الشاعر سركون بولص: المعني المختلف بين التبنّي والبنوّة

حجم الخط
0

الشاعر سركون بولص: المعني المختلف بين التبنّي والبنوّة

نصر جميل شعثالشاعر سركون بولص: المعني المختلف بين التبنّي والبنوّةالشاعر، ما ان حل به خراب أو حل هو في العمران؛ يظل يحمل فانوسا، يبحث عن شيء ما في الخرابة، أو عن معني، أو عن حماية للمعني وللنافذة من المناخات الزائلة التي لم يعد صالحا الانجراف معها (لقد خربوا الأوزون، تقول الجرائد من أجل هذه السيارات اللعينة).. ربما كان هو المعني: أن تترك المحطات خالية وراءك. ربما كان هو المعني: أن تتعلم كيف تحيا . هكذا يعبر الشاعر العراقي سركون بولص، عن الموقف في قصيدة: شارة الانبعاث .اذ أمامي، الآن، العدد 27 من فصلية مشارف الحيفاوية، والتي استهلتها المحررة بأربع عشرة قصيدة، كلها، تحرض، بدورها، علي الاستزادة من المواقف الجمالية والشعرية والمعنوية لدي سركون؛ الوفي والصائن لموهبته بفضحها، بعفوية من سعي لحرية القصيدة من الذهن، ومن مظهر النظام، مفسحا الذري والتضاريس للصور الحسية الرشيقة؛ التي يترافق مع وجودها الاعتراف بقدرة الشاعر الرائعة علي الامساك بوجود الشعر في القصيدة. فالحالات التي يكتب تحت تأثيرها الشاعر، وينجح في الامساك بوجود القصيدة علي الورقة؛ هي حالات شاعر يتبني الجغرافيا في القصائد تبنيا يستدعي لقبا آخر لصيقا بالشاعر، وهو: السائح أو الرحالة المقبل علي المدن الغربية بنهم من هو هارب من خرابة الشرق والتاريخ، وبارادة من هو عائد الي الشرق كلما خصه ألم، ودعاه عيد أحزانه لأن يعكس مرآة حنينه علي المعني، فيما يمكن أن نعتبره، الآن، افتراقا، ورفضا للانجراف، وطردا لما يلوث الروح العائدة الي البلاد عودة مجازية تتبرأ من أزمنة الآخرين. في الوقت الذي، تطرد أزمنة الآخرين صوت أيامه وحواشيها. هذا ما يقوله سركون في قصيدة صوت أيامي، أزمنة الآخرين : هكذا صارت حياتي أشبه بجغرافيا / لا يمكن تفسيرها / بالمواقع والأماكن، وصوت أيامي / لم يعد قابلا للتبني / من قبل أزمنة الآخرين .فهنا، نقبض علي مسألة التبني واضحة كونها شريكة خلاقة لتداعيات العناوين والقصائد، نلمح برفقتها الحاشية ؛ وكلها ستنجح في خلق المعني في حضرة جدليات: المعمورة، الخرابة. الشرق، الغرب. المستقبل كوحوش منطلقة، الماضي كجثة آمنة. اذ تتطور، في التوتر الخلاق، علاقة الموت بفوبيا الحاضر والمستقبل. قصيدة: حديث مع رسام في نيويورك بعد سقوط الأبراج تمثل لحظة الحاضر فـ: لكل شيء حد، اذا تجاوزته انطلقت عاصفة الأخطاء. / انها حاشية علي صفحة الحاضر / خطوتها مهيأة لتبقي / حفرا واضحا في الحجر.. ، بينما المستقبل هو بوابة الجحيم : أري اصبع رودان في كل هذا / أراه واقفا في بوابة الجحيم، ويشير الي / هوة ستنطلق منها وحوش المستقبل، هناك حيث انهار برجان، وجنت أمريكا .. حيث هناك اشارة يضعها سركون في حاشيةٍ أسفل القصيدة؛ يذكر فيها ـ ويحدد مكان وجود نسخة منها ـ (بوابة الجحيم، تشير الي منحوتة كبيرة لرودان بعنوان بوابة الجحيم . توجد نسخة منها في متحف جامعة ستانفورد، في مدينة بالو ألتو، بولاية كاليفورنيا ). وبدورها، تشير مجلة مشارف الي أنه (شاعر عراقي مقيم في سان فرانسيسكو، كاليفورنيا، الولايات المتحدة ).اذا، ما دمنا نري وجود كلمة حاشية في القصائد، فيلزمنا الاهتمام بالحواشي التي يكتبها الشاعر والمجلة. فهي حواشٍ تشير في النص ـ الحاضر ـ الي المركز بتعيين أسماء المدن انتهاء بأمريكا ! إذ، سيطرد سركون (هذا) المستقبل من قصيدة صوت أيامي أزمنة الآخرين ، في طريقه الي قبول الماضي، كونه جثة أمينة: لم نعد نحب ما كنا مولهين به.. / ما كان يسرنا، كالرماد، علي لساننا يستقر. / لأنه الأمس / نعانق ما كان ولا نقشعر عندما / نعرف أنه الماضي، تلك الجثة الأمينة كذلك، تظهر مسألة التبني من قبل جغرافيا الآخرين، عندما نري الي الحاشية التي يضعها الشاعر نهاية قصيدة: يوميات من قلعة فيبر سدورف ، بوصفها شكلا من أشكال قبول سركون للتبني من قبل جغرافيا الآمنة والأمينة؛ حيث (قلعة فيبر سدورف تقع في قرية ألمانية صغيرة قريبة من برلين ـ أي بعيدة عن حاشية العراق الحاضر ـ، وهي مكرسة للكتاب والفنانين، وكان الشاعر قضي فيها خمسة أشهر متفرغا للتأمل والكتابة). ان، جغرافيا الآخرين تهيئ الأمن والحماية من أشياء كثيرة؛ من أزمنة الأنا، وحواشيها المثقلة بتداعيات المعمورة، الخرابة. كذلك هي تهدي الشاعر الطبيعة، بمعزل عن المدن الكبيرة ليكتب. لكنه يكتب، ليس عن الضجيج، ولا كما في قصيدة سكة عن: نفس الفراغ الطالع من حضرة آخر الليل في أية مدينة: باريس، برلين، لندن، نيويورك.. ، وحسب. ولكن، كتابة تعمد الي نقل عنف أو ملحمة الطبيعة ، الي ملحمة التراب داخل العراق الذي لا يغادر عزلته فيما هو في مأمنه الجغرافي: القلعة.ولئن كانت الأخيرة هي حماية، فانها حافة شعرية، وموعد مع القلق. فما يكتبه شاعر، متأمل ومتوحد في الداخل، في يوميات القلعة، عن روح الطبيعة وعنفها الموسيقي في الخارج؛ سرعان ما يؤخذ مأخذ الاستعارة والكناية علي الأنا العراقية التي حلت في الخرابة. فحين يتحدث عن ريح شمالية من القطب، نجده ينقلنا علي الكناية الي بلده، فالريح: ينشطر الطين لها في الأرض المفخورة / تتقشف لها أيدي الفلاحين / تقلق منسوب الماء في الآبار / ومن رهبة هبوبها، تبقي المحاريث عاطلة / في حافة الحقل، والرفش سبات / لو أن أحدا تجرأ علي الخروج، فالشتاء غراب / أسحم، يهب في وجهه كعباءة أرملة . وهو ما سوف يعني خروج الشاعر، عن الجغرافيا التي تبنته، ليلامس، بالكتابة، جذر المصيبة التي تطارده عبر أيامه من بلده النائي. أو أن ينسي المضائق وينطلق صوب البحر.أي، هنا، يحدث الافتراق بفضل المعني المختلف بين التبني والبنوة. وأيضا تقوم الحديقة بوظيفة القلعة كحماية جمالية، وحافة شعرية كذلك. اذ يكتب سركون، في قصيدة لحظات في الحديقة : جنرالات أمريكا / يشحذون آلة الخراب / صامتا، وفي نيتي أن أصرخ… / لا هذه اللمحة التي / أقتنصها من ملحمة الطبيعة قسرا / تقودني الي سر أطمح في أن أستحليه بكل تلافيفه / المظلمة يوما، ولا ذلك المنحني / في ذاكرتي يسمح لي / أن أري القناع الهارب الي الوراء دوما / في أزقة حياتي الماضية .وقريبا من ذلك، سيري الشاعر أضواء طنجة (من جهة اسبانيا) دعوة لشرقي، غير مستقر، مثقل بالتاريخ والمنفي. الحنين الي الماضي، اذا، يستهدف طنجة المجاز والجغرافيا والأزمنة الأمينة والآمنة في ذاكرة التاريخ. فاذا كانت قلعة فيبر سدورف وحديقة الغرب تمثل الجغرافيا الآمنة؛ فان طنجة رمز جغرافي وتاريخي لأمن وسلامة الانسانية والتقاء الشرق مع الغرب. ولكنها، الآن، نقطة تاريخية، وحافة شعرية، من حيث هي دعوة للحزن علي الهوية الضائعة. وهكذا تكشف الحافة الشعرية عن حالاتٍ رومانسية مدعومة بطاقة نوستالجية في هيئات وتجليات حواسية كأضواء وروائح الأرض التي لها معني أبعد من الجغرافيا في نفسه. انه معني البنوة المجسد أو المجغرف، علي نحو من الوصف والتفصيل الدال علي التوله والعطش، فيما الابن علي الحافة، وفي نقطة الافتراق بين الأندلس وبغداد.هذه الأنشودة المقطوعة من الجذر تسمعها في قصيدة لا شيء منذ آدم ، علي نحو جنائزي وسوداوي: في غور البستان، تتلعثم الظلمة / تعلوها سماء مستورة بصوف / من غزل النجوم فوق الشاعر المتعري من هذا / القميص، ولست يوسف حتي. / تذهب الأغاني / وتجيء المراثي. / لا شيء منذ آدم غير ملحمة التراب . كما سنجد الأنشودة للشيء المفقود في قصيدة طنجة ، في هذا المعادل البصري والموضوعي، حيث يقول الشاعر: روائح الأرض كلها أمامي / في صينية بائع الأفاويه / وبياع عرق السوس بالزنجبيل / يهز في وجهي سترته المجغرفة بأقداح الماء. / آنئذ أتذكر كم أنا عطشان! / وأي صيف يستيقظ في كبدي / وأي طيف من الماضي . والاهتمام بتفاصيل جغرافيا المغرب، انما يفصح عن قرابة صوفية وتاريخية بين المغرب وبغداد؛ عندما في قصيدة عرافة أزمور ، يلتقي نهر أم الربيع بالبحر / وسط محزمة البلاد. هناك / أبحر مولانا بو شعيب / ليلا، في السفينة الآتية بحبيبته عائشة البحرية من بغداد .وعندما في قصيدة جبل القديس برونو كان يري الجبل من نافذته الشرقية (من جهة طنجة) حوتا من تراب: أراه من نافذتي / الشرقية، حوتا من تراب / وديانه الوردية عند الغروب تملأها الظلال حتي / يزحف الضباب من البحر، ويخفيه / في غلائله البيضاء، / مرة، ذهبت أتسلقه، وسرت علي القمة. / واليوم أسير في البيت / جيئة وذهابا، كمن أضاع شيئا / وكلما بلغت النافذة، تطلعت شرقا / وألقيت عليه خلسة، نظرة .في يوميات من قلعة فيبر سدورف أنت، أيضا، تنقلك القصيدة لروح الغابة السوداء، لعوالم شعرية تعود بك الي ملوك الريف من شعراء ومفكرين ورومانطيقيين أثثوا قصائدهم بروح العالم والأشياء، فيما كانوا، في عزلاتهم القروية، أبناء أصليين. ومع سركون، هذا الشاعر ابن الشرق، أصيلا يظل في قرابته الروحية والشعرية مع العالم وشرق المعني. وهذا هو سر أسرار امساك القصيدة بوجودها. ألم يقلْ، في أول قصائده المنشورة في فصلية مشارف ، تحت عنوان كوة: اذا لم تفتح الكوة / لن تطير الي غرفتك الحمامة ـ وأن ـ القصيدة قد تضيع، اذا لم تجد الخيط الخفي / والراوي لن يعرف القصة .كاتب من فلسطينQMK0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية