وتواضعه الصادق، ومحمد شكري الذي قرأ للعلاق إحدي قصائده السبعينية وكتب عنها في برنامجه الإذاعي، هذا الإنسان المبدع يستعيد الكاتب من خلاله طنجة بغبار أزقتها وعديد أسرارها، كأن يتماهي شكري وطنجة في تمثل العلاق لهما، ومؤنس الرزاز الإنسان النبيل والصديق المبدع المسكون بالفجيعة، والمدفوع إلي الكتابة بالحلم والسخرية تجاه ما حدث ويحدث وما قد يحدث.4 ـ قبيلة من الأنهار وثراء التجربة إن ما يلفت الإنتباه علي وجه الخصوص، عند قراءة هذا الكتاب ليس المواقف النقدية الخاصة بتجارب عديد الشعراء والكتاب ممن فارق جلهم الحياة، بل مجال التواصل الإنساني بين الذات الكاتبة والذوات الأخري المذكورة، بالقطيعة حينا والحب أحيانا، بالحنين إلي أزمنة تقضت وباستعادة هذا الذي كان عبر الرموز التي تمثلها في راهن الوجود، وبتناص المكتوب الشعري، السالف والحادث.كذا الاسترجاع في هذا الكتاب ليس تأريخا فحسب لبعض من التجربة السالفة في الوجود والكتابة، بل هو ضرب من الفرار من جحيم اللحظة (الآن) إلي تلك الأزمنة بمجمل وقائعها وتأثيراتها في نشأة الشاعر، وفي الطوايا والخفايا الحافة بالنواة الكاتبة.وهكذا فإنّ قبيلة من الأنهار فيض من التفاصيل والرموز الدالة علي ثراء تجربة العلاق في الوجود والكتابة، ولعله أحد الفصول في كتابة سيرة ذاتية مختلفة تماماً عن مألوف السير، لأنها لا تكتفي باستعادة الماضي تاريخا لما كان فحسب، بل تسعي إلي إنشاء الحاضر بالماضي والاستضاءة بهما معا علي ما سيأتي، ذلك الحلم ـ الأمل، إذا جازت العبارة، الذي هو بمثابة مستقبل الماضي ، هذا الزمن العميق الذي نحتاج إليه اليوم لتجاوز ماضوية التمثل القائم علي إرثية الوقفة الطللية والقطيعة بين ما كان وما سيكون، وذلك بالابتعاد عن مستقبلية فضفاضة إلي منظور حادث لتاريخ الاسم، الذات بالمدلول الفردي والجمعي.لذا لا ينحصر قبيلة من الأنهار في الاستذكار، بل يتسع مداه باللحظة، راهن الكتابة والوجوه، و بالتاريخ العميق ممثلا في المشترك القائم بين مختلف الأسماء / الأنهار، هذه القبيلة الإنسانية النبيلة الزاخرة بالرموز الدالة علي عراقة ثقافتنا العربية وتوهجها في الراهن ومدي اتساع آفاقها المستقبلية رغم ما يخترق وجودنا الفردي والجمعي اليوم من هزائم وانكسارات.ناقد من تونس0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية