رُهاب الانصراف
عزت القمحاوي رُهاب الانصرافكدأبي في ضحي الجمعة صحوت علي النداء الأخير لجامع الروبابيكيا. وهو النداء الذي ينسحب بعده ليخلي الفضاء للآذان تطلقه المساجد المتلاصقة ثم خطب الجمعة المتقاطعة في مكبرات الصوت، ترتفع في السماء كعجينة مبهمة لايمكن تمييز لفظ واحد منها، فقط إيقاعات زجر لاتردع الفاسدين واللصوص، تختتم بإيقاعات ضراعة لنصر مسلمين لاينتصرون أبداً. وليس من شأن عجينة الأصوات تلك إلا أن تنجح في تبديد سلام الكائنات الليلية الطامحة إلي ساعة من الكسل في يوم العطلة. تطلعت من الشرفة إلي العربة المنسحبة قبل أن تختفي في زاوية الشارع، لا شيء في الصندوق سوي كرسي بلاستيك بثلاث قوائم تنبئ وحدته عن حجم الإصرار الذي يتمتع به رجل لايتخلي عن دورانه اليومي، ولايفكر بالانصراف إلي مهنة أخري في مواجهة تمسك السكان بكراكيبهم تمسكهم بالحياة. هممت بالصياح عليه لكن صوتي لم يخرج. منذ جمع عديدة وأنا أتحرق لنصيحته، إما أن ينصرف أو يوسع من مجال تجارته المقتصر حتي الآن علي النفايات المادية البائسة والعزيزة علي ملاكها. لماذا لايفكر ـ مثلاً ـ في جمع المشاعر القديمة، فلربما عاد بعربته آخر الجولة مليئة بقصص حب ملتهبة يمكنه نفض التراب عنها وإعادة بيعها لأصحاب القلوب العاطلة. يمكنه أيضاً أن يجد الكثير من الخيبات تصلح للشباب في مقتبل العمر لتغنيهم عن ارتكاب خيباتهم الخاصة. علي ألا يتوقع أن يجد حماقات السياسيين الشيوخ الذين لم يتعلموا بعد ثقافة الاستغناء أو الانصراف. ومن النافل ألا ينتظر زبائن من الشعراء أو الروائيين أو الصحافيين، فهؤلاء أيضاً لايعرفون فضيلة الانسحاب، بل يتفرغون للدفاع عن سياجات بساتينهم الخاصة حتي لو جفت زروعها أو تحولت إلي مقالب للنفايات! هممت بالنداء علي بائع الروبابيكيا، لكن صوتي لم يخرج، واختفي الرجل بهدوء منصرفاً لكنني أعرف أنه سوف يعود ليؤرق صباحاتي. فقط لأنه لايريد الانصراف.لا أبغي من وراء هذه التأملات إساءة إلي أحد، وإلا أسأت إلي نفسي، فأنا أفعل ما أفعل منذ ربع قرن، وأواصل هذه الإطلالة في هذه الزاوية منذ مايزيد علي سبع سنوات ولا أنوي الانصراف قبل أن يعلن قارئي الأخير انصرافه، هكذا عاهدت نفسي! الطيب صالح استطاع أن ينصرف عن الرواية، ضارباً المثل إلي حين، ثم لعبت أصابع الزمار من جديد وكتبت المقالات، ثم تذكر المنسي فأخرجه في كتاب بين السيرة والتخييل. ومثله فعل هيكل الذي استأذن في الانصراف من باب الصحافة ولم يتأخر في القفز من نافذة قناة الجزيرة. ولماذا ينسحب الكتاب، بينما لايفعل هذا زعماء الأمة المنكوبة. هؤلاء الذين يتعبون جداً جداً من أجلنا، يتعبون من جلدنا، ولكنهم نذروا أنفسهم لتبديد أعمارنا، فلا ينصرفون، ولا يستأذن أحدهم بالانصرف إلا بعـــد أن يكون قد أعد الكورس الذي سيثنيه عن قراره. المعارضة أيضاً تظل معارضة، لاتحكم أو ترحل. وحده الشيخ الجليل أحمد الصباحي زعيم حزب الأمة (يضم