هل تدخل موريتانيا بعد التعديلات الأخيرة عهد الدستورية والديمقراطية؟

حجم الخط
0

هل تدخل موريتانيا بعد التعديلات الأخيرة عهد الدستورية والديمقراطية؟

د. محمدو بن محمدهل تدخل موريتانيا بعد التعديلات الأخيرة عهد الدستورية والديمقراطية؟لقد تميز التاريخ السياسي والدستوري لموريتانيا الحديثة بوجود عدد من الدساتير (ثلاثة دساتير ومشروع دستوري لم ير النور) وأعداد من المواثيق الدستورية العسكرية والتي صدرت خلال فترات الأحكام العسكرية المختلفة السابقة والحالية، الا أن الحديث عن وجود دستور لبلد ما لا يعني بالضرورة أن هذا البلد قد أصبح بلدا دستوريا أو ديمقراطيا، اذ العبرة في هذا الصدد هي بتطبيق وتمثل الوثيقة الدستورية وليس مجرد وجودها، ولعل شاهدنا علي ذلك ليس ببعيد، حيث عرفت موريتانيا منذ مطلع تسعينات القرن الماضي وضع دستورها التعددي الحالي المعروف بدستور 91 م، والذي بدا زاخرا بكل ما من شأنه أن يجعل منها بلدا دستوريا وديمقراطيا الي حد كبير، وذلك حين نص هذا الدستور علي مبادئ حاكمة وأساسية في أي نظام ديمقراطي كمبدأ سيادة القانون وسمو الدستور ومبدأ استقلال القضاء ومبدأ ديمقراطية الحكم، كما ضمن حماية العديد من الحقوق والحريات العامة، بما فيها حرية انشاء وتكوين الأحزاب السياسية ـ بمجرد الاعلان عن ذلك أمام وزارة الداخلية ـ وحرية انشاء الجمعيات، فضلا عن حريات اصدار الصحف المستقلة والتجمع والاجتماع وغيرها، غير أن كل ذلك ظل حبرا علي ورق ولم يمثل أي نوع من أنواع التقدم أو الارتقاء علي السلم الديمقراطي بسبب عدم احترام هذا الدستور.وما كان لما جري خلال الفترة الماضية من المصادقة الشعبية الواسعة عبر استفتاء عام علي تعديلات دستورية جديدة أدخلت علي الدستور المذكور ـ والذي يعرف تعطيلا جزئيا لبعض بنوده منذ أطاح المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية بنظام الرئيس الموريتاني السابق العقيد معاوية ولد الطايع في الثالث من آب (أغسطس) الماضي 2005 م ـ أن يكون ذا أهمية لولا ما تفتحه هذه التعديلات الجديدة من آمال عراض في ولوج موريتانيا عصر الدستورية والديمقراطية.هذه الآمال الجديدة لدي شرائح عريضة من الموريتانيين تجد دوافعها في مضمون ومحتوي التعديلات الدستورية الأخيرة، فقد أصبح مبدأ التداول السلمي علي السلطة ـ عن طريق منع الترشح لأكثر من فترتين رئاسيتين ـ مبدأ دستوريا يتوجب علي الجميع احترامه بعد اقراره في هذه التعديلات، وهو مبدأ عصي علي التعديل لجمود نصه المطلق، الذي يلزم الرئيس المنتخب بأن يؤدي اليمين الدستورية علي عدم المساس بهذا النص مهما تكن الظروف والأحوال.كما أن هذه التعديلات أصبحت تمنع علي رئيس الجمهورية شغل أي منصب حزبي أو حتي الانتماء لأي حزب سياسي طيلة مدته الرئاسية حفاظا علي حياده واحتراما لخصوصية موقعه الرفيع، وهذه هي الأخري مسألة جد هامة نظرا لما كان يمثله موقع الرئيس بوصفه في الآن نفسه رمزا لجميع السلط في الدولة ورئيسا للحزب الحاكم ـ حزب الشعب الموريتاني 60/ 1978 ـ الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي 92/ 2005 ـ من قوة التأثير علي نفوس المواطنين العاديين والحزبيين علي حد سواء، حتي أن بعض المحللين ومنهم بعض المنخرطين في هذين الحزبين كانوا ينظرون الي شخص الرئيس باعتباره الضامن الوحيد لاستمرار نفوذهما، بالرغم من التناقضات السياسية الكثيرة التي قاما عليها والتي جسدها وجود تيارات سياسية من مختلف ألوان الطيف