ما بعد الاحادية الامريكية: عالم ينهض عالم ينهار!
محمد صادق الحسينيما بعد الاحادية الامريكية: عالم ينهض عالم ينهار!مرة اخري يدفع الامريكيون من طراز المحافظين الجدد الملف النووي الايراني الي صدر الاخبار العالمية بعد ما شعروا بان العزلة الداخلية والدولية بدأت تحاصرهم علي كل المستويات وتدفع بهم الي حافة المقامرة بحرب جديدة.ومرة اخري يتم تحشيد كل الكلمات والحروف والعبادات والمقولات في كل اللغات الحية لاظهار خصم امريكا والرافض لاملاءاتها بانه: المارق والمتعنت والشرير والعاق الذي لا يقبل بالاذعان والامتثال لقرارات المجتمع الدولي والمستحقات المترتبة عليه من جانب الاسرة الدولية..الخ من صنوف النعوت والاوصاف التي تغزو بها الدبلوماسية الامريكية ونخب المارينز المصطفين من ورائها الاعلام العالمي كلما اختلفت مع دولة او قوة او منظمة او مؤسسة في العالم!كل ذلك لتظهره بانه هو المقصر وهو المذنب وهو المتعدي علي حقوق الآخرين والاستقرار والسلم الدوليين وانه بات من الواجب علي امريكا سيدة القوي! و رب الارباب ! في ميزان القوي العالمي حشد كل ما تملك والضغط علي كل من تقدر الضغط عليه ليصطف معها في معركة تأديب المارق الجديد!وقد يتساءل الكثيرون هنا لماذا كل هذا التركيز علي الملف النووي الايراني من جديد ودفعه الي واجهة الاحداث العالمية؟ وهل صحيح ان المسألة تتعلق برفض ايران لما يسمي بـ الامتثال للقرار الدولي الذي يطلب منها وقف التخصيب كشرط لعودة ما يسمي بالمجتمع الدولي للتفاوض معها حول سبل حل النقاط العالقة بهذا الملف؟العارفون ببواطن الامور والمطلعون علي سير هذا الملف المتذبذب يقولون غير ذلك ويزعمون ان المشكلة في مكان آخر! ويضيفون: لما كانت واشنطن لا تثق بالنظام الايراني مطلقا وتصنفه اصلا بمثابة البنك المركزي الداعم للارهاب اي للمقاومتين اللبنانية والفلسطينية وكل من هو غير متماهي مع سياسات واشنطن الاقليمية، وتعتبره بات اما منافسا لها او شريكا مفروضا عليها في صناعة مستقبل العراق وافغانستان، وانه بات بمعني من المعاني العقبة الاساسية لمشروع الشرق الاوسط الجديد الامريكي والخطر المستقبلي المنظور للقاعدة الامريكية المتقدمة التي اسمها اسرائيل سواء بصورة مباشرة او بالواسطة لا سيما بعد الفشل الذريع لعدوان الـ33 يوما علي لبنان.ومن جهة اخري لما كان العالم بدأ يصحو علي خطر الاحادية الامريكية في السياسة الدولية والدب الروسي بالذات بدأ يطالب بحصته التي تليق به كقطب دولي له مكانته التاريخية والصين كقطب دولي صاعد واوروبا كقطب دولي منافس واليسار اللاتيني المناكف كقوة صاعدة جديدة علي المسرح الدولي.لذلك كله لا بد من التركيز علي خصم قديم متجدد واظهاره بمثابة الخطر الداهم علي الامن الدولي والخطر القومي الامريكي وقبل ذلك وبعده الدويلة والكيان المدلل اسرائيل.فهل هناك مثال ونموذج ينطبق عليه شأن نزول الوحي والعياذ بالله، علي الرئيس المتدين جدا جورج بوش الابن افضل من ايران؟ بالطبع لا! وهل هناك امر يثير الجدل ويدغدغ مشاعر واحاسيس ونفوس وعقول الرأي العام العالمي افضل من النووي ؟ بالتأكيد لا!اذن فلتقرع الطبول وتحشد كل المقولات وتجند كل القوي ضد الشرير القديم الجديد الذي يريد ابادة العالم، وضرب امنه واستقراره!لكن ما غاب عن امريكا المحافظين الجدد هو ان العالم لم يعد هو نفسه العالم القديم الذي اعتمدت عليه في تحشيد الاكاذيب والاضاليل وسبل الخداع. والخصم المستهدف هو ليس كسائر الخصوم ممن سبقوه!وامريكا ايضا لم تعد تلك امريكا التي غشها جورج بوش الابن واجهزة استخباراته ومؤسسات الامن والدفاع والدبلوماسية عن الخطر الداهم المحيق بامريكا!ثمة صحوة في كل مكان ابتداء من جوار البيت الابيض نفسه مرورا بكل عواصم صناعة القرار الدولي الكبيرة والصغيرة وصولا الي طهران المستهدفة.غير ان الادارة الامريكية محشورة هذه المرة حشرة لا تحسد عليها، فهي تريد الخروج المشرف من المستنقع العراقي والانتقام لكبريائها وكبرياء ربيبتها اسرائيل اللتين مرغتا في التراب اثناء العدوان الاخير علي لبنان والمقاومة، وبدلا من ان تكون تجربة ذلك العدوان قد مهدت الطريق للعدوان الذي كان يعد ضد طهران فان تلك التجربة شكلت احباطا شديدا لديها ما بعده احباط!من جهة اخري فانه وكما قيل لها بانها لن تستطيع الخروج المشرف من العراق الا بتعاون كل من سورية وايران (لجنة بيكر ـ هاميلتون) فقد اضحت امام خيارين احلاهما مر! او بين خيار المغامرة او المقامرة!وهنا يبدو بيت القصيد في كل الحملة الدبلوماسية والاعلامية والامنية التي تحشدها واشنطن ضد طهران. فهي تحشد ضد خصم يتجنب الصدام معها ويفلت من افخاخها ويصر علي الحوار اسلوبا امثل لحل النزاعات والمفاوضات اسلوبا ناجعا لنزع فتيل التفجير فيما هي تشعر بضرورة الحسم والقضاء علي الخصم باي ثمن كان! فيما العالم بات احرص الناس علي تجنب الحروب وكلهم يشكك في مصداقية الادارة الامريكية حتي لو اعطاها من حلاوة اللسان من القرارات الدولية القاطعة والحازمة لكنها غير الرادعة! انه عالم جديد لم يعد بامكان امريكا مصادرة قراراته وكلماته ومقولاته وحروفه فضلا عن حروبه انه عالم جديد ينهض علي انقاض عالم قديم ينهار!9