الحزب عدداً غفيراً من أبناء الزعيم وأحفاده) ضرب المثل علي الجمع بين الإقبال والإدبار والظعن والإقامة؛ فهو يترشح منافساً لمبارك من باب الواجب وينتخب الرئيس من باب الإيمان، بل ويأمر أنصاره من أولاده بانتخاب مبارك. وهو بعد التسعين يبقي رئيساً لحزب وينصرف في الوقت نفسه إلي زواج بدعم من عقار أمريكي كاد يكلفه حياته حيث ينام في غرفة عناية فائقة الآن. وهذا الانصراف اللطيف علي أية حال أفضل من الانصراف إلي قرار فردي بإعلان الحرب علي إسرائيل، لأن إعلاناً كهذا من شأنه ألا تقتصر نتائجه علي الحاج أحمد الصباحي وأولاده فقط.اختفي جامع الروبابيكيا لكنه سوف يعود. وأمام إحباط انصرافه وإحباط التأكد من عودته مجدداً اكتشفت أنني لم أتخل عن جوربي منذ صباح الخميس. لم يكن الجو بارداً في المساء إلي الحد الذي يلزمني بالإبقاء علي الجوربين، لكنني في الوقت ذاته لم أجد نفسي مضطراً إلي خلعهما. فكرت متأسياً: لماذا لايتخلي المرء عن سرير لايضطر فيه إلي خلع جوربيه؟! واستعذت بالله من الشياطين الثورية التي تريدني أن أبدأ بالخطوة الأبعد في الانصراف. هناك الكثير من الانصرافات ينبغي إنجازها أولاً. لماذا القهوة في الصباح دائماً؟! ليكن شايا بالحليب، ولتكن أم كلثوم بدلاً من فيروز، وليكن إفطاراً واقعياً ثقيلاً، وليكن نعاسا بدلاً من القراءة أو الكتابة. ونجحت خطة الانسحاب، عمل الفول شُغله، وتممت أم كلثوم عمله في سرير عدت إليه من دون أن أتخلي عن الجوربين، كان في تغنجها اللطيف للنيل بهجة تصد رياح التصحر، ولم تلبث أن حملت روحي إلي حلم لطيف، ليس إلي مركب علي صفحته، بل إلي حلب التي لم أر من بهائها في زيارة واقعية سابقة سوي غرفة لم تكن تخصني وحدي. رأيتني هذه المرة في حلمي الحلبي ببيت عربي من تلك البيوت التي تحولت إلي مطاعم يتخلي روادها بالليل عن طاولاتهم ويتجمعون للرقص، وكنت أتعثر في حركات خجول بين يدي فتاة خفيفة كنسمة، لها وجه حبيبة، كانت تطير حولي، بينما جسدي لم تنصرف عنه يبوسته، فانصرفت عن المطعم وحيداً، مصمماً علي الانصراف عن الحساسية الكئيبة إلي دروس لتعليم الرقص. أخذت أواصل التسكع في الحارات بتوجيهات أتلقاها علي هاتفي النقال من دليل سياحي علي مسافة ألاف الأميال. ووسط ضفيرة الرائحة التي تتشكل من البهارات والعطور والحرير وعطانة الأحجار القديمة كان بإمكاني الإمسال بخيط الرائحة المميز لدليلي الهاتفي. وكان بإمكاني أن أتخلي عن الحلم والمدينة وروائحها، وأمضي وراء خيط رائحة الدليل، لكنني لم أستطع الانصراف عن برنامج الزيارة، ولم أتمكن ـ حتي في الحلم ـ من الإخلال بمسؤوليات الضيف، أو الخروج علي مألوف العقل. وما كنت لأنصرف عن الحلم، مكتفياً بلذة الصوت، لولا أن أم كلثوم تخلت عن حراسة حلمي، وانصرفت وسط عاصفة من التصفيق هبت من أيد لم يعد أيُ منها في دنيانا اليوم. تخلي النوم عني، وقمت متأخراً لكتابة هذه الزاوية التي لم استطع الانصراف عنها!0