السياسي في البلاد بدأ بالتيارات اليسارية والقومية مرورا بالتيارات ذات الوجهة الليبرالية وصولا الي التيار الديني. ان وجود مثل هكذا رئيس للبلاد تتوفر فيه كل خصائص الحاكم المتسلط الذي يحكم بعزيمة البقاء الأبدي في كرسي الحكم الي أن يزال بقوة الدبابة العسكرية ولا مكان ـ طبعا ـ في حكمه لمبدأ سيادة القانون ولا لسمو الوثيقة الدستورية، ناهيك عن وجود أية امكانية حقيقية للتداول الديمقراطي علي الحكم، كان يمثل مكمن بيت الداء السياسي في البلاد، ولذلك فان وضع حد دستوري لهذا النوع من الحكام المستبدين من خلال هذه التعديلات، قد يضع ابتداء من الآن موريتانيا علي أعتاب مرحلة جديدة. مرحلة يخاف فيها الحاكم الذي سيجد نفسه مضطرا بعد فترتين لا ثالثة لهما خارج كرسي الحكم بشكل اجباري بحكم الدستور، مما سيجعل من محاسبته عن جميع أخطائه التي اقترفها حين كان يجلس في حضن الكرسي السحري أمرا ممكنا لجميع الموريتانيين. بل انني أعتقد جازما بأن مجرد هاجس الخوف من مثل هذا المصير لدي رؤساء الجمهورية القادمين سيمثل ضمانة قصوي ليأخذ الاصلاح السياسي والاقتصادي في موريتانيا أبعادا جديدة تدعو الي التفاؤل بمستقبل أفضل لبلد ظل منذ استقلاله في العام 1960م يئن تحت رحمة حكام كانت دائما غايتهم الأولي هي البقاء في كرسي الحكم مهما تكن الوسيلة لتحقيق ذلك. ان التعديلات الدستورية الأخيرة، سوف تمثل اذا ما أعملت نصوصها بشكل صحيح نقلة نوعية في التاريخين السياسي والدستوري الموريتانيين، وذلك لكونها ستنقل موريتانيا من وضع الدولة ذات الدستور الي وضــــع الدولة الدستورية الديمقراطية، ان لم نقل من وضع الدولة التسلطية الي وضع الدولة القانونية التي تقوم علي مبدأ سيادة القانون واحترام الحقوق والحريات لجميع أفرادها مع ما يعنيه كل ذلك من ضرورة تقييد السلطة لصالح الحرية. واذا كانت تحديات كبيرة ما تزال تنتظر الموريتانيين ليهنأوا بما قد تفتحه أمامهم هذه التعديلات الدستورية من فرص العيش في ظل دولة قانونية تقوم علي قيم الديمقراطية والمواطنة وتحترم حق المساواة بين جميع مواطنيها، تحديات ليس أقلها علي سبيل المثال ضعف الوعي العام وما يعنيه ذلك من غياب الرأي العام الوطني الضاغط في اتجاه المزيد من الاصلاحات المطلوبة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ورسوخ قيم ومفاهيم لم تعد تتناسب مع ظروف الدولة الوطنية كالقبلية والجهوية والمحسوبية وكل الأمراض الأخري ذات الصلة، ناهيك عن مخلفات الأنظمة المستبدة السابقة، وخصوصا آخرها الذي حكم البلاد زهاء العشرين سنة. هذه المخلفات التي لا تقف عند حدود انتهاكات واسعة لحقوق الانسان الموريتاني أو استشراء ظاهرة الفساد المالي والاداري التي أدت الي جعل قلة قليلة من أبناء البلد ترفل في جميع خيراته الكثيرة وأغلبية ساحقة تعيش تحت كل الخطوط الحمراء للفقر.أقول اذا كانت كل هذه الأمور وغيرها ما زالت تمثل التحدي الأكبر في وجه التمتع الكامل بمزايا التعديلات الدستورية الأخيرة، فان الآمال الجديدة التي تفتحها هذه الاصلاحات والآفاق الاقتصادية الواعدة التي يعد بها دخول البلد في نادي الدول المصدرة للنفط في القارة السمراء، قد تدخل مثل هذه الآفاق والآمال موريتانيا في عصر جديد ظل يداعب أحلام الموريتانيين لفترات طويلة دون أدني أمل في بلوغه، عصر جديد تدخل فيه موريتانيا عهد الدولة الدستورية والديمقراطية.ہ باحث وأستاذ جامعي[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية