قصة الصراع مع التراث والحضارة في عالم ضل الطريق

حجم الخط
0

قصة الصراع مع التراث والحضارة في عالم ضل الطريق

د. سعيد الشهابيقصة الصراع مع التراث والحضارة في عالم ضل الطريقلم يعد مستبعدا ان يكون مصير المسجد الاقصي ومسجد القبة مماثلا لمصائر دور العبادة الاخري التي تعرضت للتدمير. فها هي قوات الاحتلال الصهيونية مستمرة في ما تسميه عمليات تنقيب بالقرب من أساسات الحرم القدسي بحجة الاعداد لبناء جسر يصل الي الحرم. ولكن هناك اعتقادا راسخا بان اعمال الحفر الاسرائيليه تهدد سلامة المسجد الاقصي وهو ما سبق ان قررته لجنه التراث العالمي في اجتماعها الاخير في ليتوانيا في الدورة الـ 31 من اجتماعات لجنة التراث العالمي. الاحتجاجات ضد هذه الممارسات الاسرائيلية ما تزال محدودة جدا، ولم تصل بعد الي المستوي الذي يدفع الصهاينة لاعادة النظر في مشروعهم التخريبي. وبرغم الصيحات التي تعالت هنا وهناك ضد هذه الاجراءات الصهيونية، من شخصيات منظمات اسلامية وسياسية، وعلي ألسنة بعض الزعماء العرب، فما تزال قوات الاحتلال مستمرة في المشروع الخطير. تجدر الاشارة الي ان المسجد الاقصي تعرض للحرق المتعمد من قبل عناصر اسرائيلية في 1969، واتي ذلك الحريق علي اجزاء من المسجد من بينها منبره التاريخي. ثم قيل ان الذي قام بجريمة الحرق معتوه . وهنا تطرح تساؤلات كثيرة حول تدمير الآثار الدينية والانسانية في مناطق عديدة من العالم، ومدي فاعلية اجراءات منظمة اليونيسكو في حماية التراث الانساني من التدمير المقصود، خصوصا مع عدم توفر تلك المنظمة علي وسائل ردع فاعلة، وعدم امتلاكها صلاحيات تمكنها من فرض قراراتها علي الاطراف المصممة علي ممارسة التدمير والتخريب. وبرغم تسابق الدول لتسجيل ما لديها من آثار تاريخية لدي اليونيسكو حرصا علي سلامتها، فان التجربة تثبت ان هذا التسجيل لا يوفر حماية كافية لتلك الآثار في ظل غياب ارادة دولية قادرة علي الردع الحقيقي.قبل عام واحد تعرض مسجد العسكريين بمدينة سامراء العراقية لتفجير مدمر حوَل المبني التاريخي الي انقاض، وادي الي تفاقم التوتر الطائفي بمعدلات غير معهودة. وبعد عام كامل علي تلك الجريمة، ما يزال المسجد ذو العمارة الاسلامية المتميزة، والتاريخ العريق مغلقا، بدون ان تكون هناك خطة واضحة لاعادة اعماره. المسجد تم تدميره في صباح 22 شباط (فبراير) 2006، بزرع عبوات ناسفة في نقاط عديدة من قبته الذهبية الزاهية، وكانت عملية محكمة ما يزال مرتكبوها غير معروفين بالتحديد وبعيدين عن ايدي العدالة. لم يكن ذلك الحدث عاديا، بل كان خطوة خطيرة تهدف الي اذكاء الفتنة الطائفية في العراق، وقد تحقق جانب كبير من ذلك. فقبل ذلك الحدث كان العنف الفئوي محتدما خصوصا الذي يمارسه الانتحاريون. ولكن لم يكن القتل علي الهوية متبادلا، بل كان يمارس من قبل مجموعات محدودة وكان اغلبه موجها ضد شيعة العراق. ولكن بعد ذلك التفجير اصبح العنف الطائفي ممارسة متبادلة، وتحول الي قتل علي الهوية، وتجاوز الحدود المألوفة في الصراعات الفئوية والسياسية، وتحول الي عامل توتر خطير في علاقات المسلمين ببعضهم، ليس في العراق فحسب، بل في كافة انحاء العالم الاسلامي. وبعد مرور عام كامل علي ذلك التفجير لا يبدو الوضع علي صعيد العلاقات المذهبية مطمئنا، فقد تحول الي تراشق مذهبي واتهامات متبادلة. والأنكي من ذلك تحول التشنج الطائفي الي قضية ممنهجة تؤسس علي الدين، وتصدر الفتاوي للترويج لها. وقد أصدر رجل الدين السعودي، عبد الله بن جبرين، فتوي مؤخرا يبيح بموجبها تدمير المساجد التي تشيد علي قبور الصالحين من المؤمنين. وجاء في الفتوي ان الواجب هدم تلك الابنية ، مضيفة إن الشرع لا يقرها، والإسلام يأمر بإزالتها . ان فتاوي من هذا النوع تزيد الوضع تعقيدا، وتساهم في تمزيق الامة واضعافها وانشغالها بقضاياها الخاصة بعيدا عن التحديات الكبيرة من الخارج. فالتسويغ الديني للاعتداء علي مقدسات الآخرين ليس من الاسلام في شيء، وهو مناقض لقيم الدين واسس الوئام الاجتماعي واحترام عقائد الآخرين. هذا الموقف فيه مفارقة واضحة مع موقف الخليفة عمر بن الخطاب عندما زار مدينة القدس. ففي 1216 بني فيها مسجد علي يدي صلاح الدين الأيوبي وقد أقيم لذكري صلاة عمر بن الخطاب في هذا الموقع قرب كنيسة القيامة إثر دخوله المدينة وزيارته للكنيسة. ويقول المؤرخون انه خلال زيارة عمر للكنيسة حان موعد الصلاة فخرج من الكنيسة وصلي بعيدا عنها ثم عاد. ولمّا سأله البطريرك صوفرونيوس عن السبب أجابه أنّه لو صلّي في الكنيسة لاستولي عليها المسلمون من بعده ليجعلوها مسجدا يحيي ذكري صلاته فيها. وكان لذلك الموقف أثره الذي منع حدوث اي اعتداء علي الكنيسة لاحقا. أما الفتاوي التي تبيح تدمير دور عبادة الآخرين فقد اصبحت اداة لتدمير العلاقات بين الناس. فهي تجعل الاعتداء علي مقدسات الآخرين امرا واجبا، وهذا خلاف القيم الاسلامية وروح التقارب بين البشر واحترام عقائدهم. وقد استعملت هذه الفتاوي من قبل الحكم السعودي لازالة أكثر من 90 بالمئة من الآثار الاسلامية باقليم الحجاز بدعوي انها مظاهر للشرك وتكريس للبدع. فقد قامت الجرافات بازالة منزل فاطمة، وطمست معالم بيت رسول الله، وتم القضاء علي المساجد السبعة، وقد اصدر مركز يافا للدراسات والابحاث بالقاهرة تقريرا بعنوان: ضرب مقدساتنا الإسلامية .. من وراءه؟ وما هي أهدافه؟ جاء فيه اشارات قوية لوجود مخططات خطيرة لاستهداف مقدسات المسلمين بشكل ممنهج واصرار غير مسبوق. وفيما تحدث العديد من الكتاب والمفكرين عن الدور الصهيوني والامريكي والبريطاني في تدمير تلك المقدسات تساءلت الدكتورة فتحية النبراوي أستاذ السيرة النبوية بجامعة القاهرة: من وراء تلك العمليات التخريبية والتدميرية التي جرت في مكة المكرمة حيث تم هدم القبور وبيوت الرسول (ص) ومنزل زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها وذلك بحجة بناء مراحيض ومغاسل عامة؟ ومن هم هؤلاء المقاولون ورجال الأعمال الذين دمروا التراث الإسلامي المتنوع للمدينة فذلك اعتداء غير مسبوق علي المقدسات الإسلامية التي تم استبدالها بناطحات سحاب جديدة تحت الإنشاء ، كما تم هدم قبر السيدة آمنة بن وهب أم الرسول (ص) في منطقة أبوا بالبلدوزرات وصُب عليه الزيت . وهنا تجدر الاشارة الي ان الآثار البشرية تراث انساني يملكه الجميع، ولا يخص قوما دون آخرين. فالشرقي من حقه ان يطلع علي آثار الغربيين، ومن حق المسيحي ان يطلع علي التراث الاسلامي. كما ان المسلم مطالب بتدبر آثار السابقين للاتعاظ والمعرفة، وهو امر دعا القرآن الكريم اليه في آيات كثيرة. من هنا فتدمير تمثال بوذا في مدينة باميان الافغانية في 2001 كان عملا عبثيا واعتداء علي الآخرين بدون مبرر. فعلي مدي ألفي عام بقي هذا التمثال قائما، ولم يؤثر علي أهل افغانستان من الناحية الدينية، بل اصبح شعبها مسلما برغم وجود ذلك التمثال الذي يوفر للانسانية بعدا تاريخيا يعمق نظرتها لتطور الفكر الديني لدي الشعوب والامم. وبالمنطق نفسه لا يمكن النظر الي تدمير المسجد البابري بمدينة أيوديا الهندية، الا من زاوية التخلف والعصبية. فقد أقدم المتطرفون الهندوس في 1992 علي تدمير المسجد التاريخي الذي يعود بناؤه الي القرن السادس عشر خلال الحكم المغولي، بدعوي انه بني علي انقاض معبد للاله راما. ادي هدم المسجد الي عنف طائفي بين الهندوس والمسلمين نجم عنه مقتل اكثر من 2000 شخص. اما في البلقان فقد ادي الاحتقان الطائفي في التسعينات الي هدم عدد كبير من أماكن العبادة. يقول السيد أندراس ريادماير، الخبير بالتراث البلقاني في العهد العثماني، انه درس 392 موقعا دينيا وحضاريا في 19 محافظة بالبوسنة، ووجد ان 92 بالمئة من المساجد البالغ عددها 277، اما انه أزيل تماما او تعرض لتدمير شامل. كما تعرضت دور العبادة الاخري كالاضرحة والمقامات والزوايا الصوفية للتدمير ايضا. ويقول انه لم تبق مئذنة واحدة قائمة في المناطق البوسنية التي وقعت تحت سيطرة الصرب. وقال في تقريره ايضا ان 75 بالمئة من كنائس الكاثوليك الكروات تعرضت للتدمير علي ايدي الصربيين. العالم اذن يواجه جاهلية من نوع جديد، مرتبطة بالعصبية العمياء للمذهب والعرق، وهي ظاهرة بدأت تشق طريقها من الأسفل الي الاعلي. فاذا كانت في السابق محصورة بالطبقات غير المثقفة، فقد تحولت الآن الي فكر يوجه الساسة ورجال الدين والمثقفين. وهنا تكمن الخطورة المدمرة. في العصور الوسطي كانت العصبية الدينية مهيمنة علي النخب السياسية والفكرية والدينية، وهي التي دفعت الي الحروب الصليبية وأحدثت شرخا داخل الكنيسة قبل 500 عام. وبعد النهضة والتنوير تلاشت هذه العصبية في ظل الدولة الغربية الحديثة. اما الآن فهي آخذة في الانتشار مجددا، بعد ان اصبحت النخبة تتحرك وفق املاءات النخوة الدينية والحمية المذهبية. فالمحافظون الجدد في الولايات المتحدة الامريكية وضعوا العالم في اجواء الحرب الدينية، وركزوا جهودهم علي توجيه سياسة امريكا الخارجية وفق اسس وافتراضات منبعثة من قناعات دينية لديهم. ولذلك يأتي التركيز علي الاسلام و الاسلاميين وربط الارهاب بالاسلام، وتحريك الخلافات المذهبية في المنطقة ابتداء بالعراق ودول الخليج، لاثارة هذا البعد الخطير. ولذلك ليس مستبعدا وجود ايد خفية تحرك عمليات الاثارة الطائفية سواء في العراق ام باكستان ام لبنان ام بعض دول الخليج. ان اصطناع هذه الاجواء ليس منفصلا عن استراتيجية مواجهة المد الاسلامي واحتواء الصحوة التي صاحبته خلال الثلاثين عاما الماضية. كما لا يمكن النظر اليه بانفصال عن المنازلات السياسية والعسكرية التي تعد الولايات المتحدة نفسها لها مع ايران. فاثارة الحساسيات المذهبية، في نظر استراتيجيي واشنطن، تحرم ايران من البعد الاسلامي فيما لو قرروا شن عدوان ضدها بحجة التصدي لمشروعها النووي. وقد جاء تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي أعده الدكتور محمد البرادعي الاسبوع الماضي ليزيد احتقان الاجواء في المنطقة، وليكرس حالة الاستقطاب في الموقف ازاء ايران. ثمة تلازم متين بين العبث الثقافي الذي يمثله ازالة المقدسات الاسلامية في الجزيرة العربية، وما يرتبط بذلك من خطط واسعة للتصدي لكل ما يمثل تاريخ الاسلام وحضارة المسلمين من جهة، والرغبة في تكريس حالة تمايز وفق خطوط مذهبية او دينية في المنطقة. ومن الخطأ الكبير لأية جهة ذات مشروع اسلامي سياسي ان تساير هذا التوجه، بدعم التوجهات الطائفية من جهة، وتغض الطرف عما يحدث للآثار الاسلامية في بلدان العالم الاسلامي من تدمير منظم واستئصال غير منطقي بحجج واهية من جهة اخري. فاذا كانت الانظمة العربية حريصة علي الحفاظ علي الآثار الفرعونية وكل ما سبق تاريخ الاسلام، فعليها ان تكون اكثر حرصا علي حماية ما يرتبط بتاريخ الامة وحضارتها، وكلاهما من عوامل القوة النفسية والروحية ليس للامة فحسب، بل للمجتمع البشري قاطبة. ان في تلك الآثار ملاحم واسعة متصلة بتاريخ الآباء والأجداد عندما عززوا وجودهم علي هذا الكوكب من خلال الالتزام بهوية واضحة جمعت شتاتهم، ووفرت لهم صعودا روحيا، وعطاء علميا متطورا، وامتدادا انسانيا تخطي الحدود وتجاوز المسافات. انه تراث يستحق التخليد لانه يبقي مصداقا لتلك الحضارة ولحياة السلف الصالح من المسلمين الذين عمروا الدنيا وقادوا شعوب العالم الي الهداية والخير.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية