الشاعر المصري أحمد زرزور : معظم المكتوب في قصيدة النثر رديء!

حجم الخط
0

الشاعر المصري أحمد زرزور : معظم المكتوب في قصيدة النثر رديء!

بعد ديوانه الجديد شريعة الأعزل الشاعر المصري أحمد زرزور : معظم المكتوب في قصيدة النثر رديء!القاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: أصدر الشاعر أحمد زرزور ديوانه الجديد شريعة الأعزل عن سلسلة أصوات أدبية بالهيئة العامة لقصور الثقافة، ويعتبر زرزور واحدا من شعراء حقبة السبعينيات في مصر، لكنه لم يكن إلا خارج السياق، ففي الوقت الذي انتهبت فيه جماعتا أصوات و إضاءة الشعريتان ظل زرزور خارج إطار الجماعات، وإن كان يعبر هنا عن رغباته القديمة في الانضواء تحت لواء احدي الجماعتين، نظرا لما مثلتاه من سطوة علي الواقع الثقافي، لكنه يؤكد أيضا أنه كان مخدوعا بشكل كبير، وأن رفضه للمنهج المكلل بالأيديولوجيا للجماعتين كان رفضا موضوعيا يتعلق بقناعاته التامة بأن الشعر لا يمكن أن يولد في احضان الأيديولوجيا، لذلك فإن زرزور لا تفوته مناسبة إلا ويعبر عن طموحه في كتابة نص بغبار الطريق ، وهي عبارة ذات دلالات كثيرة لديه تبدأ من الحياة في أقصي صورها تركيبا، فالشعر في نظره حامل لكل هذه المعطيات، والمعيار الوحيد للمفاضلة بين الأشكال الشعرية هو مدي القدرة علي تحميلها بالشعرية، فالشكل لديه ليس غاية في ذاته، وإن كان نص زرزور منذ بدايته يبدو منحازا بشكل كبير لقصيدة النثر، ولكونه ظل مطرودا من جنة السبعينيين المصريين، فإن أهمية شهادته علي الشعر تأتي في تلك اللحظة الفاصلة التي تتقلص فيها التجربة وتنحصر في أسماء قليلة بعد تحقق الكثير من الانكشافات.وإذا كان زرزور يبدو قاسيا في بعض المواضع في هذا الحوار فإن ذلك يعود الي الكثير من الاستبعاد الذي مورس ضد تجربته.أصدر زرزور عددا من الدواوين منها: الدخول إلي مدائن النعاس 1986، جنون الورد 1994، حرير الوحشة 1994، كذلك أصدر عددا كبيرا من الدواوين للأطفال وهو المجال الذي حصل فيه علي جائزة الدولة التشجيعية، وقد عاد الآن الي رئاسته لتحرير مجلة قطر الندي التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، وكان قد أقصي منها بعد العديد من المعارك من أنس الفقي وزير الإعلام المالي والرئيس الأسبق للهيئة العامة لقصور الثقافة.وهنا نص الحوار: أنت واحد من المبشرين الأوائل لقصيدة النثر، وأحد الناجزين في مشروعها، كيف تراها الآن وكيف تري مستقبلها؟ دعني أشعر بالفرح لانتصار قصيدة النثر وسيادتها كشكل شعري، فقد أصبحت بمثابة المتن بعد كفاح شاق، خاضه شعراؤها، للحصول علي شرعية إبداعية لها، ولا أزال احتفظ حتي الآن بقصيدتين نثريتين لي مؤشر عليهما من الدكتور عبدالقادر القط، إبان رئاسته لتحرير مجلة إبداع بالرفض نعتذر لأن المجلة لا تنشر قصائد النثر . كان ذلك عام 1977، الآن يمكننا أن نعثر علي تأشيرات بالاعتذار عن قصائد الوزن، لكن ذلك لا يعني أن كل المكتوب في النثر جيد، صحيح أن القصيدة هي نص الحياة الحقيقي، وأن ما عداها نص لحياة متخيلة، منضبطة سلفا، فالوزن يقولب الحالة ويقلم أظافرها الفطرية، ويدجن حدسها الاحتمالي، تماما كالشجرة المقصوصة هندسيا في شوارع المدينة، أما قصيدة النثر فهي شجرة البراري الحرة، صحيح كل هذا، لكن القصيدة المصرية الآن، في غالبية نماذجها، تناست مرجعيتها وخانت سلالتها الشعرية، وصارت ضحية لذهنية التقصد والتربص الذهني، وهكذا أودت القصيدة بنفسها: وقدمت – علي مذبح المنافقة – تنازلا مروعا، لقد فقدت روحها، ودججت كيانها بأسلحة فكرية، ثم تم استدعاؤها من أقبية الوجاهة الثقافية، وجاهة الاختلاف والصدمة والمغايرة والمعاندة والتمايز والصياح والهتاف بالانقطاع واغاظة الجميع! هكذا دخل الشعراء متوجين بالشجار مع التابوهات، حتي صار الشجار في حد ذاته تابوها وهم لا يدرون، أصبحت القصيدة مطية لا خطابا حرا لروح حرة، نعم، ومطية لا ملامح لها، فقد انخلع شعراؤها من روحية المكان المصري الي أشياء أخري، ومن ثم، تجد اشجار دردار وقبعات تتطاير وبارات تفرقع زجاجات الشمبانيا بها، وأجسادا شاذة تدوس بأقدامها وجها إلهيا! حتي أن الكثير من الدواوين الجديدة يتبع ـ في إخراجه الفن الطباعي ونظام الكتابة – نفس ما تتميز به الدواوين اللبنانية، وغيرها في بعض البقاع العربية. تقاطعت مع شعراء جيلك من السبعين أحيانا، لكنك كنت خارج المانفستو الذي أشاعوه، لا سيما بين جماعتي أصوات و إضاءة ، إلي أي مدي أثر عليك هذا الخروج وكيف تري هذه التجربة الآن؟ سأكون صريحا وشجاعا إذ أقول لك: انني في البداية، ومنذ نزوحي الاضطراري للإقامة في القاهرة، تمنيت الانضمام لواحدة من جماعتي إضاءة 77 و أصوات ، ففي تلك الفترة – منتصف السبعينيات – ارتفعت وتزايدت الدعوة لتأسيس جماعات ثقافية وطنية ديمقراطية في مواجهة السلطة الساداتية، ومثقفيها الرسميين، والهجمة علي ثقافة اليسار بكل فصائلها، وبدأت بالتعرف علي زملائي في الجماعتين، ونجحت في تكوين صداقات طيبة مع معظمهم، لكن اكتشافي – بعد ذلك – الطبيعة الخندقية بل ومناصبة كل جماعة الأخري العداء، ثم الانشقاقات التي حدثت هنا وهناك، بالإضافة الي الاختلاف الجذري لمرجعيتي الفكرية والثقافية عن مرجعيات الآخرين، ونفوري الشخصي من خطاب التعالي الذي غلب علي ألسنة شعراء الجماعتين، والسعي إلي إلغاء ما عداهم من أصوات شعرية مستقلة، كل هذا حال دون انضمامي الي واحدة من الجماعتين، نعم: فلم يكن هناك اختلاف فكري جوهري لافت بينهما، كذلك الذي يميز الحركات الإبداعية الكبري في التاريخ مثل الدادائيين عقب الحرب العالمية، ورغم ذلك كنت سعيدا بمجلة إضاءة 77 وحاولت النشر فيها بلا جدوي، لتزداد قناعتي باستحالة الاندراج في أجندة هذه الجماعة أو تلك، وشيئا فشيئا، اتسعت شقة الخلاف أيديولوجيا ومعرفيا وجماليا بل وسلوكيا أيضا، وتأكدت من حتمية البقاء خارج السرب، لأكتب قصيدتي الخاصة بي، بعيدا عن صعودا الي الشعر، صعودا الي الوطن ، وعن التنادي لقصيدة مصرية تتبرأ من الدم العربي .لقد ساهمت هذه الاستقلالية في إنقاذي من براثن الكتابة الجماعية، رغم أنها أدت الي حرماني من الاستفادة بالحضور الإعلامي والنقدي الذي خص به جميع شعراء الجماعتين علي اختلاف الدرجة والقدرة، هكذا بطريقة البيع بالجملة، بحيث صار مصطلح شعراء السبعينات مقرونا بهم فقط، وهو ما ألحق ضررا كبيرا بالمشهد الشعري المصري الذي يضم أصواتا رائعة ـ سبعينيا ـ آثرت البعد أو لم تفلح في الانخراط – لحسن الحظ – مثل عزت عامر، محمد يوسف، عبدالعزيز مواف ومحمد صالح. أما صلاح اللقاني، وفريد أبو سعدة ووليد منير فقد انضموا لجماعة إضاءة 77 قبل عدة سنوات.ودعني اعترف ايضا أن للجماعتين معا ـ وللمستقلين ايضا ـ فضل التنبيه لشعرية جديدة، تنتصر للجمال ولتفجير اللغة وتحضير قصيدة النثر في مصر، ولولا هذا الجيل لظلت القصيدة المصرية مجرد إعادة انتاج للنص الصبوري و الحجازي الدنقلي ولا بد من الإشارة هنا الي الشاعر الكبير محمد عفيفي مطر والذي هو في الحقيقة – عراب جيلنا كله ـ من خلال مجلته الرائعة سنابل .أما عن قصيدتي فلا أستطيع القول انها ما زالت تتنفس هواءها الخاص ولم ينضب غبار معينها بعد. پهل تعتقد أن منجزك الشعري الذي طرحته حتي الآن كفيل بتقديم صورة مثلي عن طموحك؟ ألا تعتقد معي أنك مقل بدرجة كبيرة؟ نعم، أنا مقل بدرجة كبيرة، ولكن ليس في الكتابة، وانما في النشر، فلم يصدر لي حتي الآن غير خمسة دواوين وقد أكون سببا في ذلك الإقلال، ربما لطبيعتي الريفية التي تخجل من مطاردة مسؤول النشر هنا وهناك، كما يفعل الكثيرون، ولست مؤهلا لممارسة أساليب غير سوية، رغم أنني كنت مسؤولا عن سلسلة أصوات أدبية عام 1996 بالهيئة العامة لقصور الثقافة، إلا أنني لم أفكر في إصدار كتاب لي ضمن السلسلة، دفعا لمظنة استغلال السلطة، وعلي كل حال، فأنا أعتبر ما قدمته ضمن ديواني جنون الورد وحرير الوحشة وكذلك الديوان الأخير يمثل انجازا كبيرا لي، خاصة حرير الوحشة الذي هو قصيدة نثر خالصة، فقد حاولت فيها طرح شعرية بغبار الطريق، أما جنون الورد ، فكان ارهاصا بالانفلات من قصيدة الوزن، فقد اختتمته بقصيدة تجمع بين الوزن واللا وزن وهي قصيدة غموخ أي غموض ووضوح معا، وقد تداخلت فيها فقرات نثرية ووزنية في سياق واحد.ورغم النقد في مصر عن قصيدتي إلا أنني غير منزعج، لأنني أعرف أن هذا النقد ذهب لمصلحة شعراء يمتلكون أعمدة وزوايا صحافية، أو شعراء يجيدون إبرام الاتفاقيات. الشعر المصري الآن يصارع تيارات متلاطمة، كيف تري هذا التصارع؟ وهل تعتقد أن التجاور يمكن أن يقوم بين الشعر العربي قديمه وحديثه؟ أنا لا أؤمن بالإلغاء أبدا، رغم إيماني بانتصار قصيدة النثر كشكل شعري صارت له السيادة الآن، تماما كالسيادة التي تحققت لقصيدة التفعيلة في الخمسينيات علي يدي بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبدالصبور وحجازي، وصدقني فأنا الآن أبحث عن متعة الفرح والاندهاش في النص الإبداعي.وفي النهاية لن يبقي في المشهد سوي الأصلاء، فالقصيدة الحقيقية تفرض حضورها في كل زمان، ونحن إلي الآن لا نزال نردد كلاسيكيات الشعر العربي جاهليا وما بعد جاهلي، ومن بين ركام الشعر الحديث يتألق شعراء قليلون، وهكذا سيتألق شعراء نثر قليلون وهكذا سيتألق شعراء نثر قليلون أيضا، هذا يعني بداهة أن معيار البقاء هو انسانية النص أي تلبّسه أشواق الإنسان بلا افتعال، انه النص لا المظاهرة، وعلي زملائي شعراء قصيدة النثر ألا يركنوا إلي حتمية هيمنة شكل فقط، لأنها بحاجة إلي روح تتحرك وتموج، وتجعل الشكل حيا، يتنفس حراكه الوجداني وبهذا يصبح الشكل شاهدا ومنخرطا في عصره، وبهذا يضمن الشكل حياة إبداعية خلاقة. ربما هذا هو ما يجعل لبعض النصوص – عمودية أو تفعيلية أو نثرية – ذلك الحضور الدائم: الروح الإنسانية التي تجعل الدموع تطفر من عينيك وتدعوك لسهرة مع التهدج والنشيج، انظر مثلا لدواوين مدينة بلا قلب، أوراق الغرفة 8، ملامح من الوجه الأنبا ذو قليسي، حزن في ضوء القمر، شناشيل ابنة الجلبي، الناس في بلادي، فقد الألم، لن، لماذا تركت الحصان وحيدا، أفعال مضارعة، رعاة العزلة .هذا هو معيار التجاور، الإنسان من حيث كونه غائية النص، الإنسان مجردا من كل ما يعيق حركة روحه. أشعت منذ زمن ما يسمي بشعرية غبار الطريق التي تحدثت عنها علي عجالة، هل هي جملة أثيرة لديك فحسب؟ پ غبار الطريق سيظل دائما هو الآلية والغائية معا في منظوري الكتابي، فأنا قادم من غبار شوارع القرية وحقولها في سروهيت بمحافظة الجيزة، وما بين هذين الغبارين تشكلت الطريقة والرسالة، نعم الرسالة، فأنا أؤمن ـ فطريا ـ بأهمية الطبقة الاجتماعية الكادحة، وهي في النسيج تمثل لي عضوية الكتابة ، التي ينجزها مثقف عضوي شاعرا أو قاصا، أو مسرحيا، أو باحثا في البحر، ذلك المبدع الذي تنسم رائحة قمصان الفلاحين الزرقاء تحت شمس الظهيرة الحارقة، وتنشق عطر عيون ربات البيوت الحزينة في أسواق الحي الشعبي المسمي تندرا بالصين الشعبية والعيون التي تكاد تبكي، وهي تحاول المواءمة بين أسعار الخضراوات والقروش القليلة التي تختبيء في صدور الزوجات المتشحات بالهم والحرمان في زمن الخصخصة، وبطالة الشباب. لكل ذلك، ولتاريخ طويل خصتني آلامه طفلا ويافعا وشابا وإلي هذه اللحظة، كيف كان بمقدوري ـ إذن ـ أن أسعل من غبار آخر؟، نعم، غبار آخر أسميته غبار الميتافيزيقا الذي صنعه آخرون بتلذذ ذهني وأيديولوجي غريب، غبار لا يثيره غير الوهم، الوهم الذي تأسست عليه عوالم موازية للعوالم الحية، التي أدرجتني في أجندتها اليومـية وصنعتني علي عينها، فانطبع كلانا من مرآة الآخر ، هكذا كان طبيعيا وتلقائيا، وبديهيا أن أصرخ ـ بهدوئي المعتاد ـ لـ قصيدة بغبار الطريق ، قصيدة شعرية التفاصيل اليومية الصغيرة بأناسها وحيواتها، بدخان عرباتها وطرقعة عجلات الكارو وشتائم معلمي الورش للصبيان الصغار شاحبي الوجوه متسخي الثياب وخطب الرؤساء والوزراء المتفائلة المبشرة وابتساماتهم الرسمية، فيما ينتحر أحد خريجي كلية الاقتصاد والعلوم السياسية تخلصا من البطالة المزمنة.هكذا كان لا بد أن تتطهر القصيدة التي أكتبها من نقاء الميتافيزيقا وبيانات النخبة التي حرضت علي الفصل بين الشعر وبين مفردات الحياة، تحت زعم أن السياسة للسياسي والشعر للشاعر، مما أدي الي تجريف القصيدة من مائها الحيوي.قصيدتي إذن كانت ولا تزال هي نص الحياة الجدلي، الذات فيها علي علاقة مباشرة وأصيلة بالجموع، علائقها نسيجية متواشجة، لا فصل بين لحظة حب وبين لحظة غطيط في مجلسي الشعب والشوري وبين لحظة اغتصاب لأحد المناضلين في مكان ما علي الأرض وبين لحظة اغتيال لأحد المناضلين في مكان ما علي الأرض وبين لحظة انتصار في جنوب لبنان.الفنان هنا يصل القضايا الكبري بالصغري، لأن الحياة امتزاج طبيعي بين كل عناصرها، لهذا أندهش كثيرا عندما يهتف البعض بانتهاء القضايا الكبري من خطاب الشعر الجديد، متسائلا: هل تستطيعون إذن أن تضعوا أنفسكم في حبس انفرادي بزنزانة الذات دونما أدني اكتراث بأزمة محلية كأزمة السيولة أو باتجاه عالمي يكرس للقطبية الأحادية تحت شعار العولمة؟ وهل يستطيع الشاعر أن يعزل عواطفه، ومن ثم كتابته عن هذه المؤثرات، ثم يدعي أنه ابن الحياة؟قصيدتي خاصة في الديوان الأخير هي محاولة من محاولات شعر غبار الطريق وهو ما جعل ناقدا مثل الدكتور محمد فكري الجزار يقول لي: لقد نجحت قصيدتك في أن تقول كل شيء دونما التفريط بقوانينها الجمالية والإيقاعية ، وأظنني لا أجامل نفسي إذا أشرت إلي أن قصيدتي غير مسبوقة في استلهام الحياة بكافة مكوناتها، وإلا فأين هي القصيدة التي انسابت في نهرها مصطلحات غير مألوفة شعريا: مثل مجلس الشعب والشوري، المجالس القومية المتخصصة، برلمانات العالم الثالث، الشرعية الدستورية، الشرعية الثورية، وإشارات اجتماعية مثل: أغاني الميكروباص، وأرجو أن تتذكر أن هذا كله بدأ مع قصيدتي – أوائل الثمانينيات – قبل أن تستفحل ظاهرة كتابة التفاصيل، التي صارت مجانية ومعزولة.QHR0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية