اسبانيا تسعي لتعزيز الروابط مع العالم العربي دون تصحيح ماضيها الاستعماري
اسبانيا تسعي لتعزيز الروابط مع العالم العربي دون تصحيح ماضيها الاستعماريمدريد ـ القدس العربي من حسين مجدوبي:يحضر الماضي الاستعماري الاسباني خلال هذه الأيام في الحياة السياسية والثقافية لهذا البلد، لكن الحكومة الحالية، مثل سابقاتها، تتهرب من هذا الماضي ولا ترغب في مواجهته ومعالجته، وهو ماض يتعلق أساسا بالمغرب وما جري في شماله، وخاصة في المنطقة المعروفة بالريف ثم الماضي البعيد بشأن طرد العرب من الأندلس.ويجمع المراقبون أن الحكومة الحالية بقيادة خوسي لويس رودريغيث سبتيرو تقدم علي مبادرات سياسية رائدة تجاه العالم العربي والاسلامي أبرزها تحسين العلاقات مع الرباط وسحب الجنود من العراق ومبادرة السلام تجاه فلسطين ومشروع تحالف الحضارات. وهي مبادرات ترمي الي تصحيح الخلل المرتكب من طرف الحكومة السابقة برئاسة رئاسة خوسي ماريا أثنار عندما زجت بإسبانيا في حرب العراق، وتهدف أساسا الي ترميم الجسور وبناءها مجددا مع منطقة تعتبر استراتيجية للمصالح الاسبانية ولاسيما منطقة دول المغرب العربي ـ الأمازيغي.وبالموازاة مع هذه المبادرات، تحضر قضايا متعلقة بالعالم العربي وشائكة للغاية. فإسبانيا شهدت الخميس الماضي التأسيس الفعلي للبيت العربي في مدريد، ومن ضمن الاشكاليات التي طرحت في الندوة الصحافية، تلك التي تقدمت بها جريدة القدس العربي الي وزير الخارجية ميغيل آنخيل موراتينوس بشأن مدي استعداد اسبانيا لطلب المعذرة من العرب لما لحقهم من طرد ما بين القرنين 14 و16 علي غرار الصفح الذي طلبته من اليهود في التسعينات، وهل اسبانيا مستعدة للتخلي عن تلك الرموز الدموية في بلدياتها وبعض الحكومات التي تتمتع بالحكم الذاتي مثل حكومة أراغون التي يضم رمزها الرئيسي رؤوس مسلمين مقطوعة، أو احتفالات مثل تلك التي تخلدها غرناطة يوم كل 2 يناير وتتعلق بـ طرد العرب من اسبانيا .وكان رد موراتينوس نحن نريد النظر الي المستقبل والعمل من أجل ترسيخ الحوار بدل التركيز علي الماضي (..) فهذه أحداث مضت ولا يمكن العودة اليها .واثار موقف الوزير المعروف بتضامنه مع القضايا العربية رد فعل موحد للعرب الذين حضروا تلك الندوة أو الذين اطلعوا علي جوابه الذي تجنبته الصحافة الاسبانية وكأن هناك صمت رسمي وشعبي متفق عليه في هذا الشأن. وكان الموقف لماذا الاعتذار لليهود علما أنهم كانوا أقلية؟ .تطورات المشهد الاسباني تجعل المتتبع ينظر باستغراب الي رد الوزير. مصدر من جمعية ابن عربي المتواجدة في اسبانيا أوضح لـ القدس العربي ان البرلمان الاسباني صادق منذ أسابيع علي قانون الذاكرة التاريخية الذي تناول الحرب الأهلية وأنصف ضحايا النظام الدكتاتوري الفرنكاوي في الثلاثينات من القرن الماضي، بينما المنطق يحتم الاعتراف بجميع الأخطاء التاريخية وليس فقط الرهان علي ما هو انتقائي.وقبل حضور هذا الجدل، يستمر البرلمان الاسباني في التعاطي المحتشم والتجاهل أحيانا مع الماضي الاستعماري الذي يعود الي العشرينات من القرن الماضي. فمنذ أسبوعين تقدم حزب اليسار الجمهوري الكاتالاني بزعامة كاردو روفيرا بمقترح ينص علي تعويض سكان منطقة الريف المغربية عن الأضرار التي لحقت بهم في العشرينات من القرن الماضي نتيجة استعمال اسبانيا الغازات السامة للقضاء علي ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي. ووجد المقترح تأييدا من اليسار الموحد ومن الحزب القومي الباسكي لكن الحزب الشعبي الحاكم والحزب الشعبي المعارض اللذين يتمتعان بالأغلبية رفضا المقترح بدون تقديم تبريرات مقنعة.وكان الجيش الاسباني وبعد تعرضه لأكبر هزيمة في تاريخه في معركة أنوال سنة 1921 بعدما خسر في يومين فقط 13 ألف جندي لجأ الي قنابل غازية لمواجهة ثورة عبد الكريم الخطابي. وهذه الغازات، أثرت علي الغطاء النباتي، الأمر الذي يفسر ارتفاع سرطان المعدة في اقليم الحسيمة في الريف بل حالات السرطان مقارنة مع باقي أنحاء المغرب.وكان مقترح حزب اليسار الجمهوري الكاتالاني يتضمن الاعتراف بهذه الجريدة وتعويض سكان المنطقة عبر برامج تنموية وإقامة مستشفيات خاصة بمعالجة السرطان والأمراض التي تفشت بعد العشرينات وأصبحت وراثية.ويري الكثير من المهتمين بتطورات الوضع السياسي والاجتماعي في اسبانيا أن اسبانيا الحالية التي مازالت تبحث عن تعزيز ديمقراطيتها ومواجهة مطالب القوميات والتي يهيمن فيها الفكر المحافظ اليميني خاصة في المدرسة التاريخية ليست مستعدة الآن لتقديم هذا الاعتذار والاعتراف بمآسي الماضي وأخطاء استعمارها، وأنه مستقبلا قد تكون بذلك عندما تنضج الشروط الثقافية والتاريخية والسياسية.