مصر.. الإخوان المسلمون.. والمعارضة الشرعية
د. بشير موسي نافعمصر.. الإخوان المسلمون.. والمعارضة الشرعية عادت مسألة وجود وشرعية الإخوان المسلمين وعلاقتهم بنظام الحكم لتحتل صدر الأحداث السياسية المصرية، هذا إن كانت قد غابت من قبل. خلال الأسابيع القليلة الماضية، اعتقل العشرات من كافة المراتب التنظيمية الإخوانية، بدءاً ببعض من أبرز رجال الأعمال المصريين وأعضاء مكتب الإرشاد، الهيئة القيادية العليا للجماعة. وفي حين أوحي توقيت حملة الاعتقالات بأن هناك صلة ما بحادثة التظاهر الاحتجاجي (ذات المظهر شبه العسكري) التي قام بها طلاب أخوان في جامعة الأزهر قبل شهرين، وأثارت حينها ردود فعل متفاوتة في الدوائر السياسية المصرية، فإن اتساع نطاق الاعتقالات، لتطال عدداً متزايداً من محافظات البلاد، وإخواناً من كافة الخلفيات، يشير إلي ما هو أبعد بكثير من تظاهرة الأزهر. ما تشهده العلاقة، غير المستقرة أبداً، بين الحكم المصري والإخوان المسلمين الآن يكاد يصل إلي مستوي المواجهة الشاملة، كتلك التي عرفتها مصر في الخمسينات والستينات، وما تزال تترك مرارة وألماً في الذاكرة المصرية.منذ منتصف السبعينات، لعبت سلسلة من التوازنات والاعتبارات الأمنية والسياسية دوراً رئيسياً في تحديد طبيعة العلاقة بين الحكم والإخوان المسلمين. وبنمو الجماعة خلال ربع القرن الأخير لتصبح القوة السياسية المعارضة الرئيسية بلا منازع، بدا وكأن النظام حدد أسس التعايش القلق مع الإخوان: فمن ناحية، رفض الترخيص للإخوان المسلمين كحزب سياسي شرعي، ومن ناحية أخري، سمح لهم كأمر واقع بكل ما يمكن للحزب ان يقوم به تقريباً. سوغ رفض الترخيص دائماً بنص دستوري لا يسمح بإقامة الأحزاب السياسية علي أساس ديني؛ وهو ما طال الإخوان المسلمين وغيرهم من الراغبين بالعمل السياسي الإسلامي. ولكن غض النظر عن النشاط التنظيمي والنقابي والسياسي للإخوان، بما في ذلك المنافسة في الانتخابات البرلمانية، تم دائماً تحت سقف معين يحدده الظرف السياسي الداخلي وعدد من العوامل الخارجية. فمن وقت إلي آخر، يتعرض الإخوان لحملات أمنية محدودة، تلاحق نشاطاتهم في النقابات المهنية والاتحادات الطلابية، كما ان عدد المقاعد التي استطاعوا الفوز بها في الدورات التي خاضوها من انتخابات مجلس الشعب، بما في ذلك الانتخابات المدوية الأخيرة، كان عدداً محدداً، بغض النظر عن وضعهم الشعبي وكفاءة حملاتهم الانتخابية. خارجياً، ثمة اعتقاد واسع بأن موسم الضغوط الأمريكية، والغربية عموماً، من أجل المزيد من الانفتاح والحريات السياسية في مصر والدول العربية الأخري، قد انتهي. الربط الذي تبنته الإدارة الأمريكية بعد هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 بين الاستبداد السياسي ونمو الاتجاهات الإرهابية في المجتمعات العربية والإسلامية، والربط المقابل بين الديمقراطية والحريات، من جهة، والسلام مع الدولة العبرية والتحديث غربي التوجه، من جهة أخري، قد تراجع لصالح رؤية أكثر براغماتية. السبب الرئيسي خلف هذا التحول أن كل دولة عربية أو إسلامية سمحت بعقد انتخابات حرة أو شبه حرة خلال السنوات القليلة الماضية، برلمانية كانت، أو رئاسية أو بلدية، من تركيا وإيران وباكستان ولبنان، إلي السعودية ومصر وفلسطين، أظهرت فوزاً كاسحاً أو صعوداً ملموساً للقوي الإسلامية السياسية، لا سيما تلك التي تعبر عن معارضة واضحة للسياسات الأمريكية. ولا يواجه النفوذ الأمريكي تحدياً علي هذا المستوي وحسب، بل يواجه تحديات علي مستوي الضعف المتفاقم للأنظمة الصديقة وقدرتها في الحفاظ علي اتباع سياسات متوافقة مع السياسات الأمريكية. ما يتضح الآن ان واشنطن عادت إلي التقاليد الراسخة للعلاقات بالأصدقاء والحلفاء العرب والمسلمين، أي إفساح المجال كاملاً للأنظمة للتعامل مع قواها السياسية بما تراه مناسباً.داخلياً، تتعلق إحدي النظريات المتداولة لتفسير اتساع نطاق الحملة الحالية التي يتعرض لها الإخوان بتحضيرات كانوا يقومون بها للإعلان عن حزب سياسي. ولكن أكثر من مسؤول إخواني أعلن أن ليس ثمة ما هو غير غير عادي في هذا السياق، وأن الإخوان المسلمين لم يتوقفوا أصلاً عن مناقشة هذا الموضوع. ويصعب، علي أية حال، تصور ان يرتبط التصعيد الأمني الكبير بمسألة الحزب؛ فحتي إن تقدم الإخوان بطلب ترخيص حزب سياسي، تحت اسم الجماعة أو باسم جديد، فالمتوقع أن ترفض السلطات المعنية الموافقة علي الطلب. وهذا في النهاية لن يغير شيئاً من الواقع الحالي؛ بمعني أن قواعد العلاقة المستقرة بين الإخوان والنظام تفسح المجال لهم بالعمل السياسي بدون توفير ترخيص حزبي، كما ان إيصال رسالة برفض الترخيص لا يستدعي مثل هذه الحملة من الاعتقالات. وبينما تفتقر نظرية الحزب إلي المنطق، فإن نظرية الربط بين الحملة علي الإخوان والتمهيد لإيصال ابن الرئيس، السيد جمال مبارك، إلي رئاسة الجمهورية، الذي تتداول الأوساط المصرية مسألته منذ سنوات، لا تبدو أكثر منطقية. فإن كان سيناريو الخلافة جدياً بالفعل، فإن مشكلة هذا السيناريو ليست إخوانية أصلاً، ولا هي إخوانية بالضرورة، بل هي مشكلة تتجاوز كل القوي السياسية المصرية مجتمعة. مشكلة سيناريو الخلافة الرئيسية هي مع الشارع المصري ومع بنية النظام الجمهوري لا القوي السياسية. قد لا تكون هناك حاجة أصلاً لوجود سبب طارئ أو محدد لهذه الحملة. فمصر تمر بمرحلة انتقالية بالغة القلق، لا تدفع باتجاه تبني إجراءات مثيرة للاستغراب في الداخل وحسب، بل وتؤثر تاثيراً سلبياً علي السياسة الخارجية. فمنذ ولادة النظام الجمهوري، والجيش المصري يمثل قاعدة الاستقرار وضمانته، بالرغم من أنه لا يلعب دوراً سياسياً مباشراً كذلك الذي لعبه الجيش التركي، مثلاً، من خلال مجلس الأمن القومي. ولكن مصر اليوم تبدو في حيرة من أمرها فيما يخص الموقع الذي احتلته مؤسسة الجيش في بنية النظام الجمهوري. ويتعلق هذا الأمر، بالطبع، في أحد وجوهه علي الأقل، باحتمال ترشيح جمال مبارك لخلافة والده. إلي جانب هذا السؤال الكبير، يبرز سؤال الإجماع السياسي المصري، أسس هذا الإجماع ومسوغاته. ولعل الإعلان الرئاسي مؤخراً عن إطلاق عملية تعديل دستوري واسعة وغير مسبوقة تدل بوضح علي أنه حتي رأس الحكم بات علي قناعة بضرورة إعادة النظر في الأسس التي يقوم عليها نظام الجمهوري، بغض النظر عن جدية ومدي التوجه الإصلاحي في التعديلات المقترحة. ويرتبط السؤال الثالث ارتباطاً وثيقاً بأسس الإجماع السياسي، والمقصود هو السؤال المتعلق بالوضع والموقع الذي يحتله الإسلام في بنية الجمهورية المصرية، والإسلام هنا ليس بمعني الإيمان الديني فقط، ولكن أيضاً بمعني المرجعية السياسية والتشريعية.تمر مصر بمرحلة انتقالية لأن الجدل الذي تعيشه هو جدل المسائل الكبري، المسائل التي تمس استقرار ومستقبل الدول. ووضع الإخوان المسلمين هو في جوهر هذا الجدل. وليس في هذا مبالغة علي أي نحو من الأنحاء؛ فعندما تتعلق الأمور بأكبر قوة سياسية في البلاد وأعمقها جذوراً، القوة التي لا تتمتع بسمة العمل السياسي الشرعي، فإن الحديث يدور حول القضايا الرئيسية للدولة والحكم والاجتماع السياسي. حملة الاعتقالات الواسعة لقيادات وكوادر الإخوان لا تحتاج مبرراً ومسوغاً محدداً؛ فكلما طالت المرحلة الانتقالية التي يمر بها نظام سياسي ما كلما تحولت إلي مأزق. ومصر السياسية اليوم هي في مأزق فعلاً؛ مأزق ينعكس في تعديلات دستورية تخالف روح العصر ومطالب الناس، في فقدان حالة اليقين، في تراجع الدور الإقليمي، وفي اعتقالات عناصر القوة السياسية المعارضة الرئيسية في البرلمان والبلاد.الدارس لتاريخ ومسيرة الإخوان المسلمين في مصر يلحظ تطوراً حثيثاً في خطاب الجماعة ورؤيتها الفكرية والسياسية. في البداية، كان الإخوان يطالبون بدولة إسلامية، بدون أن يكون لديهم تصور واضح لما تعنيه الدولة الإسلامية، دستورياً وعلي صعيد علاقتها بالدولة الحديثة. ولكن الجدل الكبير الذي أحاط بصعود القوي الإسلامية السياسية في المنطقة العربية خلال السبعينات والثمانينات، جعل الإخوان يؤكدون الطبيعة المدنية للدولة الإسلامية، وينفون عنها الطابع الديني الذي عرفته دول القرون الوسطي في أوروبا. ومع منتصف التسعينات، كان الإخوان يصدرون وثيقتين رئيستين تتعلقان بمسألة المرأة في الاجتماع السياسي الإسلامي، ومسألة التعددية السياسية والتبادل السلمي علي السلطة. وقد كان صدور هاتين الوثيقتين مقدمة طبيعية لقفزة جديدة في الخطاب السياسي الإخواني، تمثلت بتبني الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، حيث يمتلك الشعب حق تفسير هذه المرجعية وحدودها وما تعنيه دستورياً وسياسياً. هذا التطور الكبير في الخطاب السياسي الإخواني هو في حد ذاته مساهمة بالغة الأهمية في طريق تبلور مركز ثقل إجماعي سياسي مصري، يتعامل مع الأسئلة الكبري التي يواجهها الاجتماع السياسي المصري. بيد ان التصعيد الحكومي الأمني ضد الإخوان المسلمين يثير تساؤلات من نوع آخر، تتعلق بما يعرف عادة بقوي المعارضة المصرية الشرعية . و الشرعية في سياق العمل السياسي الحزبي هو مصطلح ذو منشأ عربي للدلالة علي وجود معارضات سياسية من أصناف مختلفة، بعضها مرخص به وشرعي والآخر غير مرخص به ولا شرعي، بالرغم من وجوده الفعلي، وربما كان، كما هي الحالة المصرية، يتفوق في حجمه ووزنه الشعبي عن كل الأحزاب الشرعية مجتمعة. وما لاحظه مراقبو الحياة السياسية المصرية ان أحزاب المعارضة الشرعية لم تقف خلال الأسابيع القليلة الماضية الموقف اللائق للدفاع عن الديمقراطية والحريات وحكم القانون، وكأنها تقف موقف التواطؤ الضمني مع الحملة الموجهة ضد الإخوان المسلمين، وتؤيد فعلاً إجراءات إضعافهم، حتي إن كانت غير مبررة ولا قانونية. وهذه ليست المرة الأولي التي تقف فيها الأحزاب السياسية المصرية المعارضة هذا الموقف المضطرب من تفاقم العلاقة بين الحكم وحزب معارض آخر، بينما تخوض البلاد بكل قواها نضالاً حرجاً من أجل الدفاع عن مكاسب الحريات القائمة وتوسيع نطاقها. مثل هذا الموقف لن يحمي المكتسبات الديمقراطية ولا الأحزاب السياسية الشرعية. ما سيحمي كليهما هو العمل علي حماية حكم القانون والحريات لكل المصريين، ولكل قواهم السياسية. 9