مثقفون عن رحيل الكاتب الصحافي جوزيف سماحة: الموسوعي والليبرالي والأخلاقي الذي يتعدي السياسة الي التنشيط الثقافي
ناظم السيدمثقفون عن رحيل الكاتب الصحافي جوزيف سماحة: الموسوعي والليبرالي والأخلاقي الذي يتعدي السياسة الي التنشيط الثقافيبيروت ـ القدس العربي ترك رحيل الكاتب الصحافي جوزيف سماحة مساحة شاغرة ليس في صحيفة الأخبار حديثة العهد التي أسسها مع الصحافي ابراهيم الأمين وترأس تحريرها فحسب، وانما في جسم الصحافة اللبنانية كله. لم يكن الراحل صحافياً عادياً، بل كان واحداً من قلائل ارتقوا بهذه المهنة الي العالمية. ليس هذا كلاماً كبيراً. علي الأقل من كان يتابع جوزيف سماحة يعرف أنه واحد من القلائل الذين يتمتعون بقدرة رفيعة علي كتابة مقال رفيع فيه ما فيه من شبك المعلومات الي علو الصوغ بسلاسة مع قدرة علي الاستشراف وربط المصادر والتحليلات ربطاً يبدو قاصراً عند كثيرين. والي هذه المقدرة في الكتابة الصحافية، كان جوزيف سماحة منشطاً صحافياً يعرف كيف يصنع جريدة وكيف يحرض صحافيين من غير أن يزعم فضيلة هنا أو أبوة هناك. ثم انه الي هذا وذاك، كان مثال الكاتب الأخلاقي الذي جعل من الرأي الآخر دافعاً للكتابة، كتابته الخاصة، مع احترام لكل موقف مضاد أو فكرة معاكسة لما يكتب. وقد ظل حتي وفاته في لندن حين ذهب اليها معزياً صديقه القديم والدائم وزميله المخالف له في الرأي حازم صاغية بوفاة زوجته الكاتبة والفنانة مي غصوب، ظل نموذج الكاتب الذي يترك الاعجاب لدي خصومه قبل محبيه. هناك نام سماحة عند صديقه ولن يستيقظ بعد اليوم الا في كتابات تركها مبثوثة في الصحف علي مدي 35 عاماً.ولد جوزيف سماحة في الخنشارة (المتن الشمالي) عام 1949. التحق بالجامعة اللبنانية وحاز الليسانس في الفلسفة عام 1972 ثم دراسات معمقة في العلوم السياسية عام 1981 في باريس. عمل في مجلة الحرية بين عامي 1972 و1974 قبل أن يلتحق بجريدة السفير ويظل فيها حتي عام 1978. ترأس تحرير جريدة الوطن بين عامي 1978 و1980، ما لبث أن عاد الي السفير ليبقي فيها حتي عام 1984. غادر لبنان الي فرنسا وعمل مديراً لتحرير مجلة اليوم السابع وبقي فيها حتي عام 1992. التحق بجريدة الحياة في العام نفسه وأصبح نائباً لرئيس التحرير. بين عامي 1995 و1998 شغل منصب مدير التحرير في السفير لينتقل مجدداً الي الحياة رئيساً للدائرة السياسية في لندن، ثم مديراً لمكتبها في بيروت. عاد عام 2001 الي السفير رئيساً للتحرير ليؤسس في آذار/ مارس 2006 جريدة الأخبار مع ابراهيم الأمين مترئساً تحريرها ومفتتحاً صفحتها الأولي بشكل يومي. ترك الراحل كتابين: قضاء لا قدر: في أخلاق الجمهورية الثانية (1996) و سلام عابر: نحو حل عربي للمسألة اليهودية (1993).وبعد، أنا الذي فقدت أبي قبل أسبوعين، أخسر الآن أباً آخر لكن في الصحافة رغم عدم معرفتي الشخصية بالراحل واقتصار معرفتي به علي مقالاته الصحافية. هنا آراء لمثقفين في جوزيف سماحة الذي فقدته الثقافة في لبنان مثلما فقدته الصحافة السياسية.شوقي بزيع (شاعر):العمق والوضوح والبنيةالسردية والاستقراءأعتقد أن جوزيف سماحة ينتمي الي جيل نادر من الصحافيين والكتاب الذين ظهروا في أكثر المفاصل خطورة في تاريخ لبنان، وكانوا جزءاً من ذلك الغليان الحافل بالوعود الذي عرفه البلد في أوائل عقد السبعينات من القرن المنصرم قبل أن تطيح الحرب الأهلية بكل شيء. ميزة جوزيف سماحة أنه أحد المثقفين الموسوعيين الذين لم يروا في السياسة وحدها اجابات شافية عن أسئلتهم الشخصية من جهة وعن أسئلة الواقع من جهة أخري. لذلك فقد حصن نفسه بقراءات معمقة في التاريخ والفلسفة والأدب شعراً ورواية وفي كل ما يلزم لرؤية الأشياء رؤية نفاذة واستكشافية. وكانت افتتاحياته ومقالاته في الصحف التي عمل فيها موضع متابعة وتقدير من جميع القراء المؤيدين لآرائه والناهضين لها. فهي كانت تجمع العمق والوضوح والبنية السردية والاستقراء والحدس بالمستقبل خارج منظور العرافة والتنجيم بالطبع. كنتُ أحار دائماً كيف يمكن لحياة واحدة أن تكفي لكل تلك القراءات التي حصل عليها جوزيف بالكد والعناء اليوميين. كان يصغي بانتباه أكثر مما يتكلم، وكان شديد التواضع والشفافية ما جعل خصومه يشعرون بالحنين الي خصومته بالقدر نفسه الذي يحنُ فيه أصدقاؤه الي صراحته.جودت فخر الدين (شاعر):أبعد من المشهد السياسيعلاقتي الشخصية بجوزيف سماحة لم تكن قوية. كنت ألتقي به في مناسبات متباعدة عند أصدقاء مشتركين، فيلفت انتباهي بدماثته وعمق تحليلاته. الي ذلك كنت أتابع مقالاته في جريدة السفير . وكثيراً ما كانت تعجبني هذه المقالات وتؤدي بي الي احترام مواقفه السياسية التي كنت أشعر بأنه يبنيها علي تأملات بعيدة وثاقبة. وفاته المفاجأة أحدثت صدمة لدي، ولسوف أظلُ أستذكره من خلال تلك اللقاءات القليلة التي جمعت بيننا. أعتقد أن غيابه سيخلف ثغرة كبيرة في المشهد الثقافي اللبناني والعربي، في هذا المشهد الذي يتعدي الوسط السياسي الي ما هو أبعد وأعمق.أحمد بزون (روائي وناقد):صديق المثقفينجوزيف سماحة من الصحافيين العرب القلائل الذين يستحقون لقب صحافي عالمي. نعرف كيف كان في مقدوره عند كل حدث في العالم استحضار خريطة العالم ومد خطوط التحليل بين دولها الكبري والصغري. لم تكن جديته في المتابعة اليومية تسمح بمرور حدث من دون أن يدخله في آلية التحليل التي يمتلك.لم يكن في متابعته أحادي الاهتمام، فالسياسة كانت واحدة من اهتماماته الكثيرة، فهو لم يكن يمر مرور الكرام علي أخبار الثقافة، بل كان يقف طويلاً أمام مفترقاتها ويغوص كثيراً في اختصاصاتها، ويتابع في المستوي نفسه ما يجري علي الساحة العالمية من سجالات فكرية. عملنا معه طويلاً فكان بالنسبة الينا ولادة أفكار للقسم الثقافي، كما للأقسام الأخري. ما ان يطرح موضوع أمامه حتي يمطرنا اقتراحات وأفكاراً.لم تخسره الصحافة السياسية وحسب، انما هو خسارة كبيرة للاعلام العربي الجاد الحاضر في المنتديات الاعلامية العالمية. أصدقاؤه بين المثقفين أكثر بكثير من الساسة وكتاب الصفحات السياسية. لذا فخسارة المثقفين بفقدانه لا تقل أبداً عن خسارة السياسة. شخص لا يتكرر وخسارة لا يعوضها أحد.صباح زوين (شاعرة):المتنبه لكل القضاياما ان كنا نذكر الصحافة وألمع الصحافيين مع أصدقائنا، حتي يأتي علي لساننا اسم جوزيف سماحة. هذا ما سأحمله دائماً في قلبي وفي روحي! لم يمض يوماً حديث بيني وبين الزملاء الصحافيين والشعراء الا وكان جوزيف سماحة البارز والأبرز، وليس لشيء سوي لأنه الاناء الذي ينضح بما فيه! لم يكن جوزيف سماحة يفرض نفسه من خلال قمع أو سلطة أو تسلط: لأنه لم يكن بحاجة الي ما يدعم حضوره. فهو حاضر وبقوة من خلال قلمه الغني، والثري، والمثقف الي أبعد درجات الثقافة والكله معلومات، والمطلع الواسع الأفق، والمرن التفكير لتشعب الفكر لديه، والمتواضع قبل كل شيء. حضوره كان، وهكذا سيظل، من الوزن الثقيل ومن المستوي الرفيع، ليس لشيء سوي لأنه الواسع الشاسع والعالم بما تحمله كلمة علم من معني. مقالاته تفرضه! قلمه يخلده! ثقافته الشاسعة هي التي فرضته في قلوبنا وعقولنا. كلما ذكرنا المحللين السياسيين وقارناهم، ذكرنا جوزيف سماحة من بين أوائل اللائحة، وما من أحد فينا يختلف عن الآخر حول الموضوع. الا أن سماحة لم يكن فذاً في السياسة فحسب، وكلنا نعلم كم كان يهتم بالثقافة وكان بحراً لا ينضب من العلم في كل مجال. وأي كاتب أو روائي أو شاعر لم يكن يحب أن يقرأ جوزيف سماحة، هو القريب الي التحليل السياسي قربه الي التحليل الادبي؟! واذا كان في نظرته السياسية أبعد من السياسة حيث امتزاج السوسيولوجيا والأدب والرؤيا والحدس الدقيق، فكان في نظرته الثقافية الشاملة أبعد من المحلية حيث بلغ علمه ومعرفته آفاقاً عالمية أكان من حيث القراءة والاطلاع أو من حيث التفاعل والتعبير والكتابة. كنت أقرأه وأعرف أني أقرأ مصداقية ثقافية عالية جداً. كنت أقرأه سياسياً وكان هو يمدني بآفاق أدبية ثقافية تمتد جذورها الي أعمق أعماق الوعي والمعرفة في كل المجالات الفكرية التي تخطر أو لا تخطر علي بالنا.لم يكن يفوته حقل فكري أو ثقافي، ولم يكن يتعب أو يمل من الغرف والعطاء. انه النهم السخي، هذا المثقف الأديب، نعم الأديب قبل كل شيء. انه أمثولة ومثال الصحافي العريق.كان جوزيف شعارنا، غير الجامد، بل المتحول دائماً، للصحافة السياسية الحقيقية وللثقافة الأدبية الصارمة والجدية والعميقة. كان المتنبه لكل القضايا السياسية كما لكل الحركات الأدبية، الا أنه لم يتنبه الي رحلة أبدية خطفته منا ومن ترحاله في أعماق الفكر والكتابة. زهير غانم (شاعر):قيمة أخلاقيةجوزيف سماحة من الصحافيين اللبنانيين والعرب والعالميين، من النادرين في الحفاظ علي مبادئهم ومواقفهم من الناحية الانسانية وليس الأيديولوجية. لا يصطدم مع أحد في كتاباته والتعبير عن أفكاره. وهذه قيمة أخلاقية الي كونها معرفية ربما، وذلك حين ينال الواحد احترام خصومه وتأييد أصدقائه.يُعدُ سماحة من الصحافيين النظيفين. لم يقع في التبادل المباشر للبيع والشراء. كان شخصاً عصامياً اشتغل كثيراً علي نفسه حتي غدا واحداً من أبرز الكتاب العرب في الصحافة السياسية.أخيراً، من باب الطرافة والجد، أسمي جوزيف سماحة ابنه الوحيد زياد، كما فعل من قبل صديقه الراحل الياس مرقص. كان اسماً لا يشير الي دين أو مذهب، هو الذي ترك خانة المذهب شاغرة في السيرة التي وضعها عنه المركز العربي للمعلومات . كما أن تسمية الولد زياد تعني كما كنا نتداول أن الولد ابن أبيه في اشارة الي زياد بن أبيه الذي تولي بلاد فارس أيام معاوية بن أبي سفيان.وسام سعادة (كاتب صحافي):موت الأبمفارقة جوزيف سماحة هي أنه عرف تماماً ومبكراً كيف يدخل الي قلب الصحافة اللبنانية ويصير علماً من أعلامها مع أنه امتلكته في الوقت نفسه فكرة مثالية للصحافة تتناسب بالكاد مع كبريات الصحف في العالم وأبعد ما تكون عن الصحافة اللبنانية. ومن دون أن يكون جوزيف سماحة ساعي توفيق أو مندوباً جوالاً بين هذا المثال للصحافة والصحافي النموذجي المهني فقد ظل يعبر بافتتاحياته عن عمق الهوة التي تفصل طريقة كتابة هذه الافتتاحيات عن بقية أجزاء الصحيفة التي يعمل فيها. فقد كان مثالاً ليس للغريب المختفي المتواري الجالس في بيته بل مثالاً للغريب الذي يبرز يوماً بيوم في صحيفة يومية.لا أستطيع أن أنفي أبداً أن جوزيف سماحة قد توفي وأنا في حالة سجالية معه تتصل برؤية يعتمدها مفادها أنه في السياسة لا يمكن ألا تنحاز لأحد القطبين المتخاصمين في أي معركة سياسية، اما أن تكون مع هذا القطب واما مع ذاك. فقد ظللت أري في هذه المقولة علي أنها لا تترك مجالاً لخيارات المثقف الذي شرط وجوده هو خروجه من كل الثنائيات: من خير وشر، من نفس وبدن، من ايجاب وسلب، من وطني وعميل، من رجعي وتقدمي… فالتزام المثقف بأفكار سياسية هو ألا يخل بشروطه كمثقف، أي بشروطه ككائن لا يمكن أن يحترف السياسة ولا يعرف أن يحترف السياسة.حاولت أن أتحاشي طيلة هذا اليوم (يوم الوفاة) أي شعور بموت الأب. لكن في المساء من الممكن أن أعترف أن ثمة موتاً لأب فعلاً. لأن جوزيف سماحة أول من دعاني الي الصحافة عام 1998، وكنت بعدُ لم أزل طالباً، وما كان احتراف الصحافة في واردي يومها.حسان الزين (شاعر):محرك في ورشة إعادة اعمار الثقافة اللبنانيةجوزيف سماحة ليس صحافياً عادياً، ولا سياسياً عادياً، وليس صديقاً عادياً، هو في هذا كله مثقف، ولا يعنيني أي ترتيب لهذه الأبعاد، كأن يقال جوزيف سماحة الصحافي المثقف، أو السياسي المثقف، أو الصديق المثقف، بل لعلي أرغب في القول جوزيف سماحة الصديق. فهو قبل كل شيء، لكونه انساناً، صديق بكل معني الكلمة. ولكونه انساناً هو تلك الأبعاد كلها. وكان يمكن أن يكون بالنسبة الي والي أي شاعر أو كاتب أو فنان، مجرد صحافي أو مجرد سياسي أو مجرد مثقف، لولا أنه انسان. ومن يعرفه يدرك أنه انسان صديق، وأكاد أجزم: صديق للجميع. وهنا قيمته الأبرز. فجوزيف سماحة بارع في بث الروح بالآخرين من دون زعم القيادة أو التفوق أو رسم خارطة طريق للمنافسة. جوزيف الذي لا يشك صديق أو قارئ أو مستمع أو مشاهد في أنه يعرف الكثير من دون تبجح، يمتلك سحر الانسياب والقدرة علي المشاركة، حين يعطي بكرم مما لديه، أو ما لديه، يعرف كيف يركز الاهتمام علي ما يقول لا حول نفسه، لا يفعل ذلك من موقع العارف واضعاً الآخر في موقع الجاهل، علماً أنه، وهو القارئ النهم والشرس، يقول الكثير الكثير من الجديد، سواء أكان معلومات أم أفكاراً من ابتكاره.هكذا، مثلاً، لا يمكن القول ان جوزيف سماحة محرض ثقافي أو مرجع ثقافي، كما لا يمكن التسرع في وصفه بصديق المثقفين وكأنه ليس منهم، حتي وان كان صديقاً للكثيرين منهم. هو، باختصار، ليس شاعراً أو فناناً أو روائياً، علي الرغم من أنه في اعتقادي كان يعِد نفسه بكتابة رواية حين يتقاعد. ببساطة، جوزيف محترف: صديق محترف ومثقف محترف، اختصاصه الصحافة بما تستلزمه من استعداد ثقافي وانساني. وقد أضاف هو، ببراعته الانسانية الفطرية، القدرة علي تحريض الآخرين، صحافيين في الدرجة الأولي وكتاباً بدرجات أقل، علي الانفتاح علي الحياة بوصفها مادة خاماً للثقافة والمعرفة والعيش. فلا حدود أو سككاً حديدية للثقافة والمعرفة والوجود. وحياته خير مثال علي ذلك، فهو صنع نفسه في الحياة، هنا في بلده لبنان، وهناك في باريس أو لندن. تعلم من كل شيء خاض فيه، ومن أي مكان وطئه بقدميه، وتعلم من كل من تعامل معه، وهؤلاء أصدقاؤه، ولا يري أعمالهم من دونهم، فهم أبطال رواياتهم وقصائدهم، أو أبطاله هو، يتذكرهم بحب وسخرية لا تخلو من ود. فجوزيف سماحة ليس سياسياً أو صحافياً عادياً، وهو الذي بث الروح في جسد الصحافة اللبنانية بعد الحرب ودفعها الي التجديد والانتماء الي العالم وحركته، لا من خلال الثقافة وانما من خلال الناس المثقفين القادرين علي العمل والابداع، كشرط. لقد كان، مع آخرين، محركاً رئيسياً في ورشة اعادة اعمار الثقافة اللبنانية، وتنظيم أجندات العديد من المثقفين. وكاتب هذه السطور واحد منهم.غسان جواد (شاعر):خسارة للخصوم قبل الأصدقاءخبر وفاة جوزف سماحة مفاجأة. كنت أعتقد أن المبدعين لا يموتون. المبدعون يوحون لك بالقوة، يوحون باستمرار لا يقف علي حجمه الزمن. أعرف جوزف سماحة منذ عشر سنوات تقريباً. أعرفه كاتباً علي الصفحة الأولي في جريدة السفير ، يسارياً خارج الأطر الحزبية، داعية تنوع وحريات عامة وديموقراطية. علاقتنا توطدت أثناء الشروع في غزو العراق. كان نقاش بيني وبينه حول الاستعمار والاستبداد. كان ضد الغزو، وضد سياسات الولايات المتحدة. وكنت أختلف معه، كما يختلف الضد الذي يظهر حسنه الضد. أحسبني اليوم أري الي فقيدنا أنه أفضل من يمكن أن تختلف معه. انه أعلي مستوي في الأشخاص الذين لا توافقهم الرأي. كتب كثيراً. وأحسب أن الكتابة قتلته. تراكم الكلمات علي صدر رجل يقتله حتماً. افتتاحياته كانت تحمل الهم ذاته، والثقافة ذاتها، والعمق ذاته. لم يكتب الموقف اليومي والعابر الا قليلاً. أفكاره كانت تبتعد عن الابتذال المباشر، لم تدخل المصادر المطلعة أو تلك الموثوقة في كتاباته. لم يصفِ حساباته بالكلمة. لقد أراد أن تكون الكتابة خالصة من أجل الكتابة، والموقف من أجل الموقف، أن يكون في كتابته صاحب اضافات لا مواقف مستهلكة. الكتابة عن جوزف في هذه اللحظة صعبة ومعقدة. كنت أحبه، وأختلف معه في ما خص لبنان والبلاد العربية. جوزف سماحة الميت خسارة كبيرة للخصوم قبل الأصدقاء.فيديل سبيتي (شاعر):أن تكره الموت بسبب مقالةليس موت جوزيف سماحة بالسكتة القلبية يصيره عاديا. فالخسارة في هذه الحالة هي خسارة الموت بأي طريقة أتي، سواء كان بسيارة مفخخة أم بقنبلة مزروعة تحت المقعد أو بانفجار شريان في القلب. الخسارة هي التي تحتسب في هذه الحالة. خسارة سمير قصير وجبران تويني ومن بعدهما جوزيف سماحة. كأن يقال علي سبيل المثال ان البلاد تهاجرها العقول الي بلاد أخري وأن يقال ان الصحافة في لبنان، وفي العالم بالتأكيد، تخسر عقولاً وأرباباً ومثقفين ومعلمين.هي الخسارة التي يمكن احالتها علي أمر تفصيلي ويومي وبسيط بساطة خروجه عن ألم فردي وخاص، كأن أحزر أنني من الآن فصاعداً لن أقرأ مقالة جوزيف سماحة، لا لأنه قررالتوقف عن الكتابة، بل لأن الكتابة التي عشقها أتعبته وأرهقته ثم أخذت منه حياته. هكذا، أن يكون كرهك الموت سببه مقالة يومية لن تقرأها بعد الآن. مقالة جوزيف سماحة كانت تجذبنا اليها جذباً. لم نكن نوافقه في آرائه السياسية ومواقفه من مآل الأوضاع السياسية في هذه البلاد الممتدة من العراق الي فلسطين. كان يحرضنا علي رفض الاحتلال من أينما أتي، وكنا نقول (نحن جماعة من الكتاب الشباب الذين نجعل النقاش السياسي واحداً من أسباب ترفيهنا) اننا بحاجة الي هذا الاحتلال، وان شعوبنا وبلادنا لن تقوم لها قائمة من الجهل والتخلف الا بواسطة الاحتلال، هذه هي حال الشعوب منذ وجدت علي الأرض، كنا نقول. وهو كان يحرضنا علي الاحتلال وكنا نمتعض أحياناً من اصراره علي دعم المقاومة كيفما كان شكلها، ومع ذلك كان علينا أن نقرأ مقالته عن آخرها. ليس بمقدورنا أساساً أن نقرر قراءة جزء منها أو مقطع. فالمقالة مصنوعة ككتلة متراصة ولا يمكن تفكيكها بالقراءة. وعلي قارئ المقدمة أن يصل الي الخاتمة وأن يمر بينهما في الوسط والا لن يعرف ماذا يريد جوزيف من مقالته. كنا نقرأ لنتعلم ولنعرف كيف يفكر الطرف الآخر . وكان جوزيف سلساً في مقالته يقدمها الينا مرتاحاً وكما لو أن الكتابة فعل تنفس، شهيق وزفير. الآن رحل جوزيف سماحة، ويبدو أن السنوات القليلة الماضية تعودنا علي الخسارة، ثم اللامبالاة في نهاية الأمر، فمن يعتاد علي موت القريبين والبعيدين سيصير الموت عادياً في حياته. ولكن ليس لنا سوي أن نعزي حازم صاغية ، الذي تضاعف مصابه بموت زوجته مي غصوب أولاً، ومن ثم موت صديقه جوزيف سماحة علي السرير في منزله. يا لهول حزنك يا حازم. لكننا سنقولها هذه المرة بجدية وواقعية تامتين: العوض في سلامتك.علي بردي (صحافي):مكافح وطني وعربيمهما اختلف المرء معه في السياسة، يبقي جوزيف سماحة صاحب قامة فكرية وصحافية نضالية لا تلين. فهو من قلة بين الكتاب اللبنانيين، وربما العرب، الذين لا يمكن أن يمر كلامهم في السياسة مرور الكرام. اذ انه يكتب نصاً عميقاً محاججاً وغير متشنج. دأبه الدائم قضية وطنية وقومية عربية لا يحيد عنها في كل كتاباته، ومناضل من الطراز الأول دفاعاً عن القضية الفلسطينية ضد الاحتلال الاسرائيلي. كما أنه مكافح عنيد ضد الاستعمار الأجنبي للبلاد العربية.مؤمن بأن مخاض التحرر طويل ولا بد أن ينتهي، مهما كانت الرحلة شاقة وعسيرة ومؤلمة.جوزيف سماحة الذي انخرط مبكراً في النضال مع القوميين العرب، تجلي نضاله عشية الحرب اللبنانية عام 1975، حين كان ناشطاً فكرياً في منظمة العمل الشيوعي . ومن أبرز مميزاته أنه اذا اختلف في السياسة مع أحد ما، يبقي محافظاً علي الصداقة رغم الخصومة السياسية التي لا يمكن الا أن تكون غيمة صيف عابرة.ومن أبرز الدلالات علي حفاظه علي صلات الصداقة أنه حين اختلف سياسياً مع صديقه الصحافي الراحل سمير قصير عام 2001، حين كان قصير عرضة للملاحقة من بعض الأجهزة الأمنية، أبي سماحة الا أن يستضيف قصير في منزله حيث يواصلان مشاجراتهما السياسية التي لا تنتهي.وعندما سمع سماحة بخبر اغتيال صديقه سمير قصير، قال: لن نتوقف عن الكتابة الجريئة والا نقدم مكافأة كبيرة لمن اغتالوا سمير .0