عن غوايات العقل السياسي العربي
د. علي محمد فخروعن غوايات العقل السياسي العربيللكاتب الفرنسي مارسيل بروست مقولة: بمرور كل يوم تقلُّ ثقتي بالعقل. أما نحن فبمرور كل دقيقة تتضاءل ثقتنا بالعقل السياسي العربي، عقل الذين يقودون وعقل الذين يقٌّادون. دعنا نفحص كيف يتعامل العقل العربي السياسي هذا علي المستويات الثلاث الآتية.1 ـ معرفة العدو: إن الحيوانات تستطيع بملكاتها العقلية الفطرية البسيطة أن تعرف أعداءها فتتجنًّبهم أو تحاربهم، فلماذا لايستطيع العقل السياسي العربي حسم موضوع التعامل مع أعداء أمته؟ إذا كانت دولة قد زرعت وحمت وقوًّت الوجود الصهيوني الاستيطاني في فلسطين العربية، وقامت باحتلال وتدمير ونهب وتقسيم وعزل العراق العربي ببربرية ولامبالاة، وقادت حملة جائرة دولية لتجويع الشعب العربي الفلسطيني، ووقفت موقف العداء السافر لكل حركات المقاومة العربية أينما كانت وضدًّ أي كان، وأخذت الأمة الإسلامية وحضارتها ودينها بجريرة تجاوزات فئات متطرفة صغيرة جدا وهامشية فأعلنتها حرباً إعلامية وثقافية وسياسية وعلمية وتكنولوجية علي عموم العرب والمسلمين لمنع وحدتهم ونهضتهم .. إذا كانت دولة قد قامت بكل ذلك وأزيد، أليس من المنطق أن يتمُّ التعامل معها في الاقتصاد والسياسة والأمن كدولة عدوًّة؟ لكن العكس يحدث. فالعلاقات السياسية معها هي الأفضل والأقوي، والصفقات الاقتصادية والتجارية والمالية هي الأكبر والأرسخ، والتعاون الأمني هو الأشد والأكثر حميمية. العقل السياسي العربي لايهدي إلي الحرب ولا إلي الممانعة ولا إلي التجنُّب. إنه عقل الفراشة التي لا تستطيع إلاً أن تحترق برضي وطيب خاطر.2 ـ القدرة علي الفرز : يقال ان الثورات والقطط فقط تأكل أولادها. لكن يظهر أننا يجب أن نضيف إلي تلك القائمة الأمم المأزومة التائهة، وأمتنا في اللحظة الحاضرة من بين أولئك. منطقياً فانٌّ أغلي أولاد الأمم هم أبطالها، وبالتالي فيجب أن ترعي وهجهم وكرامتهم وذكريات أفعالهم. لكن العقل السياسي العربي لا يستطيع هنا أن يفرز الأعمال والإنجازات البطولية عن الضعف البشري لدي الأبطال. فمثلما وقع في الماضي المعتوهون من أبناء هذه الأمة فلم يستطيعوا التفريق بين جمال عبدالناصر البطل المحارب الفذٍّ المضحٍّي وعبدالناصر الإنسان الذي له نقاط ضعفه ومحدودية بشريته، فإنهم يفعلون اليوم نفس الشيء مع قائد المقاومة اللبنانية الفذ حسن نصر اللُّه. إن تضحياته ورجولته وبطولة المئات من الشهداء الذين ساروا وراءه وماتوا في سبيل دحر العدوان الصهيوني والغطرسة الامريكية الهمجية لا تفرز بتمعٌّن وبحكمة عن أن تختلط بركام التعقيدات السياسية اللبنانية المحليًّة. في كلا الحالتين ينجح العقل السياسي العربي في حرمان الأمة من إختزان طاقة البطولة ووهج حيويتها وجمال ممارستها لتستفيد منها الأجيال تلو الأجيال. عدم القدرة علي فرز مكونات الوقائع والأحداث والتفريق بين الغثٍّ والسمين منها هي سمة تهدٍّد بأن تجعل ذاكرة هذه الأمة مليئة بما يثبٍّط الهمم وبما يجعل الأمل مستحيلاً.3 ـ التعامل مع الأولويات : باختصار شديد، هل الأولوية القصوي لدي العرب اليوم بالنسبة لما يجري في الخليج العربي هي منع امريكا من إشعال حرب ثالثة ستحرق بشر ومنجزات وخيرات وأموال هذه المنطقة وتعيدها إلي المربع الأول في مسار نهضتها الحديثة أم أن الأولوية هي لإشعال فتيل عداوات التاريخ القديمة التي تمثلت في الحروب الدموية بين الصفويين المسلمين والعثمانيين المسلمين؟إن نظرة واحدة علي ما يكتب وعلي ما يقال ستبرز جنون هذا العقل وما سيقود إليه من لهيب نيران ستلتهم الأخضر واليابس في حين سيتفرًّج عليها الصهاينة والأصوليون الأمريكيون الجدد بلذة المنتصر، وهم يعزفون علي قيثاراتهم، تماماً كما فعل الإمبراطور نيرون مع روما. المشكلة أن المناعة العقلية والفكرية والعاطفية قد ضعفت إلي حدود الخطر عند قادة ومفكري وكتاب وإعلاميٍّي هذه الأمة بحيث استطاعت الهجمة الصهيونية ـ الاستعمارية الإعلامية الثقافية أن تساهم في إغواء العقل السياسي الجمعي العربي، وهو ما يشكل قمة الفواجع.9