حذار من فشل تفاهمات اتفاق مكة
أـ د. ابراهيم ابراشحذار من فشل تفاهمات اتفاق مكةحظي لقاء مكة بقدر كبير من الاهتمام المحلي والدولي وخلق حالة من الترقب والمراهنة ذات المرامي المتعددة والمتعارضة أحيانا، كما تفاوتت التقييمات ما بين من يعتبر الاتفاق كسبا لحركة حماس وبرنامجها ومن يعتبره كسبا للرئيس أبو مازن وتوجهه السياسي. عدم القدرة علي الحسم، لمصلحة مَن من الحزبين كان الاتفاق، انما هو مؤشر علي وجود طرف ثالث مستفيد من الاتفاق وهذا الطرف هو القاسم المشترك او المصلحة الوطنية والتي تجسدت في التفاهمات حول وقف الاقتتال وتشكيل حكومة وحدة وطنية ووضع أسس تفعيل منظمة التحرير. عندما تقدم حركة حماس تنازلات وتقدم حركة فتح تنازلات للمصلحة الوطنية وتكون هذه التنازلات عن قناعة وليس مجرد مناورة، لا يكون أي من الحزبين قد خسر شيئا لأن المصلحة الوطنية هي مصلحة كليهما ومصلحة كل القوي السياسية. الاتفاق حتي الآن حقق هدفا أسعد كل بيت فلسطيني وكل من يتعاطف معهم ويعيش قضيتهم، وهي وقف الاقتتال والانتقال من حالة اليأس والاحساس بالخجل مما جري من اقتتال الي حالة ترقب مشوب بأمل، مع ما صاحب ذلك من تراجع في المظاهر المسلحة وفي حالات التحريض الاعلامي في الاذاعات وفي المساجد التي تحول بعضها الي منابر لزرع الفتنة وليس للعبادة، ولكن المراهنة علي لقاء مكة قد تكون لها أبعاد أكبر من ذلك، فالاقتتال الداخلي كان نتيجة استعصاءات مست كل مكونات النظام السياسي وحولت القضية الفلسطينية لورقة توظفها أطراف اقليمية ودولية لصالحها وأحرجت أطرافا متعددة علي رأسها العربية السعودية. وبالتالي يفترض بمخرجات هذا اللقاء أن تعالج جذور المشكلة ولا تقتصر علي التعامل مع افرازاتها وان يدشن اللقاء مرحلة جديدة من العلاقات الفلسطينية ـ الفلسطينية تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الفلسطينية مع العالم الخارجي علي أسس وثوابت فلسطينية محل توافق وطني، فهل كان ضمن أجندة المخططين لاجتماع مكة وللمجتمعين أن يعالجوا جوهر الصراع أم كان هدفهم مجرد تهدئته؟وهل كان لقاء مكة بعيدا عن الزيارة المخطط لها لوزيرة الخارجية الأمريكية للمنطقة؟وحتي نضع المراهنات علي لقاء مكة في سياقها الحقيقي فلنرجع لملابسات عقد اللقاء وخصوصا الأحداث التي سبقت اللقاء وطنيا ودوليا:علي المستوي الوطني:ـ انتخابات تشريعية أدت لتفاقم أزمة النظام السياسي بدلا من حلها. ـ حصار للشعب كله ولكن تحت عنوان حصار الحكومة.ـ حوارات وطنية داخلية فاشلة، حيث باتت مكونات النظام السياسي عاجزة ليس فقط عن حل أزمة النظام داخليا وخارجيا بل حتي عاجزة عن ادارة الأزمة. ـ اقتتال داخلي ألحق العار بكل المقاومة والمقاومين وبالشعب الفلسطيني.ـ فقدان الحزبين المتقاتلين لشعبيتهما واحترامهما أمام غالبية الجمهور وأمام العالم الخارجي.ـ توظيف اسرائيل لكل ذلك لتتفرغ لتهويد القدس واستكمال مخططها الاستيطاني. ـ تراجع الاهتمام الدولي والعربي بالقضية الفلسطينية لصالح ما يجري بالعراق ولبنان وايران وحتي السودان أصبح أكثر أهمية مما يجري في غزة. ـ تفكك وانهيار بنية المجتمع الفلسطيني علي كافة المستويات: تفكك أسري، تفشي البطالة والفقر، تفشي المخدرات والانحلال، تراجع في المستوي التعليمي وفي السمات الحضارية، وترسخ العائلية والعشائرية والجماعات غير الرسمية وممارستها للابتزاز والارهاب. ـ زيادة التباعد ما بين الضفة الفلسطينية وقطاع غزة نفسيا وسياسيا، حتي أوشك الأمر للوصول للحديث عن السلطة الفتحاوية في الضفة والامارة الحمساوية في غزة. علي المستوي الاقليمي والدولي:ـ تقرير بيكر ـ هاملتون والذي نصح الادارة الأمريكية بمعالجة القضية الفلسطينية باعتبارها عاملا مؤثرا ومؤججا للصراعات الأخري في المنطقة. ـ زيارة رايس للمنطقة والمخطط لها مسبقا.ـ لقاء اللجنة الرباعية قبل أيام من لقاء مكة حيث قالت الرباعية بأن الحصار الاقتصادي علي الفلسطينيين دفع بالحكومة للارتماء في أحضان ايران. ـ الحالة القابلة للتفجر في لبنان وايران واستمرار الأزمة في العراق، كل ذلك يدفع الادارة الأمريكية وحلفاءها لمحاولة التهدئة علي بعض هذه الجبهات. ـ استعداد العربية السعودية لاحتضان مؤتمر قمة عربي في الشهر القادم وسيكون جدول أعماله مثقلا بالملفات الكبيرة والشائكة. ـ فشل (أو افشال) المبادرات العربية ـ المبادرات المصرية والأردنية والقطرية والسورية ـ في حل المشاكل الفلسطينية الداخلية. هكذا التقت في لقاء مكة مصالح أطراف متعددة ـ محلية فلسطينية واقليمية ودولية ـ علي ضرورة تسكين الحالة الفلسطينية المنفلتة، تسكين دون أن يصل الأمر لحد العمل علي حل الأزمة بشكل نهائي، كل طرف يريد تسكين الحالة أو تهدئتها ولو لحين من الزمن لأهداف خاصة به، ويستشف ذلك من خلال سرعة الاعلان عن التوصل لتفاهم علي القضايا الأساسية التي استغرق الحوار الداخلي بشأنها سنوات وآلاف الساعات دون التوصل لتفاهم مشترك، كاعادة بناء منظمة التحرير والشراكة السياسية وحكومة الوحدة الوطنية، دون التعمق بأي منها، مع القفز علي المسائل الخلافية: وزير الداخلية، برنامج الحكومة، القوة التنفيذية، توحيد الأجهزة الأمنية، ،مصير الحالات والميليشيات العسكرية، مصير الحكومة المنشودة ان لم يتم رفع الحصار، الموقف من المقاومة المسلحة واطلاق الصواريخ وأخيرا وليس آخرا قضية الجندي الاسرائيلي الأسير.ولكن ومع القول بان ما جري هو مجرد تهدئة تخدم أغراض أطراف متعددة، فالتحدي أمام الفلسطينيين هو كيفية تحويل تفاهمات مكة، بعد استيعاب بقية القوي السياسية، الي منعطف استراتيجي في المسيرة السياسية، ذلك أن فشل تفاهمات مكة وخصوصا حكومة الوحدة الوطنية سيؤدي الي نتائج وخيمة وقد تعود الحالة الفلسطينية لوضع أكثر سوءا مما كان قبل اللقاء حيث سيلقي كل طرف من الطرفين ـ خصوصا فتح وحماس ـ بالمسؤولية علي الطرف الآخر. اذن مع عدم استبعادنا لوجود ما لمحنا اليه من وجود أهداف تكتيكية لدي البعض، ومع احترامنا لموقف حركة الجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية الرافضتين للمشاركة في حكومة الوحدة الوطنية ـ مع تباين منطلقات عدم المشاركة بالحكومة ـ ومع الاقرار بأن ما جري في مكة يؤكد صعوبة التمسك باستقلالية القرار الوطني، بالرغم من ذلك، يمكن تحويل لقاء مكة ـ وأكرر مرة أخري ان صدقت النوايا ـ الي منعطف استراتيجي ايجابي بعد استكمال المشاورات مع بقية القوي السياسية، وبعد التقدم نحو أن تكون الحكومة الموعودة منطلقا لمشاركة سياسية حقيقية، حيث لا يجوز اتفاق علي برنامج لحكومة، والحكومة حالة عابرة، ولا يوجد ثوابت ومرجعيات وطنية تكون ضمانة في حالة فشل الحكومة. ان توفرت هذه الشروط فلقاء مكة سيشكل منعطفا لا يقل أهمية عن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وخصوصا في المنعطف الذي عرفته عام 1968. مؤشرات هذا المنعطف أو التحول الاستراتيجي ما يلي:ـ تجاوز مرحلة التفرد بالحكم باسم الشرعية التاريخية او الشرعية الدينية ومقولة الحكومة الربانية. ـ الواقعية السياسية المتمثلة باعتراف حركة حماس بأن اسرائيل موجودة كأمر واقع وكحقيقة دولية وحديث خالد مشعل عن خطاب جديد لحركة حماس.ـ حكومة الوحدة الوطنية تعني الاقرار بأن نتائج صناديق الانتخابات التي عكست وجود أغلبية لحركة حماس لا تعكس حقيقة التوازنات علي ارض الواقع، فالأغلبية الانتخابية في الحالة الفلسطينية لا تعني أغلبية مسيطرة واقعيا. ـ أكد لقاء مكة الذي جاء بعد سنة من انتخابات تشريعية، فشل الانتخابات كآلية لحسم النزاعات وتحديد موئل القرار الوطني. ـ الاتفاق كان نتيجة قناعة ولو متأخرة بفشل كل من المراهنة علي النهج الجهادي أو نهج التسوية والاتفاقات الموقعة خارج اطار استراتيجية عمل وطني.خلاصة القول، ان تشكيل حكومة وحدة وطنية خطوة مهمة ولكنها البداية، صعوبات جمة ستواجه تشكيل الحكومة ومنها محاولة ابتزاز الرئيس أبو مازن والضغط عليه وعلي بقية القوي عسي ولعل أن يتضمن برنامج الحكومة الموعودة ما يرضي الرباعية ـ الي الآن لم يعلن عن برنامج الحكومة ـ ولقاء رايس مع ابو مازن وأولمرت وما سبقه وتبعه من تصريحات تقول بالانتظار حتي نري برنامج الحكومة، يصب في هذا الاتجاه. أيضا صعوبات أشد ستواجه الحكومة بعد التشكيل فالحكومة هي مجرد بند من ثمانية عشر بندا تتضمنها وثيقة الأسري ونتمني أن لا يحتاج كل بند لاقتتال داخلي ولقاءات مكية أخري قبل تطبيقه. التحديات كبيرة ولا شك ولكن القضية أكبر وبحكمة وعقلانية قادة ليس أمام الشعب الا المراهنة عليهم ـ ما دام البديل الوطني غير جاهز ـ ومنحهم فرصة تصحيح الشطط في المراهنات والخطأ في الحسابات. عميد كلية الآداب بجامعة الأزهر بغزة8